«الكهف» للسوري فراس فياض… المرأة تتصدى للطغيان وتضمد جراح الحرب

نسرين سيد أحمد
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: عندما تتبادر إلى الأذهان كلمة «الكهف»، فإننا قد نتخيل مكانا موحشا وسط الجبال، أو في مكان قصي مخيف. ولكن في الوثائقي «الكهف» للمخرج السوري فراس فياض، الذي عُرض في المهرجان السينمائي لهذا العام (2 إلى 13 أكتوبر/تشرين الأول) يتحول الكهف إلى الملاذ والمرفأ، يتحول إلى رحم يحتضن من شهدوا وبال الحرب وويلاتها، يصبح الكهف شبيها بقلب أم حنونة تتعهد الضعفاء بالرعاية والرحمة.

الكهف الذي يمنح الوثائقي عنوانه هو مستشفى في عمق الأرض في الغوطة الشرقية، يتعهد برعاية الذين أصيبوا جراء قصف النظام السوري وأعوانه. يقدم الفيلم صورة تنطق بوحشية النظام الذي يفتك بالضعفاء، والذي يسفك دماء الأبرياء، ولكن تركيزه الرئيسي ومحوره هو قوة المرأة السورية، ودورها في التصدي للبطش، وفي الذود عن الضعفاء ومداواة جراحهم الجسدية والنفسية.

بعد عامين من فيلمه الوثائقي «آخر الرجال في حلب»، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل وثائقي، يعود فياض إلى أتون الحرب المشتعلة في بلاده، ليقدم لنا صورة جديدة لشجاعة وتفاني الأطباء، الذين يواجهون الخوف والموت لإنقاذ المصابين والجرحى. الصدارة في «الكهف» لشجاعة المرأة والطبيبة، التي على هشاشتها وضعفها تقف بصمود وشجاعة لتعنى بالمصابين.
في أعماق الأرض في الغوطة الشرقية التي ترزح تحت قصف النظام ونيرانه، التي حوصر فيها الآلاف من الأبرياء، يصحبنا فياض إلى داخل أروقة مستشفى للطوارئ يقع تحت الأرض يُطلق عليه اسم «الكهف»، وتتعهده بالرعاية والإدارة طبيبة أطفال شابة، تدعى أماني.
«الكهف» يجعلنا نجفل ونشيح بأبصارنا لنجد ملاذا من قسوة ما يصوره، ولكنه أيضا فيلم نذرف الدمع ونحن نشاهده تعاطفا مع ألم الضحايا، وعذاب الأمهات الثكالى وألم الصغار، الذين خبروا اليتم وفقد الأخوة. نشاهد صغارا كبروا قبل الأوان، وخبروا معنى الموت والقتل والقصف، ونرى أمهات يحملن جثامين أطفالهن ليواروها الثرى.

يذكرنا «الكهف» بالوثائقي «من أجل سما» للمخرجة السورية وعد الخطيب. في «من أجل سما» تقدم الخطيب تجربتها الشخصية كأم وزوجة لطبيب يقرر البقاء في حلب لتقديم العون للمصابين والجرحى في تلك المدينة التي تحملت حصار النظام وقصفه وبطشه.

ولكن على الرغم من فداحة الألم يصور الفيلم الكثير من الأمل والكثير من الرحمة، إن من يصمد ويواجه كل هذه الآلام قد يجد النصر يوما أو قد تكتب له النجاة. ونرى في الفيلم الكثير من التراحم والرحمة من طاقم المستشفى، الذين يجودون بالمؤن القليلة لديهم لإطعام الجوعى وتقديم بعض الدفء للصغار. «الكهف» ينتصر للحياة وللموسيقى رغم الألم والقصف والموت، الموسيقى التي يستمع إليها أطباء المستشفى لتمنحهم القدرة على مواجهة كل هذا البطش.
طاقم هذا المستشفى صغير في عدده عظيم في رحمته وتراحمه وشجاعته. طاقم المستشفى مكون من سماهر، الممرضة الشابة التي تحنو على الجميع وتطهو للجميع، والطبيب سليم، الذي لم يمنعه قلقه على أسرته من البقاء بعيدا عنها لرعاية المصابين، والطبيبة آلاء الهادئة الرابطة الجأش رغم الضغوط المتعاظمة، والطبيبة أماني، التي تقرر البقاء في الغوطة الشرقية رغم خوف والديها عليها.
الصوت الرئيسي في الفيلم والراوي الرئيسي لأحداثه هو صوت الطبيبة أماني. ذات الجسد النحيل والصوت الرقيق، ولكن بعزيمة لا تلين انتخبت أماني من قبل زملائها لتدير المستشفى، فهي بين رحمة الأم وعطفها والحزم والحسم المطلوبين للإدارة. هي ما زالت في العشرينيات وتواجه أحيانا بعض التمرد من رجال لا يفضلون أن يكونوا تحت إمرة امرأة شابة، ولكنها تتصدى للتحديات بهدوء. نسمعها تقول إنها يعز عليها أم تأكل وتجد ما يقيم أودها وهي تعلم أن الكثيرين من أهل الغوطة الشرقية جوعى. ما يمدها بالقوة هو رغبتها في مساعدة الجرحى والمصابين، وما يثبتها ويمدها بالتشجيع هو فخر أبيها بها في رسائله الصوتية إليها، رغم قلقه الدائم. لا نرى وجه والد أماني قط ولكن صوته الحنون يقدم لها كما يقدم لنا الكثير من الدعم والقوة والأمل.
يذكرنا «الكهف» بالوثائقي «من أجل سما» للمخرجة السورية وعد الخطيب. في «من أجل سما» تقدم الخطيب تجربتها الشخصية كأم وزوجة لطبيب يقرر البقاء في حلب لتقديم العون للمصابين والجرحى في تلك المدينة التي تحملت حصار النظام وقصفه وبطشه. يقدم «من أجل سما» رسالة أم لابنتها الصغيرة وشهادتها على الألم الذي تخف وطأته في حلب. «الكهف» يأخذنا إلى أعماق الألم داخل أروقة المشفى، ويقدم لنا شهادة على صمود هؤلاء الطبيبات والأطباء،
ما يخفف الكثير عن أماني وزميلاتها هو ذلك التضامن بينهن، تلك الأحاديث الصغيرة التي يتشاركن فيها، وتلك الاحتفالات البسطية بأعياد الميلاد. إنها أجواء الأمومة التي تمنحها النساء لبعضهن بعضا وللمحيطين بهن. في «الكهف» ينتصر فياض للروح المقاومة الشجاعة، ينتصر لمن يقفون صامدين لمساعدة الغير، رغم مخاوفهم الشخصية، وينتصر في المقام الأول للمرأة التي تضمد جراح الحرب وتقاوم وتمنح الدفء والأمل للجميع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية