صراع الهوية في تركيا بين العلمانية واوروبا والاسلام

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

ما طبيعة الصراع الجاري في تركيا؟ أهو صراع علي السلطة؟ ام الهوية؟ ام التوجه السياسي والايديولوجي؟ ام انه خليط من كل ذلك؟ ما يجري هذه الايام من تطورات سياسية في تركيا يؤكد حقيقة مهمة وهي ان تدخل العسكر في الشؤون السياسية يؤدي الي تكريس الازمات ولا يحلها، ويسعي لمصادرة دور المواطنين في التشريع والادارة. ويمكن القول ان تركيا لم تشهد فترة أكثر أمنا واستقرارا من الفترة الحالية تحت حكم حزب العدالة والتنمية الذي يوصف عادة بانه ذو ميول اسلامية.

ولم تؤد ادارة العسكر شؤون البلاد علي مدي اكثر من سبعة عقود الا الي تكريس الازمات السياسية وانتهاكات حقوق الانسان وتداعي الاوضاع الاقتصادية. وقد كان لتدخل الجيش عبر الانقلابات العسكرية ما بين 1952 و 1980 آثار مدمرة علي هذا البلد العملاق، اذ استمر التوتر الداخلي والاعتقالات والتعذيب، وتشوهت سمعة تركيا حتي لدي حلفائها في الغرب بسبب الانتهاكات الفظيعة لحقوق الانسان علي ايدي الحكومات المدعومة من الجيش. حكم الجنرالات أدي الي تضاؤل الشراكة المدنية، ولم ينجح في اخماد الحركات الانفصالية خصوصا الكردية منها. وهكذا اصبحت صورة حكم العسكر مشوهة في الاذهان، فلا هم استطاعوا اقامة نمط ديمقراطي يلبي تطلعات المواطنين، ولا استطاعوا احلال الامن والاستقرار والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولم يحققوا الوئام مع الجيران او الحلفاء. وبقي الوضع التركي خاضعا للضغوط الداخلية والخارجية، وبقيت ملفات حقوق الانسان عاملا محرجا للاوروبيين الذين برروا رفض انضمام تركيا لهم علي اساسها. وتواصلت اعمال العنف خصوصا في شمال شرقي تركيا حيث نشط حزب العمال التركي الذي يطالب بوطن كردي منفصل. وتواصل تضييق الحريات العامة من قبل العسكر الذين اصبح وجودهم في موقع النفوذ عاملا مناقضا للمصالح التركية. الفصل الحالي من التوتر، كما هي العادة، بدأ بتلميحات قوية من الجنرالات للتدخل في الشأن السياسي بشكل حاسم لمنع ما اسموه تهديد العلمنة علي ايدي الاسلاميين. جاء ذلك بعد ان حان موعد الاستحقاق الانتخابي لرئيس الدولة. الرئيس الحالي، أحمد نجدت سيزر، انتخب في العام 2000 بعد انتهاء فترة رئاسة سليمان ديميريل. وهنا طرح حزب العدالة والتنمية الحاكم وزير الخارجية، عبد الله غول، مرشحا لمنصب الرئاسة. وعقدت الدورة الاولي من الانتخابات، وبدا واضحا ان المرشح الاسلامي في طريقه الي الفوز في الدورة الثانية، الامر الذي أغضب النخب العلمانية وفي مقدمتها جنرالات الجيش. وتم تنظيم مظاهرات شارك فيها آلاف من المواطنين، تعارض الاجندة الاسلامية وتطالب بحماية العلمانية في تركيا. ونظرا لحساسية الوضع، طرحت الحكومة مشروعا امام البرلمان يقضي بتغيير قانون الانتخابات الرئاسية، وذلك بتحويله من البرلمان الي المواطنين بحيث يتم انتخاب الرئيس بالتصويت الشعبي المباشر. وقد أقر هذا القانون بأغلبية تتجاوز الثلثين. وتزامن مع ذلك قرار الحكومة اجراء انتخابات برلمانية عامة في 22 تموز (يوليو)، الامر الذي دفع التيار العلماني الي اعادة تشكيل صفوفه لضمان قدر من النجاح في تلك الانتخابات. الواضح ان الحكومة راهنت علي شعبيتها المتزايدة وامكان زيادة حصتها في البرلمان. هذا الرهان ليس بعيدا عن الواقع. فبعد خمسة اعوام، استطاعت الحكومة ان تحقق عددا من الانجازات المهمة التي من شأنها استقطاب الرأي العام لصالحها في الانتخابات المزمعة. اهم هذه الانجازات تحقق قدر من الامن والاستقرار لم تشهده البلاد من قبل. هذا برغم التفجيرات التي شهدتها اسطنبول وانقرة ابتداء من 2003 حتي 2006، وهي تفجيرات لم يعرف بالتحديد هوية مرتكبيها، ولكنها جميعا تستهدف خلق الفوضي في هذا البلد المسلم الكبير. وبالاضافة للامن والاستقرار، يشار الي النمو الاقتصادي الذي تحقق في السنوات الخمس الماضية، والذي جاء بعد اضطرابات اقتصادية عديدة ادت في 2001 الي تعويم الليرة التركية وتراجع قيمتها الي مستويات هابطة جدا. قامت سياسة الحكومة الحالية برئاسة طيب اردوغان علي اساس تحرير الاقتصاد الذي كان موجها وفقا لسياسات النظام وحافلا بالفساد والمحسوبية والاضطراب النقدي، وعدم القدرة علي تحقيق النمو المطلوب. وبسبب سياسات حزب العدالة والتنمية توافدات الاستثمارات الاجنبية علي البلاد وتم تقليص معدلات التضخم واضطراب العملة، وتطورت حركة انتقال الاموال والبضائع. هذا النمو دفع المؤسسات النقدية الدولية للاشادة بقوة الاقتصاد التركي والسياسات التي وراءه. وشعرت الدول الاوروبية بقدر من الثقة بقدرة حكم حزب العدالة والتنمية علي ادارة شؤون تركيا بنمط يجعلها قادرة علي اللحاق بالمجموعة الاوروبية، فيما لو توفرت الارادة السياسية والايديولوجية لتلك الدولة، وان ذلك الاقتصاد قادر علي الانسجام مع ظاهرة العولمة الاقتصادية التي اصبحت تفرض نفسها علي كافة الدول. ونجحت الحكومة التركية بزعامة اردوغان في توجيه خطاب مناسب لاوروبا، واحرجتها بانجازاتها الي الحد الذي اضطر تلك الدول للاعتراف بضرورة بدء المفاوضات حول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي. وتدرك انقرة ان ذلك الطريق طويل جدا وانه قد لا يؤدي في النهاية الي تلك العضوية لأسباب ايديولوجية ودينية وليست فنية او ادارية. وحتي بالنسبة للمسألة القبرصية، فقد استطاعت الحكومة التركية تقليل مخاوف الاوروبيين ازاءها واقناعهم بضرورة تجاوز المسألة في اثر تلك التطورات. كما قطعت تركيا شوطا علي طريق الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الانسان بعد عقود من الاتهامات المتواصلة من المنظمات الحقوقية والسياسية بانتهاكات خطيرة في هذه المجالات. كان العسكر يصرون علي تلك القوانين المعوقة للحريات في فترة الحرب الباردة لمحاصرة الحريات خصوصا في ذروة المد الشيوعي، وما يمثله ذلك من تناقض مع المشروع الغربي عموما. وفي غضون سنوات قليلة استطاعت الحكومة التركية ازالة القوانين المعوقة للحريات بشكل أرضي قطاعات وجهات عديدة منها الولايات المتحدة واوروبا والمنظمات الحقوقية والاكراد. بل ان النخبة العلمانية التركية اصبحت غير قادرة علي الاعتراض علي سياسات الحكومة. مع ذلك استمرت حساسية الجنرالات الذين وجدوا انفسهم بين امرين: فاما مواجهة الظاهرة الديمقراطية، وهو امر لا يجد له مبررا حتي لدي حلفائهم الاوروبيين والامريكيين خصوصا بعد ان اثبت الاسلاميون قدرتهم علي ادارة اعقد الملفات واكثرها سخونة، او الصمت علي ما يجري، وفي ذلك قضاء تدريجي علي الظاهرة العلمانية ومعها نفوذهم. ولذلك جاء الموقف التكتيكي لحزبي الطريق القويم والوطن الأم بمقاطعة الجلسة البرلمانية الاولي لانتخاب الرئيس لمنع توفر النصاب اللازم لذلك، ثم جاء قرار المحكمة الدستورية بالغاء نتائج تلك الدورة بذريعة عدم توفر ذلك النصاب. الامر المهم هنا هو ان الغاء تلك النتائج لا يعني نهاية الطريق امام الاسلاميين. ولذلك جاء قرار الحزب الحاكم حاسما في مسألتين: اولاهما تحويل الانتخابات الرئاسية من البرلمان الي الشعب، وتحديد الفترة الرئاسية بخمسة اعوام بدلا من سبعة، وثانيها اعلان موعد للانتخابات البرلمانية، بشكل فاجأ الآخرين، وجعلهم امام واقع صعب لا يستطيعون ضمان نتائجه. وليس مستبعدا ان تؤدي تلك الانتخابات لزيادة حصة الاسلاميين علي حساب الاحزاب العلمانية، خصوصا في ضوء الانجازات المهمة التي حققها حزب العدالة والتنمية. ولن يؤدي اندماج الحزبين الرئيسيين: الوطن القويم والوطن الأم الي تغير جوهري في حصة المعارضين للتيار الاسلامي الذي يتوقع ان يكتسح مقاعد البرلمان المقبل. هذه الحقائق لا تلغي وجود صعوبات ومخاطر امام التيار الاسلامي في تركيا. منها ان الطريق الي اوروبا ما يزال طويلا وشاقا، وغير مضمون النتائج. وان ما يبدو من رغبة اوروبية في وجود عنصر اسلامي وسط عالم يعتبر تقليديا مسيحيا يمثل حلقة وصل مع العالم الاسلامي، تواجهه حساسية مفرطة لدي قطاعات واسعة في الغرب ازاء بعض المظاهر الاسلامية. ويمثل موضوع الحجاب واحدا من الظواهر التي تؤدي الي الاحتكاك واحتقان العلاقات. وكان من بين الاعتراضات علي ترشح عبد الله غول للرئاسة ارتداء زوجته الحجاب الاسلامي. كما ان رئيس الوزراء نفسه وجد نفسه محرجا عندما بلغت ابنته المرحلة الجامعية، فوجد نفسه مضطرا لابتعاثها الي الولايات المتحدة لتلقي تعليمها الجامعي مع الاحتفاظ بحجابها. التجربة التركية كشفت جانبا اساسيا في العقلية العسكرية. فهي عقلية حادة تمارس التطرف المشفوع بالدموية والعنف، ولا يستطيع اصحابها الانفصال عن تلك الحالة. فاذا امتزجت بالعلمانية اصبحت قوة مدمرة ضد الاسلاميين. هذا ما حدث في الجزائر حتي نهاية التسعينات، فتلك تجربة توازي التجربة التركية من حيث النزعة الاستئصالية والدموية. وهذا ما تشير اليه التجربة الباكستانية مع حكم العسكر. فالرئيس الحالي، برويز مشرف، الذي انقلب علي الحكومة المنتخبة يصر علي البقاء في منصبه بأية وسيلة. وقد خلق ازمة جديدة باقالته رئيس القضاة، افتخار تشودري، الشهر الماضي، ووضع البلاد في ازمة سياسية جديدة. ويحظي مشرف بدعم الولايات المتحدة التي تري فيه البديل الافضل في الوقت الحاضر وهي تخوض ما تسميه الحرب علي الارهاب. وكما اثبتت تجربة تركيا والجزائر، فان التجربة الباكستانية كشفت بوضوح عدم امكان الاعتماد علي الحكم العسكري كبديل عملي للحكم المدني القائم علي الديمقراطية واحترام حقوق الانسان. وحتي الانظمة العربية لا تختلف في انماطها عن الحكم العسكري، فالحاكم يتعاطي مع مواطنيه بعقلية الاستئثار المطلق بالسلطة ورفض النقد او الاعتراض من المواطنين، والا سلط عليهم جلاوزته وفتح لهم ابواب السجون او علقهم علي المشانق. ان الاوطان لا تبني بهذه الانماط من الحكم، ولا يمكن الاعتماد عليها لبناء الدولة العصرية القادرة علي النهوض والنمو وحفظ الامن والاستقرار. في ضوء التطورات التي شهدتها تركيا في الشهور الاخيرة، اصبح الوضع قلقا ازاء ما يخبئه المستقبل. فالعسكر يجدون ان من الصعب السماح بالممارسة الديمقراطية، اذا كانت ستقلم اظفارهم وتحاصرهم في ثكناتهم بعيدا عن السياسة. وقد ادرك الغربيون خطر التدخلات العسكرية في الحكم المدني في تركيا، ووجهوا تحذيرا من اية محاولة لعرقلة الممارسة الديمقراطية، لاسباب من اهمها ما انتجته تجربة الحكم العسكري في البلدان الاسلامية الكبري. ولكن هذا التحذير لا يعني الكثير، وليس مستبعدا ان يعيدوا النظر في موقفهم فيما لو حدث تطور سلبي في المسيرة الديمقراطية بانقضاض العسكر علي الحكم وتدبير انقلاب ضد الحكومة المنتخبة. ان من حق الحكومة طرح مرشحها لرئاسة الدولة، مع ان هذه الرئاسة صورية وليست فاعلة. الجنرالات يعتبرون الرئاسة رمزا لهوية البلاد العلمانية، تلك الهوية التي تجسدت بدستور 1925 الذي ألغي مادة الاسلام دين الدولة وذلك بعد عامين علي سقوط الدولة العثمانية وقيام تركيا كجمهورية جديدة برئاسة كمال اتاتورك. وعلي مدي العقود اللاحقة تم تأصيل مبدأ العلمنة بالتخلي عن كل ما يشد تركيا الي الاسلام والشرق، والغاء الحروف العربية ومكافحة كافة المظاهر الدينية في البلاد. واستمر ذلك النهج حتي بعد وفاة اتاتورك في 1938، كانت هوية البلاد مصطنعة، فلم يشعر الاتراك بشكل جاد بانهم ينتمون للغرب، بل بقي شعورهم، عبر الاجيال، بالانتماء الاسلامي. وشأنهم هذا لا يختلف عن شأن شعوب الجمهوريات الاسلامية في الاتحاد السوفييتي التي بقيت علي تواصل شعوري بالدين حتي عندما كانت الشيوعية هي التي تحكم الاتحاد السوفييتي. وعندما سقط انتعشت الظاهرة الدينية مجددا، واصبحت تمثل قوة محورية في التوازن السياسي والعقيدي في دول آسيا الوسطي. ان امام تركيا خيارات محدودة وهي تبحث عن هوية جديدة في عالم اصبح يبحث عن هوية سياسية تتعاطي بايجابية مع المجتمعات الراغبة في العيش بسلام وامن داخل حدودها بدون تدخلات خارجية، وفي ضمن الاطر الثقافية والفكرية لاجيال تلك المجتمعات. ومن الخطأ الكبير اصرار العسكر علي التدخل في الشؤون السياسية ومصادرة حق المواطنين في اختيار ما يناسبهم من انماط سياسية وفكرية. فذلك يتناقض مع ابسط مباديء حق تقرير المصير وحرية الاختيار والمشاركة السياسية والخصوصيات الثقافية للشعوب. فاذا كانت تركيا جادة في الالتحاق بالركب الاوروبي فعليها ان تحسم مسألة هويتها ضمن اطر ديمقراطية، وان تمنع صعود العسكر الي الحكم، وان لا تصادر حق المواطنين في الترشح والانتخاب لملء أي موقع شاغر في هيكل السلطة. لقد خطت تركيا خطوات ايجابية علي طريق الممارسة الديمقراطية بعد ان تضاءل دور العسكريين، وهي مسيرة ايجابية تستحق الدعم والترسيخ بعيدا عن الرغبة في العودة الي الماضي القريب الحافل بالصراع من اجل تحديد الهوية، وهو صراع مصطنع لا يؤدي الي نتيجة. ان الصراع هو من اجل الوجود والبناء والحرية ودولة القانون، وبدونه لا يبقي للمواطنين دور يذكر علي الصعيد الديمقراطي. ان علي تركيا ان تحسم امرها بين ان تكون اسلامية او اوروبية، وهذا هو عنوان الصراع الحالي. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية