في أصول «الظاهرة العكاشية»!

حجم الخط
14

■ عندما تتحول «العكاشية» إلى ظاهرة، تنتشر في فضائيات الثورة المضادة في مصر، انتشار النار في الهشيم، يصبح لزاماً على أي ناقد تلفزيوني مثلي، أن يبحث في «شجرة العائلة العكاشية» ليصل لمنبعها الصافي، والى الجد المؤسس لهذه العائلة، والذي يقوم بدور الملهم لفروع العائلة المنتشرة في ربوع مدينة الإنتاج الإعلامي، والذي إنتقل بالاستوديوهات لأن تكون «سوقاً للخضار»، يتحدث مقدم البرنامج فتظن أنه ينادي على الزبائن، ويروج لبضاعته: «حلوة يا قوطة.. حمرا يا قوطة»!.
لغير المصريين، الذين يحتاجون لمذكرة تفسيرية لما أكتب أقول: «القوطة»، هي الاسم الشعبي للطماطم، والبائع ينادي عليها بأنها حمراء، على العكس التفاح، قبل ظهور التفاح الأمريكي الأحمر الفاقع، عندما كان يُنادى عليه: «أحمر الخدين يا تفاح».. فلم يعد التفاح في ظل تطور السلالة «التفاحية» أحمر الخدين، وإنما صار اللون الأحمر هو الأصل، تماماً كما تجاوزت «العكاشية» مجرد أن تكون صفة ترتبط بالموصوف «توفيق عكاشة» لتصبح ظاهرة مميزة لأداء مقدمي برامج «التوك شو»، وامتدت لتشمل مقدمات البرامج من الجنس الناعم (وما تقرب أحد إلى الله أفضل عنده من جبر الخواطر. وذلك بمناسبة الجنس الناعم).. لميس الحديدي، ورانيا بدوي، وحياة الدرديري.. أنموذجاً.
في الواقع أنني لم أبذل جهداً يُذكر في محاولة البحث والتنقيب للوصول إلى أصول الظاهرة سالفة الذكر، ليكون من حقي الهتاف: «وجدتها» بمجرد العثور على أصلها، بتتبع السلالة، استخداماً للنظرية التطورية في فهم المجتمعات الإنسانية، لأن هذا سيقودنا حتماً للإيمان بأن الجنس البشري أصله عكاشة. وفي دراستي لعلم الانثربولوجيا كنت رافضاً للنظرية التطورية، ودار سجال طويل مع الأساتذة المتخصصين في هذا العلم بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية. ووفقاً لهذه النظرية يمكن لتوفيق عكاشة أن يتطور مع الزمن ليصبح فيصل القاسم، ويمكن للميس الحديدي أن تصبح ذات يوم إيمان عياد. وهو أمر مستحيل الحدوث، إلا إذا رأى الأول «حلمة أذنه»، كما أنه يمكن أن يحدث في حالة لميس لتكون إيمان إذا دخل الجمل في سم الخياط.
بدون بحث من ناحيتي وصلت لأصل الظاهرة، عندما اطلعت على الحديث الذي أجرته محررة جريدة «الوطن» مع المهيب الركن اللواء ثروت جودة وكيل جهاز المخابرات سابقاً، والذي مثل شهادة لصالح الدكتور محمد مرسي، عندما قال إن الجهاز لم يكن يعطي الرئيس الوثائق، كما لم يمده بمعلومة واحدة صحيحة، فأزعج واحداً من المدافعين عن الانقلاب العسكري، هو محمود سعد في برنامجه على قناة «النهار»، بشكل جعله يتساءل عن حدود الحق لرجل المخابرات السابق في أن يعلن المعلومات الخاصة بالجهاز؟ وقال إن هذا الكلام سيعطي «الإخوة إياهم»، يقصد الإخوان، الحق في أن يقولوا إن مرسي تم إفشاله ولم يفشل. وقال في النهاية: لا يصح أن تعطي الخصم سلاحاً يحاربك به.
هذا كلام يبرئ الدكتور محمد مرسي بما هو منسوب إليه بالتخابر، وأنه أمد المخابرات القطرية وقناة «الجزيرة» بوثائق حصل عليها بحكم موقعه. وهو ما يحاكم عليه الآن، فلا معلومات حقيقة عنده ولا وثائق بحوزته.

المصدر العسكري

على مدى حول كامل، وفي حكم الرئيس محمد مرسي، اشتركت صحيفتا «الوطن»، و»المصري اليوم» في نشر غرائب الأفعال منسوبة للرئيس، كأخبار تستهدف التشويه، تبدأ بعبارة: «صرح مصدر عسكري رفض ذكر اسمه»، حتى صحت في البرية متسائلاً عن هذا «المصدر»، الذي يستحي من ذكر اسمه، وكأن اسمه عكاشة، مع أن أهم وزير ثقافة في مصر كان اسمه «ثروت» عكاشة!
معظم هذه الأخبار في «الوطن» كانت تنشر منسوبة للمحررة، التي أجرت الحوار مع اللواء «ثروت» جودة. ولولا أنني لست من أنصار نظرية «سوء الظن من حسن الفطن» لقلت إنني أكاد أمسك بالمصدر لكل هذه الأخبار المجهلة. وما ورد في المقابلة المنشورة فيه من الغرائب ما ينحدر بالرجل لأن يكون هو المصدر!
تذكرون ما يذاع فضائياً عن «طوابير الذنب» – بحسب الاسطلاح العسكري ـ التي يأمر بها عبد الفتاح السيسي زواره من المسؤولين بالدول الكبرى.. وتذكرون ما أورده مذيع تلفزيوني عن الأسطول السادس الأمريكي، الذي جاء للقاهرة ليحمي حكم الإخوان من السيسي، وكيف قام الجنرال مهاب مميش بإصدار أوامره لـ «الضفادع البشرية المصرية» بالتدخل فقامت بأسر ضفدعاً أمريكياً. ثم كان القرار أن على الأسطول السادس أن يغادر، فغادر في التو واللحظة، ولم يهتم بالسؤال إلى الآن عن مصير الضفدع الأسير.
وقد التقى كيري أكثر من مرة بالسيسي ولم يسأل عن الضفدع ولم يطلب فك أسره.. يبدو أنه تبرع به لصندوق «تحيا مصر».
مثل هذا الكلام، الذي يبدو فيلماً هندياً، بطولة أميتاب باتشان، له أصل، بالوصول إلى جذع «شجرة العائلة»، الذي يمكن للمرء أن يتوصل إليه بقراءة حوار اللواء خالد الذكر ثروت جودة، وهو كلام هنا وفي الفضائيات مرتبط بقيام المتحدث بركوب الهواء.

بوجي وطمطم

عندما سئل صاحبنا عن إمكانية أن تقوم واشنطن (المنحازة للإخوان) بالضغط على مصر لإجراء المصالحة؟ أجاب نصاً: «لا يمكن، القصة خلصت خلاص، وأمريكا هي اللي بتتحايل علينا نأخذ الطائرات الأباتشي وإحنا قاعدين حاطين رجل على رجل، مش عايز أباتشيك هنجيب من روسيا».
وفي مقام آخر قال إن أحداً في مصر لم يستطع أن يقف في وجه «ديك تشيني ورامسفيلد» بحزم سوى اللواء الراحل عمر سليمان. وأن مبارك كان خائفاً من الجلوس مع «ديك تشيني»، نائب الرئيس الأمريكي السابق، وبحسب قول جودة: «كان يمينياً متطرفاً ومتعجرفاً لدرجة أنه طلب من عمر سليمان أن يجلس معه أولاً، وبالفعل جلس سليمان معه وقال له: عليك أن تتحدث مع الرئيس مبارك بكل تهذيب وأدب. فقال له تشيني: لا أنا أتكلم براحتي.. أنا أمريكا. فطرده سليمان من مكتبه، وقال له: المقابلة انتهت اتفضل.. وبالفعل خرج تشيني من المكتب ولم يقابل مبارك».
عندما تقرأ هذا الكلام سيستقر في وجدانك أنك تشاهد مقطعاً من المسلسل التلفزيوني الموجه للأطفال: «بوجي وطمطم في رمضان»!
ويبدو أن صاحب هذا الكلام ليس فقط هو الملهم لمقدمي البرامج الذين يمثلون الظاهرة العكاشية، وإنما يمتد الهامه إلى المتصلين هاتفياً ببعض القنوات التلفزيونية عبر الهاتف، وأشرنا لهم في الأسبوع الماضي!
فتذكرون هذا العبقري الذي قال عبر مداخلة له بـ»الجزيرة مباشر مصر»، إن قادة جماعة الإخوان هم وراء أزمة انقطاع الكهرباء في المحروسة، فما دامت حركة حماس إخوانية، فقد دربت بالتالي بحكم الخبرة قادة الإخوان على حفر الأنفاق. وعليه هناك نفق حفره الإخوان، يربط سجن طرة بمحطات توليد الكهرباء، وأن المرشد العام للجماعة، والدكتور محمد البلتاجي، والشيخ صفوت حجازي، يتسللون عبر الأنفاق فيقطعون الكهرباء، ويفجرون المحطات يومياً ثم يعودون إلى عنابرهم بالسجن.
يومها ضحكنا، باعتبار أن شر البلية ما يضحك، ولم نكن نعلم أن الموضوع له أصل، وأن هذا النمط من التفكير يقوده شخص بحجم اللواء جودة، الذي قال إنه يملك «وثيقة» تدل على أن قيادات الإخوان وراء أزمة انقطاع الكهرباء في مصر. وتخطط (يقصد القيادات) لتدمير مواسير المياه في عدة مناطق في مصر، «من خلال حجب المياه في مناطق معينة، ثم تركيزها في مناطق أخرى فتنفجر في مناطق أخرى».. «وهذا الأمر سيحدث أيضاً بالنسبة لمواسير المجارى بل وخلط مواسير المياه بالمجاري». يا له من تنظيم جبار!.

مسلسل بكار

سئل اللواء ثروت جودة عن مصدر الوثيقة، فأجاب ما جعلني أقف على جدارته في كتابة الجزء الثالث من مسلسل الكارتون: «بكار»!
لقد أجاب بأن «الوثيقة خرجت من عند خيرت الشاطر عن طريق أحد المحامين مؤخراً، وجاءت منها صورة لي من خلال أحد مصادري، وفيها تعليمات واضحة بالنص: يتم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.»
«الجزيرة مباشر مصر» ناقشت في برنامجها «مصر الليلة» ما ورد في المقابلة، ولأن الفقرة لم تتجاوز الربع ساعة، على ثلاثة ضيوف، فقد أشاع الرجل عبر صفحات التواصل الاجتماعي، أن ضيوف «الجزيرة» لم يطلعوا على الحوار كاملاً، وإنما اكتفوا بفقرة تم قطعها من السياق، وأذيعت كفيديو. ومن ثم فقد اتهم صحيفة «الوطن» بالتآمر عليه.
كنت أحد الضيوف الثلاثة، وكان أمامي الحوار كاملاً، وما جاء فيه ينتمي لعالم الغرائب والعجائب، وإذا كنت قد قلت بأن هذا مستوى يؤهل صاحبه لأن يكون مع المجاملة مذيعاً وبالكاد في قناة «الفراعين»، فإنني الآن أرى أن الرجل مؤهل للكتابة للأطفال مسلسلات وقصصا كأمنا الغولة وما شابه، ومن المؤكد أنه سيثري الدراما التلفزيونية.
وفي النهاية لا يسعني إلا أن أشكر الظروف، فقد وقفت على أصول «الظاهرة العكاشية»، بدون بحث أو تنقيب في المراجع وأمهات الكتب!

صحافي من مصر
[email protected]

سليم عزوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية