بهنسا المصرية مدينة المتفائلين بمعجزات الصحابة والمتشائمين من روح الإله سدر

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة-“القدس العربي”: بهنسا تلك المدينة التي باتت منسية بعد أن طالها الإهمال فلا يتذكرها في الغالب سوى أصحاب الحاجات من عوام الناس، من المؤمنين بمعجزات الأولياء الصالحين حتى بعد وفاتهم منذ قرون، على الرغم من انهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً من دون الله. يذهب إليها البعض على أمل أن ينال بركاتهم، إذ تحتضن تحت ترابها رفات ما يناهز عن 5 آلاف من صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن أبنائهم لذا سميت بالأرض المباركة.

تقع على حافة الصحراء من الناحية الغربية، وتتبع مركز بني مزار إحدى مدن محافظة المنيا. وتبعد بهنسا عن القاهرة نحو 200 كيلومتر جنوباً، وهي تحتوي على آثار من مختلف العصور، بداية من العصور المصرية القديمة والفرعونية مرورا بالعصر الروماني والقبطي والإسلامي. وتتعدد الروايات حول سبب إطلاق هذا الاسم عليها، ومن بينها أن بطليموس الروماني كان حاكماً لها وكانت لديه فتاة تشتهر بجمالها المتفرد، لذا أطلق عليها بهاء النسا، ومن هنا اشتق منها اسم بهنسا. وهناك رواية أخرى تقول إنها سميت على اسم ملكة رومانية كانت تدعى بهاء النسا ولذلك أطلق عليها الاسم نفسه. كما أطلق عليها الغزاة أسماء أخرى.

متحف تاريخي

تعتبر بهنسا متحفا تاريخيا يضم العصور التي تعاقبت على مصر حيث لكل منها نصيب وآثار تدل على الغزوات التي توالت على مصر. في العصر الفرعوني كانت تربط بين وادي النيل والواحات البحرية وكانت عاصمة الإقليم التاسع عشر من مقاطعات محافظة مصر العليا وكانت تسمى “برمجد” أي مدينة الالتقاء، حيث كانت مركزا لعبادة الإله سدر رمز الشر في الديانة المصرية القديمة. وكانت القوائم الجغرافية تتجاهل بهنسا تشاؤما من ذكر اسمها وسميت اوكسيرنيكوس وتعني مدينة السمكة وهي سمكة القنومة التي كانت موضع القداسة عند قدماء المصريين. وحينما حل اليونانيون في مصر واستقرت الجالية في بهنسا، كان أفرادها أول من اكتشفوا البرديات التي تلقي الضوء على حياة الشعب في المدينة وسلوكهم اليومي وكيف يسافرون إلى الإسكندرية طلبا للعلم وكيف يرسلون الرسائل التي كشفت بعضها تبرمهم بسبب زيادة المصروفات. وقد أطلق عليها لاحقاً مدينة الشهداء لكثرة من استشهد فيها خلال الفتوحات مما جعل البعض يرفع من منزلتها باعتبارها نموذجاً للتضحية والاستشهاد والفداء.

التاريخ يكشف أسراره

 

نظرة متأملة لتاريخ الحفريات التي أجريت في المواقع الأثرية في صعيد مصر، نجد أن بهنسا تتبوأ مرتبة متقدمة حيث تعد من أقدم الأماكن أثريا. ففي عام 1896 هبط على المدينة العالمان الإنكليزيان السير كريفر والسير هيرف عام 1869 وعام 1897 انتابت كلاهما الدهشة ذات صباح حين عثرا على أعداد كبيرة من البرديات التي اكتشفاها فور قدومهم ولذلك قررا البقاء لفترة طويلة في بهنسا، حتى جاء بعد ذلك العالم فلندذ بترى عام 1925 والذي ينسب إليه فضل رفع ظلال المسرح الروماني ورسمه هندسياً. شهدت بهنسا العديد من الحضارات وتزخر بمقابر ذات طابع فرعوني ترجع إلى العصر الصاوي عام 26 وفيها التوابيت والقوالب الحجرية وهناك العديد من المقابر ترجع إلى العصر الروماني الذي خلف وراءه مقابر قبطية بعضها شيدت على نحو بسيط من سعف النخل، إذ استلهم البناؤون روح الديانة المسيحية في العصر الروماني وكان ذلك يتجلى في المنطقة في روعة العناصر المعمارية المعروفة ولكنها باتت لاحقا شاهد عيان على حضارات غابرة قبل ان تطويها شمس التاريخ حيث سبق وقام الرومان على بنائها فشيدوا 360 معبداً بعدد أيام السنة وما زال التاريخ يشهد تعاقب الحضارات على بهنسا وتوافد الغزاة الذين وردوا عليها تاركين خلفهم بعضاً من علامات التاريخ الإنساني.

الصحابة عاشوا هنا

تعد آثار العصر القبطي شاهد عيان في بهنسا على ثراء المدينة بكنوزها وتتمثل فيما تشهده من باقي كنائس ومعابد هذا العصر عثرت عليها البعثة التي تولت عمليات الحفر والتنقيب ومن أبرز تلك المعابد والمزارات شجرة مريم العذراء والتي يرجع سبب تسميتها إلى أن السيدة مريم جلست تحتها واستظلت بها هي والمسيح عيسى عليه السلام ويوسف النجار. وللعصر الإسلامي نصيب كبير من نفائس المدينة حيث يوجد فيها أكثر من موقع تاريخي منذ عهد الفتح الإسلامي لمصر حيث استشهد فيها نحو 5000 صحابي وتابعي منهم 70 من الذين حضروا مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم غزوة بدر الذين أثنى عليهم الله ورسوله في القرآن الكريم والسنة المطهرة. ومن أبرز من تم دفنهم في بهنسا الصحابي زياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الذي شيد له لاحقاً مقام أثري لم يتبق منه إلا المدخل. ومن أهم المزارات مقام السبعين بدريا وفي طليعتهم ميسرة بن مسرق العبسي ومحمد بن عقبة بن أبي سعيد وعبيدة بن الصامت أحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضريح محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. وفي بهنسا أيضا مئذنة مسجد أبو سمرة بن زين العابدين بن الحسين وهي مقامة على الأحجار الفرعونية.

القرية تشتهر بكثرة بقايا المساجد التي اندثرت، ولكن المتبقي منها مسجد الحسن بن صالح رضي الله عنه وهو مبني على الطراز الإسلامي وتتجلى فيه العمارة الإسلامية في مئذنة وأروقة الشهداء والصحابة والتابعين ومنهم الأمير زياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم الرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخيه في الرضاعة الذي حضر غزوة حنين ومات في 20 هجري أي 640 ميلادية، والصحابي محمد بن أبي بكر الصديق الذي تولى إمارة مصر في عهد عثمان بن عفان والذي ولد في حجة الوداع وانضم بعد ذلك إلى جيش علي ابن أبي طالب وواجه جيش معاوية بن أبي سفيان وقتل ودفن في صحراء مصر. ومن آثار المدينة ضريح السبع بنات الذي أعاده علي باشا مبارك مشيراً إلى أن هذا الضريح لم يكن موجودا في هذه الفترة بل كان أرضاً ينشد فيها الناس رجالا ونساء آثار الصحابة والأولياء أملاً في الشفاء.

مدينة الأضرحة والقديسين

تزدهر في بهنسا الأضرحة الخاصة بأولياء الله الصالحين وعلى الرغم من عدم وجود توثيق دقيق لمجمل تلك المزارات الأثرية، إلا ان حالة من السكينة والرهبة تنتاب كل من يقترب من تلك الأماكن خاصة التي يرقد فيها الصحابة والذين رافقوا عمرو بن العاص عند فتحه مصر. ومن بين تلك المزارات التاريخية الشهيرة بين الأهالي ضريح عبد الله الدكروري وهو أبو محمد يوسف بن عبد الله الدكروري من بلدة الدكروري المغرب. وهو عالم فقيه مجتهد من الأمراء الذين زاروا مدينة بهنسا والضريح له 3 قباب. وكذلك ضريح محمد بن ذر الغفاري يرجع نسبه إلى قبيلة غفار وهو من أحد التابعين الذين حضروا فتح بهنسا. وإذا زرت المدينة سوف يحدثك أهلها عن ضريح محمد الخرشي وهو أحد العلماء الذين ذاع صيتهم في العصر العثماني وترك من خلفه العديد من المؤلفات الكثيرة في العقيدة الإسلامية والفقه. ويوجد في بهنسا مسجد الحسن بن صالح بن علي زين العابدين بن الحسن بن علي بن أبي طالب وهذا المسجد يحظى بإقبال الأهالي والزوار وبعض الباحثين في التاريخ، ويرجع إلى العصر الفاطمي 358هجرية 969 ميلادية وهو يشتمل على صحن أوسط مستطيل مكشوف تحيط به أربع مظلات أكبرها مظلة القبلة، وشيد المسجد في العصر العباسي 32هجرية أي 749ميلادية ويعود إلى العصر الفاطمي.

دم عثمان

ومن أبرز الأضرحة في القرية ضريح ينسب إلى عثمان بن عفان. ويشير بعض المؤرخين إلى أنه زار بهنسا في العصر الأموي واستقر ودفن فيها وكان معه 260 دينارا ذهب، بالإضافة إلى جارية واثنين من العبيد و500 ناقة و600 جمل بالإضافة إلى نسخة من المصحف الشريف، ويقال إنها النسخة الأصلية التي توجد عليها بقع دماء سيدنا عثمان بن عفان وقتل وهو يقرأ هذا المصحف. جدير بالذكر ان بهنسا تعد من أهم ولايات مصر في العصر العثماني وبدأ نجمها في الأفول لاحقاً بسبب مشقة الوصول إليها. ووصل إليها الفتح الإسلامي في عام 21 من الهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

عاش فيها الفراعنة وأسسوا أعظم حضارات العالم، وجاء إليها اليونانيون والرومانيون، ومرت عليها رحلة العائلة المقدسة وتشرفت بقدوم سيدنا عيسى عليه السلام وأمه العذراء مريم وفي صحبتهما يوسف النجار. ولأنها أرض مباركة زادت قدسيتها بعد فتح مصر عندما استشهد على أرضها 5 آلاف من خيار الصحابة والتابعين، بينهم 70 حاربوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة بدر، ولذلك أطلق عليها كثيرون “بقيع مصر” نسبة إلى البقيع في المدينة المنورة التي تشبهها بكثرة الصحابة المدفونين في أرضها.

سبع مجاهدات

أجمع عدد من المفسرين على أن بهنسا هي المعنية في قوله تعالى في سورة المؤمنون “وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين” وتوجد على أطراف بهنسا مجموعة أضرحة السبع بنات، وهي التي تدور حولها أساطير وملاحم شعبية تتوارثها الأجيال، وهذا المكان يتحول إلى ما يشبه العيد القومي لبهنسا صبيحة كل يوم جمعة، حيث تتوافد أعداد غفيرة من أهالي القرية والبلاد المجاورة للزيارة والتبرك. كما يوجد مزار شجرة مريم عليها السلام، وفي القرية سبعة أضرحة متفرقة لا يعرف شيء عن قاطنيها، لكنها اشتهرت بالسبع بنات، وهناك روايات تؤكد أن الأضرحة لسبع قبطيات كن يتسللن إلى جيش المسلمين أثناء حصاره للمدينة بالمؤن والطعام فأدركهن جيش الرومان وطاردهن وظل يقتل فيهن وهن يركضن فكان كلما أدركوا واحدة منهن قتلوها حتى قتلوهن جميعا، وأثناء المطاردة كانت دماء السبع بنات تنزف فاحمرت الأرض واخضبت بدمائهن.

وحول أسباب تسميتها مدينة الشهداء أشار مؤرخون لكونها استعصت في بداية الأمر على جيش المسلمين ولم تفتح إلا بعد سقوط العديد من الشهداء من الصحابة والتابعين. ومما ذكره المؤرخون ان عمر بن الخطاب نصح عمرو بن العاص وجنوده قائلا: “إن أردتم فتح الصعيد فعليكم ببهنسا وإهناسيا حيث يوجد فيهما بطريرك ظالم يسفك الدماء وهما من أهم معاقل الروم. فإن سقطتا سقط الروم جميعا ولن تقم لهم قائمة بعد ذلك”. وعلى الفور أرسل عمرو بن العاص قيس بن الحارس المرادي لفتح بهنسا وحاصرها وعسكر في قرية القيس التي سميت باسمه، ولما علم الروم بذلك جمعوا فلولهم وتم الدفع بقوات كبيرة من المسلمين وقاموا بفتح المدينة بعد أن سقط منهم عدد كبير من الصحابة والتابعين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية