بيتر هاندكه… بعد حرب البلقان والعزلة جاءت «نوبل»

حجم الخط
0

أخيراً ذهبت نوبل للأدب 2019 للنمساوي بيتر هاندكه (1942) التي أُعلن عنها في ستوكهولم، تزامناً مع إعلان نوبل 2018 التي حُجبت العام الماضي، على خلفية فضيحة تحرش جنسي، وتوجت بها البولونية أولغا توكارتشوك. إذا كان اسم توكارتشوك قد ورد في قائمة التكهنات منذ أكثر من شهر، وتداوله العديد من الصحف، فلا أحد توقع اسم بيتر هاندكه.
ونيله الجائزة، وإن جاء متأخراً، يعد بمثابة ثورة في الأكاديمية السويدية، أخرجت الكاتب من عزلة طالت أكثر مما يلزم، فقد قضى هاندكه سنوات وحيداً في صحراء التجاهل والعزلة والتيه، متهماً بجرم لم يرتكبه، وهو تأييد صرب البوسنة، في حرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، وتفاقمت التهمة بعدما ذكر سلوبودان ميلوسوفيتش اسمه، أمام محكمة لاهاي، وطلب حضوره كشاهد، وقد أدين رئيس صربيا حينها بجرائم حرب، هاندكه لم يحضر المحاكمة، لكنه شارك في جنازة سلوبودان ميلوسوفيتش (2006)، ولذي مات في مركز الاعتقال الأممي، وألقى يومها الكاتب النمساوي كلمة فتحت عليه أبواب مقاطعة، دامت 13 سنة، قال فيها: «العالم أو ما يُسمى بالعالم يعرف كل شيء عن يوغسلافيا، عن صربيا، عن سلوبودان ميلوسوفيتش، العالم، أو ما يُسمى بالعالم يعرف الحقيقة، لكنه غاب اليوم».
دافع صاحب «أقيم في برج عاجي» عن ميلوسوفيتش، ودفع الثمن بأن منع المسرح الفرنسي عرض عمله «سفر في بلد صاخب أو فن السؤال»، وظن البعض أنه قد ودع «نوبل» ولن ينالها أبداً، كما سُحبت منه جائزة أدبية كان يفترض أن يتسلمها في ألمانيا، ووجهت له مجلة «نوفل أوبس» الفرنسية تهمة مباركة مجزرة «سربرينيتسا»(1995) لكن الكاتب رفع دعوى قضائية ضد المجلة وكسبها، مع ذلك سقط يومها اسمه من تكهنات نوبل للأدب، ليظفر بالجائزة، خلافاً لكل التوقعات، هذه السنة.
وُلد بيتر هاندكه في مقاطعة كارينتيه، المحاذية لسلوفينيا، وهي مقاطعة تتكلم اللغتين الألمانية والسلوفينية، السلوفينيون يقولون إنها جزء من أراضيهم سلبت منهم، والنمساويون ينفون ذلك، وبين البلدين جدل، والناس هناك يجدون أنفسهم ـ تلقائياً ـ متورطين في الحديث وفي مناقشة السياسة، كما إن والده كان عسكرياً، بالتالي من الطبيعي أن ينخرط الكاتب، منذ صغره، في الشأن السياسي، وفي ملاحظة ما يدور من حوله، أضف إلى ذلك أن تنشئته الأدبية كانت «كافكاوية»، زادها نضجاً تعلمه الفرنسية (فقد كان أول من نقل باتريك موديانو ـ مثلاً ـ إلى الألمانية). اشتغل على الترجمة وعلى تمتين كتابة وجودية في مسرحه، هذه التنشئة الأدبية انطبقت على حياته، فرغم ما تعرض له من تجاهل وتضييق عقب مواقفه من حرب البلقان، ودفاعه عن عدالة انتقالية في البوسنة والهرسك، لم تُفهم كما ينبغي، وبينما ازداد التضييق عليه، وقل الاهتمام به، أصدر قبل ثماني سنوات رواية بعنوان «كسكسي في فيليكا هوتشا»، وهي مدينة في كوسوفو، دافع فيها عن الأقليات الصربية هناك، غير مبال بالنزاع الذي لا يزال قائماً، بين كوسوفو التي أعلنت استقلالها، وصربيا التي تصر على أنها جزء منها.

في رواية «المرأة العسراء» تقرر ماريان هجر زوجها، هكذا بدون سبب. في غالبية نصوص هاندكه الوجودية يعلو المنطق، لا يهمه السبب بقدر ما يهمه الحدث.

بيتر هاندكه ومواطنته ألفريد يلينك يعدان أهم وجهين في الأدب النمساوي، ولن نُبالغ إن قلنا أهم اسمين يمكن أن نقرأ لهما من اللغة الألمانية (نددا معاً قصف الحلف الأطلسي لصربيا 1999)، ولكنه تجاوزها ـ إن صح التعبير ـ أن قضى سنوات في الترجمة من الفرنسية، مع أن فرنسا كانت لاحقاً أول بلد تجاهله بعد 2006، وسبق له أن برر علاقته بالترجمة قائلاً: «كنت أترجم نصوصاً من الفرنسية، لأنني شعرت بأن النصوص التي أكتبها لا قيمة لها»، ذلك شعوره الأولي، قبل أن تخرج كتبه الأولى من مدينته الصغيرة، شرق النمسا، ثم تعبر الحدود، وتترجم في أوروبا واليابان، وقد وصل منها إلى العربية كتب «رسالة قصيرة للوداع الطويل»، «خوف حارس المرمى عند ضربة الجزاء»، «الشقاء العادي» و»المرأة العسراء».
في رواية «المرأة العسراء» تقرر ماريان هجر زوجها، هكذا بدون سبب. في غالبية نصوص هاندكه الوجودية يعلو المنطق، لا يهمه السبب بقدر ما يهمه الحدث. تهجر ماريان زوجها بحثاً عما تعتقد أنه السعادة والحرية، وأشياء أخرى تعجز عن تسميتها، وتتركه بصحبة ابنهما ستيفان. هذه الرواية على الرغم من حجمها الصغير (130 صفحة)، فقد جاءت مكثفة في بحثها النفسي، وفية لأسلوبية هاندكه في التفتيش عن دواخل شخصيته، بدل الإغراق في التوصيف الخارجي. في كتاب «الشقاء العادي» قد يخطر على بال القارئ، من صفحاتها الأولى، رواية «الغريب» لألبير كامو، فهاندكه ينطلق من مقاربة مماثلة، فبعد موت والدته السلوفينية منتحرة، يقرر أن يكتب عن حياتها وموتها، وهي التي عاشت حياة عادية وشقاء عادياً. في «رسالة قصيرة للوداع الطويل» ينتقل في ترحال إلى أمريكا، في رواية تحضر فيها الموسيقى والسينما، يحكي فيها عن كاتب نمساوي (مستثمراً سيرته) يبحث عن زوجته، التي وصلته منها رسالة وداع قصيرة.
الأدب والمسرح ليس هما كل شيء في حياة هاندكه، فقد اشتغل أيضاً سيناريست، ويظل اسمه مرتبطاً بالمخرج فيم فيندرز، وفيلم «الجنة فوق برلين»، شارك في كتابة حوارات الفيلم ذاته، ونال «السعفة الذهبية» (1987). وآخر رواياته التي صدرت بالألمانية، ترجمت إلى العربية ﺑ»الحادث الكبير»، يروي فيها حياة ممثل فاشل يفكر في ارتكاب جريمة، قبل أن يقع في حب فتاة.
لقد كسبت الأكاديمية السويدية الرهان هذا العام، وطوت فضيحة العام الماضي، انتصرت للأدب على حساب السياسة، ومنحها الجائزة لبيتر هاندكه يحسب لها، ولعل هذا الخيار سيكون له وقع على الحال في البلقان، ويحيل الإخوة الأعداء على مراجعة مواقفهم الراديكالية تجاه بعضهم بعضاً، فمواقف هاندكه من صربيا، في التسعينيات، وقربه منها، وتعاطف معها في كتابه «سفر شتوي إلى الدانوب»، لم يكن ميلاً لطرف على حساب الآخر، بل كان يقدمه على أنه من أجل «العدالة» ومصالحة تاريخية، ولعل اليوم تتجدد المناسبة كي نُعيد النظر في مواقفه، ونفهم حماسته من أجل «وفاق» بين جيرانه البلقانيين.

كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية