لندن ـ «القدس العربي»: يطرح فيلم «بيك نعيش» أول أفلام المخرج التونسي مهدي برصاوي، المعروض في مهرجان لندن السينمائي (2 إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول الجاري)، الكثير من التساؤلات عن المجتمع الشرقي عامة، وعن تونس بعد ثورة الربيع العربي خاصة، ولعل أبرز هذه الأسئلة هو: من هو الأب؟ هل هو الأب البيولوجي أم هو الذي يتولى بالرعاية والحب والاهتمام؟ وهل يتبدل هذا الحب أو يضيع حين يعلم الأب أن رابط الدم الذي يربطه بولده ليس موجودا؟ ويتساءل الفيلم أيضا عن مدى تغلغل الإرث الثقافي فينا، رغم العيش في الخارج والانتماء الفكري لثقافة غربية.
تبدأ أحداث الفيلم عام 2011، بعيد عدة أشهر من انتفاضة الربيع العربي في تونس. هي قصة فجيعة أب وأم وحياة طفل مهددة، ومساعي والده المستميتة لإنقاذه. وقصة هذا الصبي ووالديه وثيقة الصلة بتونس، بالبلد ذاته وما يجري على أرضه، وبهذه الثورة التي يُفترض أنها قامت ضد الفساد، لكن يتكشف لنا ونحن نشاهد الفيلم أن الفساد باق، رغم الإطاحة بالرئيس والنظام.
الشخصية المحورية في الفيلم هي فارس (سامي بو عجيلة)، وهو رجل أعمال ميسور الحال، عاش في فرنسا أعواما، ثم عاد إلى تونس ليؤسس عمله الخاص. هو متزوج من شابة جميلة هي مريم (نجلاء عبد الله)، ولديهما طفل صغير جميل اسمه عزيز (يوسف خميري). تبدو لنا أسرة فارس أسرة متفتحة منفتحة بقدر كبير، تدعو الأصدقاء في عطلة للاحتفال بمنصب جديد للزوجة في عملها، فيحتسون الكحول ويتداولون النكات الجنسية في الكثير من التقبل والأريحية.

وفي رحلة العودة من العطلة، تحدث المأساة، التي ستختبر الأسرة وترابطها وقيمها، بل ستعد محاكمة لما هو أكبر، للثورة التونسية وما أنجزته، أو أخفقت في إنجازه. خطان متوازيان في الفيلم: الخاص والعام، المأساة الشخصية وكيف تعد انعكاسا للواقع التونسي وللربيع العربي. في طريق العودة يطلق مسلحون إسلاميون النار على دورية للشرطة، ويصيب عيار طائش من المسلحين الصغير عزيز، متسببا في إصابة بالغة في الكبد، تستدعي عملية للزرع أو للتبرع بجزء من كبد. يتكشف لنا أثناء الفحوص الطبية على عزيز أنه ليس الابن البيولوجي لفارس، وهنا تبدأ الدراما الحقيقية للفيلم، وهنا تطفو على السطح الأسئلة الرئيسية للفيلم: هل يبقى فارس، ذلك الأب المفجوع، على حزنه وألمه عندما يكتشف أن ابنه ليس من صلبه؟ ترى كيف ستكون نظرته إلى زوجته؟ هل سيكون ذلك الحادث اختبارا لمدى تمسك فارس بتقاليد مجتمعه ولنظرته للمرأة التي تمارس الجنس خارج الزواج؟ ومما يزيد من حساسية الفيلم هو أنه لا يكشف لنا ملابسات حمل مريم خارج الزواج، ولا نعرف إن كانت زلة أم علاقة أم قسرا وإجبارا.
ليس الفيلم دراما أسرية عن زواج على المحك، ولا يتخذ من محاولة إنقاذ الطفل الذي تتدهور حالته الصحية ساعة بعد ساعة، ولكنه يتخذ من هذه المأساة العائلية سبيلا للحديث عن الفساد الذي ما زال يعم تونس، وعن الاتجار بالأعضاء وعن فشل المنظومة الطبية في تونس.
ليس الفيلم دراما أسرية عن زواج على المحك، ولا يتخذ من محاولة إنقاذ الطفل الذي تتدهور حالته الصحية ساعة بعد ساعة، ولكنه يتخذ من هذه المأساة العائلية سبيلا للحديث عن الفساد الذي ما زال يعم تونس، وعن الاتجار بالأعضاء وعن فشل المنظومة الطبية في تونس. كما يناقش معضلة التبرع بالأعضاء في تونس، حيث لا تسمح التشريعات هناك بنقل الأعضاء إلا من أقارب الدرجة الأولى. قضايا كثيرة متشعبة، ولكن ما يبقيها متماسكة، وما يبقي اهتمامنا بالفيلم هو الأداء المتميز للغاية لبو عجيلة، الذي تشير كل اختلاجة لوجهه إلى مدى ألمه وحزنه. تتدهور حالة عزيز مع كل دقيقة تمر، ويتضح أنه لا يوجد توافق بين أنسجة الأم وابنها، لذا يتعين عليها الاتصال بالأب البيولوجي للصبي في محاولة إقناعه بالتبرع بجزء من كبده. ويأخذنا الفيلم إلى ذلك العالم المخيف لسرقة الأعضاء والاتجار بها، ذلك العالم الذي يبدو سطحه مشرقا، ويشرف عليه كبار الأطباء، بينما يستغل استماتة الأقارب لإنقاذ أحبابهم ويستغل الحرب الطاحنة في ليبيا المجاورة لتهريب أطفال بغرض الحصول على أعضاء أجسادهم النحيلة الفقيرة، العضو بعد الآخر، في الاتجار بالأعضاء مقابل مبالغ طائلة للمهربين.
الثورة في تونس إذن لم تحدث تغييرا، ولم تغير تصور المجتمع للتبرع بالأعضاء، ولم تقض على الفساد، بل زادته توحشا. لا يسعى السيناريو لإيجاد أي حل لأي أزمة من الأزمات، فربما يريد الفيلم أن يقول لنا إنه لا توجد حلول للفساد المستشري، وإن الثورة لم تغير الكثير. كان يمكن للفيلم أن يكون دراسة أكثر عمقا عن الأبوة ومعناها، عن الأواصر بين الأب وابنه، على غرار فيلم «الابن يشابه أباه» للياباني هيروكازو كوري إيدا. ولكن الفيلم لا يتعمق بنا في نفسية الأب، وفي أسئلته حول ابنه الذي اتضح له أنه ليس من صلبه، كما أن الفيلم لا يدخل بنا إلى أعماق تلك الزيجة التي تشهد نبأين مزلزلين، أحدهما إصابة الابن والثاني هو ذلك السر الذي خبأته الزوجة جيدا عن الأب الحقيقي لابنها. يبدو لنا أن طرح الكثير من القضايا وفتح النقاش جبهات شتى أثقل الفيلم وشتته بدلا من أن يثريه. حاول برصاوي في أول أفلامه أن ينجز فيلما يضفر في نسيجه العام والخاص، والجمعي بالشخصي، ولكن السيناريو المشت يعوق محاولته تلك. ويبدو لنا أيضا أن الفيلم يحمل قدرا من النظرة الذكورية التقليدية للمرأة. لا يسعى الفيلم لإعطاء أي تفسير لحمل مريم من رجل آخر، بل أن فارس يرفض تماما أن يستمع إلى أي تفسير تحاول تقديمه، وتتحول نظرته إليها فور معرفته أن الصبي ليس ابنه. تبدو لنا مفارقة، بل ازدواجية أن يبقى فارس على حبه للصبي عزيز بعد معرفته أنه ليس من صلبه، مع رفضه لزوجته، فإن كان قد تصالح مع حقيقة أن الصبي ليس له، فيجدر به أن يتفهم زوجته. يكاد الفيلم يتعمد إخراس مريم وعدم إيضاح وجهة نظرها ويتعمد تهميشها ورسمها في صورة المرأة التي جعلتها علاقتها السابقة ذليلة خفيضة الرأس. يبدو لنا فارس، حتى في اختيار اسمه، ذلك الفارس الشهم النبيل المضحي بالمال لإنقاذ الولد، بينما يضن الفيلم على مريم بتفسير موقفها أو سرد قصتها.