الناصرة-“القدس العربي”:أدى قرار السلطة الفلسطينية بالتراجع عن موقفها الأصلي واستلام أموال المقاصة منقوصة من إسرائيل، وتفعيل اللجان المشتركة معها، لجدل واسع بين الفلسطينيين بين مؤيدين ومعارضين. وقررت السلطة التراجع عن قرارها السابق برفض استلام أموال الضرائب الفلسطينية أو ما يسمى بـ “المقاصة” منقوصة من إسرائيل، ووافقت قبل أيام على استلام 520 مليون دولار من أموال الضرائب، بدون تراجع إسرائيل عن خصم مخصصات الأسرى والشهداء، كما وافقت على تفعيل اللجان المشتركة مع إسرائيل. وأكدت عدة تقارير بعد لقاء رئيس الهيئة العامة للشؤون المدنية الفلسطينية حسين الشيخ بوزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون الخميس المنصرم وجود اتفاقات بين الطرفين لحل أزمة المقاصة بعدما وافقت السلطة الفلسطينية على المستحقات المالية لدى إسرائيل. وقال الشيخ في تغريدة على “تويتر” إنه التقى مع وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون، وجرى الاتفاق بين الطرفين على تحويل دفعة من المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية. وأضاف أن الخلاف على “رواتب عائلات الشهداء والأسرى، لا يزال قائما”.
وقال مسؤول إسرائيلي إن محمود عباس وافق على تسلم المستحقات المالية للسلطة الفلسطينية لدى إسرائيل، وبالتالي حلّ “أزمة المقاصة”. وأكد أن إسرائيل ستحول 518 مليون دولار أمريكي من أموال الضرائب المتراكمة في الأشهر الأخيرة. وأضاف أن “إسرائيل ستواصل تطبيق القانون، واقتطاع جزء صغير من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، وذلك احتجاجا على استمرار تحويل الأموال إلى الأسرى الفلسطينيين وأسر القتلى”. واشتدت حدة الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، منذ قرار إسرائيل اقتطاع جزء من أموال الضرائب الفلسطينية في شباط/ فبراير الماضي. ويتفق المؤيدون والمعارضون في الجانب الفلسطيني على أن الأموال الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل بموجب “أوسلو” لصالح السلطة هي حقوق فلسطينية. وأقدمت إسرائيل في بداية العام الجاري في خطوة غير مسبوقة منذ اتفاق أوسلو عام 1993على الاستيلاء على حوالي 138 مليون دولار من أموال السلطة، بذريعة أن هذه الأموال تدفعها السلطة الفلسطينية للأسرى وأسر الشهداء. ورد الرئيس الفلسطيني محمود عباس على القرار الإسرائيلي، وأكد في 20 شباط/فبراير الماضي رفض السلطة استلام جميع إيرادات الضرائب من إسرائيل إذا خصمت تل أبيب أي مبلغ منها. وقال الرئيس الفلسطيني وقتها: أؤكد أننا لن نتلقى أموالنا إذا تم خصم سنت واحد. ولقي القرار تأييدًا بين الفلسطينيين رغم تأثيراته الصعبة عليهم، واعتقدوا أن الدول العربية يمكن أن تقدم بديلًا ماليًا للسلطة. وقد رأى الفلسطينيون في قرار عباس دلالة على موقف صلب للقيادة الفلسطينية، واحتضان للأسرى وأسر الشهداء، بمواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي بفرض وقائع احتلالية مالية جديدة. لكن السلطة الفلسطينية عادت عن قرارها السابق، وقبلت استلام الأموال منقوصة بعد استشعارها لمخاطر الأزمة الاقتصادية عليها، وعدم قدرتها على توفير الرواتب الشهرية، وفق قول مسؤول فلسطيني لقناة “الجزيرة”. كذلك برر المؤيدون لموقف السلطة المتراجع عن القرار السابق، وقبول استلام الأموال منقوصة من إسرائيل، بينهم عمران الخطيب عضو المجلس الوطني الفلسطيني في تصريحات لـ”الجزيرة” بالقول إن مرد التغيير عدم قدرة السلطة الفلسطينية على دفع رواتب العاملين بها، ولجوئها إلى الاقتراض لدفع 60 في المئة من رواتب حوالي 160 ألف موظف مدنيين وعسكريين. منوها لعدم وفاء الدول العربية بتعهداتها المالية السابقة، بتأمين شبكة الأمان المالية المقرة في القمم العربية منذ سنوات في حال تعرضت لحصار مالي إسرائيلي. وأشار أيضا إلى عدم نجاح الجهود الدولية التي قادتها فرنسا في حث إسرائيل على عدم خصم مخصصات الشهداء والجرحى والأسرى من الضرائب الفلسطينية التي تجبيها إسرائيل وتسليمها للسلطة حسب التفاهمات السابقة. يشار إلى أن السلطة الفلسطينية تقوم منذ أوسلو بدفع مساعدات مالية منتظمة للأسرى والجرحى ولأسر الشهداء بمعرفة إسرائيل بدون أي خصومات، لكن إسرائيل تريد فرض أمر واقع مالي جديد على السلطة.
المعارضون
في المقابل هناك فلسطينيون بينهم نايف مهنا عضو المجلس الوطني الفلسطيني، انتقدوا قرار السلطة بتفعيل اللجان المشتركة مع إسرائيل واستلام الأموال منقوصة، وقال مذكرا بأن القرار الفلسطيني في شباط/فبراير الماضي بوقف استلام الأموال منقوصة كان موضع التفاف شعبي واسع، بالرغم مما يسببه من معاناة اقتصادية للعاملين في السلطة ولقطاع واسع من المواطنين. وتابع “قرار السلطة الفلسطينية استلام الأموال منقوصة تراجع غير مفهوم، وأطالب السلطة بتوضيح أسبابه للفلسطينيين”. وتوقف المعارضون عند قبول الأموال منقوصة وتفعيل اللجان المشتركة بين السلطة وإسرائيل تم في سياق التراجع الرسمي عن قرارات المجلس المركزي الفلسطيني والقيادة الفلسطينية (بوقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل) وعودة لتطبيق بروتوكول باريس الاقتصادي الذي ينفذ بإملاءات إسرائيلية أحادية الجانب. وانتقد محللون بينهم الكاتب هاني المصري، التعاطي الرسمي الفلسطيني مع القرصنة الإسرائيلية للأموال الفلسطينية مذكرا بقرار السلطة رفض استلام الأموال الفلسطينية منقوصة وطالب بملاحقة إسرائيل على قرصنتها المالية. وأضاف المصري في مقاله “لو كان عدم استلام السلطة أموال المقاصة جزءًا من استراتيجية فلسطينية للتخلص من الالتزامات الأمنية والسياسية والاقتصادية المترتبة عليها بموجب أوسلو لتفهم الشعب الفلسطيني ذلك”. مرجحا أن قرار السلطة كان ردة فعل للاستهلاك الشعبي وتكتيكا سياسيا لتحسين شروط السلطة في علاقتها مع الاحتلال الإسرائيلي، على أرضية التهديد اللفظي باعتماد استراتيجية جديدة، لمواجهتها لكن بدون أي خطوات فعلية ضدها. وأوضح باحثون في الشأن الإسرائيلي بينهم نواف الزرو، دوافع الحكومة الإسرائيلية بدفع الأموال للسلطة الفلسطينية واستمرار الضغط عليها في الوقت نفسه بالإشارة إلى خشية إسرائيل من أن تؤدي الأزمة المالية إلى تفاقم اقتصادي اجتماعي فلسطيني، وحدوث انتفاضة جديدة ضد الاحتلال لكونه المتسبب في كل الأزمات الفلسطينية. مرجحا أن الهدف غير المعلن هو عدم رغبة إسرائيل بحدوث انهيار للسلطة الفلسطينية مع استمرار إضعافها وجعل سقفها الحكم الذاتي.