تجربة الإصابة بمرض السرطان ورحلة العلاج والتعافي منه

سيد احمد بلال
حجم الخط
0

صدر مؤخرا عن دار “ردمك” كتاب عن تجربة الإصابة بمرض السرطان ورحلة العلاج والتعافي منه، وربما يكون الأول من نوعه الذي صدر باللغة العربيّة في هذا المجال.

تتلخص قصة الإصابة بالمرض والتعافي منه في أن بوادر المرض ظهرت حين لاحظ المؤلف نجيب خليفة محجوب – الأب – خلال رحلة عمل له في العاصمة السودانية الخرطوم، أن إبنه كمال، يسير بصعوبة بسبب ورم في ساقه اليمنى قرب الركبة. انزعج سامي، شقيق المؤلف، وهو جرّاح كان يمضي إجازته في الخرطوم، وطلب عرض كمال على أخصائي عظام بدون تأخير فاصطحب الوالد نجيب ابنه إلى استشاري أشعة لأخذ صور أشعة ثم عرض الصور على أخصائي فقال له أن الورم قد نشأ نتيجة طبيعيّة للنمو السريع لجسم الصبي في تلك السن. لكن حين قام طبيب من أسرة المؤلف قادماً من بريطانيا بفحص الورم اتضح أن رأيه مخالف لرأي الأخصائي الأول إذ قرر أن الورم سرطانيّ.

امتدت رحلة العلاج إلى بريطانيا حيث ذهب الصبي برفقة والده إليها للعلاج ومن ثم لمقابلة الدكتورة ماريا مايكلاقنولي في مستشفى هارلي ستريت كلينك الخاص والعريق وسط لندن، الذي شُيد عام 1860 في شارع الأطباء المعروف في قلب مدينة لندن. ورغم أن هذا المستشفى صغير الحجم بالمقارنة مع المستشفيات الحكومية الضخمة، إلا أن المؤلف قال إنّه يتميز بالأناقة الفائقة والدفء في المعاملة الطيبة، الشيء الذي تلمسه من كل العاملين فيه، خاصة في أوقات الشدة واللحظات الحرجة.

وهكذا يبدو المؤلف، في الكتاب، متنقلا بين أماكن عمله الأممي “الأمم المتحدة” وبين مراحل مرض ابنه العديدة، من مقابلات أطباء وأخذ صور أشعة ومقابلة أخصائيين والمرور بمعاناة وجود خلل في التشخيص لم يكن متوقعاً، وبين مشاعر الأمل والإحباط، متمسّكاً بخيط الرجاء ومستعيدا التوازن تسنده مشاعر زوجته وإبنته وإبنه الآخر وشقيقه/الجراح سامي، الذي رحل عن دنيانا بعد فترة قصيرة، وأهله وأصدقائه، ما يجعل الكتاب بمثابة مصدّة ودرعا اجتماعيا واقيا وضفيرة اجتماعيّة رائعة مطرّزة  بأكثر من ثلاثين صورة فوتوغرافية  للصبي المريض كمال وأصدقائه وصديقاته وأفراد الأسرة الآخرين والأطباء والطبيبات والممرضات في مختلف مراحل رحلته مع المرض والتعافي.

من أين أتت فكرة الكتاب؟

 

في مقدمة الكتاب يسرد المؤلف الذي عاش تجربة إصابة ابنه كمال بالسرطان وسجّلها بهدف تقديمها لقارئ العربية لقيمتها المعرفيّة للقارئ ولفائدتها النفسيّة للمؤلف ولكل من يمر بمثل تلك التجربة، فيذكر أن فكرة الكتاب بدأت عندما طلب منه صديقه السفير د. نور الدين ساتي المشاركة في كتابه القيم “عائد من مملكة السرطان” باللغة العربية، عن طريق سرد قصة علاج ابنه كمال، وهو يعلم أن المؤلف كان قد فكّر، أكثر من مرة في تسجيل تجربته الأبوية والأسرية بمشاركة زوجته عديلة محمد بدري وابنته سارية وإبنه أشرف، عندما أصيب ابنهما الأصغر، كمال، بالسرطان في المرة الأولى ثم الانتكاسة وعودة المرض له مرة أخرى عام 2008.

يرى الكاتب أننا نسمع أحياناً بأن شخصاً ما قد خضع أو يخضع للعلاج الكيميائي السام ولكن الكثيرين يجهلون تماماً ما يمر به المريض وذووه من معاناة جسدية ونفسية بالغة الصعوبة؛ وقد يفقد المريض حياته من جراء هذا العلاج “لذلك فقد قرّرت أن الوقت قد حان لتوثيق تلك التجربة وجعلها متاحة لكل قارئ”.

حجم المعاناة في العلاج

وبالطبع فإن المؤلف، كوالد، كان يحاول معرفة مدى معاناة ابنه وما يتحمله من آلام نتيجة العلاج الكيميائي، فيعترف بأنه استطاع في إحدى المرات النادرة الاقتراب أكثر وتلقي إجابة مؤلمه من ابنه. ويفصح عن تلك التجربة بقوله:

“ظللت أسأل كمال عمّا يشعر به أثناء وبعد جلسات العلاج الكيميائي، علني أجد ما أخفف به آلامه. لكنه كان دوماً يتهرب من الإجابة. أخيراً، وذات ليلة ظلماء، أسرّ لي بصورة غير مباشرة، عن الألم والمعاناة التي يحس بها. وصفها بأنه يشعر في بادئ الأمر باحتراق داخلي وكأن الماء المغلي والمخلوط بالحوامض الحارقة، كحامض الكبريتيك (ماء النار) الحارق، يسري في عروقه كما يسري في بطاريات السيارات؛ ببطء وألم شديدين. بعدها يشعر بألم حاد في عظامه ومفاصله، وأن جسده، خاصة أحشاءه وأمعاءه، كأنها قد وُضعت في خلّاط كهربائي ضخم، يُدار بطاقة عالية وسرعة هائلة، حتى يشعر وكأن أحشاءه وأمعاءه، المهترئة أصلاً تُفرم فرماً قاسياً لدرجة أنها تكاد أن تتقطع وتنفجر”.

وأضاف” قلت يا إلهي يا إلهي! كيف لهذا الصبي اليافع أن يتحمل كل هذا العذاب”.

مشاكل الكتابة

 

لا شك أن معايشة المؤلف اللصيقة لتلك الأحداث الأليمة ساعدته في صياغة هذا الكتاب. فهو يقول عن أن تلك الأحداث “تكاد أن تكون محفورة في مخيلتي. لذا لم يستغرق نقلها من حنايا الذاكرة إلى السطور المخطوطة مجهودا كبيراً وخلال أسابيع معدودة. وأشير هنا إلى أنني قد سطرت هذا الكتاب على هاتفي المحمول الذكي (بأصبع واحد) إذ أنني لم أكن على دراية بوجود كمبيوتر ذي لوحة مفاتيح باللغة العربية. كنت، بعد الصياغة على الهاتف، أرسل ما كتبت، مقطعاً تلو الآخر، نسبة إلى محدودية ذاكرة الهاتف، عبر البريد الالكتروني إلى أحد الأصدقاء ليقوم بوضع المقاطع في ملف (Word)”.

يعترف المؤلف بأنّه توجس في بادئ الأمر خيفة وتهيبا من الكتابة، أولاً: “لجسامة الأمر وضرورة تحري الدقة في نقل تفاصيل الأحداث كما جرت؛ حيث أنها، وبطبيعة الحال لم تكن مدونة. وثانياً: لطول ابتعادي عن الكتابة المطولة باللغة العربية، التي لم تكن لي دراية كافية بها أصلاً”. ويعزي ذلك إلى خلفيته الدراسيّة فيقول “كانت دراستي في الجامعات الأمريكية، وحياتي العملية في خدمة منظمة الأمم المتحدة لأكثر من ثلاثة عقود، باللغة الانكليزية والفرنسية أحياناً” لكنه يقول إن موقف صديقه نور الدين ساتي، كان محفزاً ومشجعاً له، عبر متابعته شبه اليومية الحثيثة والمتلاحقة. ويضيف ملاحظة هامة في تجربته، خصوصا البعد العفوي فيها إذ يقول: “ربما أن عدم درايتي بالكتابة الأدبية باللغة العربية قد جعلتني أكتب بعفوية متحرراً من بعض القيود التي قد تكبل الكاتب أو الروائي المتمرّس”.

المؤازرة

 

حظيت تجربة تأليف الكتاب بتشجيع كبير من أوساط عديدة. وقد قام نجبب بعرض ملخص لما ورد في الكتاب (باللغة الانكليزية) “على كل من أسهموا في علاج ابنه وعلى رأسهم استشارية الأورام الدكتورة ماريا مايكلاقنولي” والتي قال عنها انه يعتبرها، إلى جانب ابنه كمال، بطلة الرواية في هذا الكتاب. وحول الدكتورة ماريا هذه يقول نجيب “أبدت الدكتورة عند لقائي بها، بصحبة كمال، سروراً عظيما لما ورد في الكتاب عنها وعن كيفية التعامل مع علاج مرض السرطان”. استطرد يقول “إن سرور الطبيبة كان أكبر، لأن الكتاب دُوِّن باللغة العربية؛ إذ أن نسبة مرتفعة من المرضى الذين يرتادون عيادتها الخاصة يأتون من الدول العربية. وتفهمت الدكتورة ماريا فكرة وأهمية صدور هذا الكتاب ربما لأنه لا توجد كتب مثيلة له باللغة العربية وفي متناول اليد عن التعامل مع مرض السرطان”.

مقدمتان

 

هناك مقدمتان للكتاب غير مقدمة المؤلف، إحداهما للوزير السابق ابراهيم منعم منصور، والثانية للفنان التشكيلي السوداني ابراهيم الصلحي، وكلا المقدمتين ساهمتا في تلخيص الكتاب بشكل جيّد وفي تقديم التعاطف والمؤازرة للمؤلف في محنته. وقد تضمن تلخيص ابراهيم الصلحي للكتاب معظم العناوين الجانبية إذ ورد فيها ما يلي:

“يتضمن الكتاب بيانات ومعلومات طبية وارشادات هامة للغاية أدرجت تحت فقرات معنوية منها: العلاج الكيميائي، الخطر الحقيقي خلال فترة العلاج، الآلام النفسية الحادة والشعور بالاحباط لدى المريض، الآثار والمضاعفات الجانبية أثناء فترة العلاج ومتطلبات العمليات الجراحية وتوقع الإصابة بجلطة، انخفاض أو فقدان المناعة نتيجة العلاج الكيميائي، احتمال عودة المرض وانتشاره في جسد المريض، أهمية المتابعة الطبية بعد انتهاء فترة العلاج، بالإضافة إلى معلومات هامة أخرى حول مراكز علاج الأورام السرطانية”.

خاتمة

 

أورد نجيب خلال تسجيله لتجربته في متابعة مرض وتعافي ابنه كمال قائمة بأسماء جميع الأشخاص الذين كانوا لصيقين بالتجربة، ليس فقط لحفظ الجميل وإنما أيضا لإثبات ان للجانب الاجتماعي وقعه الإيجابي على المريض والأسرة. كما أبرزت الصور الفوتوغرافيّة بعداً أكثر واقعيّة في مجال كشف تجربة التعافي وتغذية النص اللغوي-السردي بإضاءات باهرة لموضوع الكتاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية