خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي: هل يقترب الفصل الختامي؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

مثل صيف بريطانيا، تبدو مفاوضاتها للخروج من الاتحاد الأوروبي، تشرق كأنها شمس واضحة، ثم فجأة تتلبد السماء بالغيوم، فتختفي الشمس وتهطل الأمطار. ثلاث سنوات تقريبا على هذا الحال. أطاحت حتى الآن باثنين من رؤساء الحكومة المحافظين هما ديفيد كاميرون وتريزا ماي، وقد يلحق بهما بوريس جونسون! التصريحات الأخيرة الصادرة عن قيادات العملية التفاوضية في لندن وبروكسل أكثر تفاؤلا عن ذي قبل، رغم الحرص الشديد على عدم الخوض في التفاصيل. الجولة الأخيرة للمفاوضات بين جونسون ورئيس وزراء أيرلندا ليو فارداكر، كانت إيجابية على حد تعبير الثاني، والرسائل الصادرة عن التوصل إلى حل قريب تبعث على الأمل. الأيام المقبلة وحتى موعد القمة الأوروبية المقررة في 17-18 من الشهر الحالي ستكون حاسمة وقاطعة، أو هكذا يفترض الخبراء.

مع انتهاء القمة ستكون بريطانيا أمام ثلاثة احتمالات، الأول إعلان التوصل إلى اتفاق يضمن خروجا منظما لها من الاتحاد خلال عامين تقريبا، والثاني تمديد أجل المفاوضات إلى كانون الثاني/ يناير المقبل، والثالث هو أن تسقط بريطانيا من عضوية الاتحاد بدون اتفاق، وهو الكابوس الذي يريد الجميع أن يتجنبه، باستثناء بوريس جونسون، الذي يهدد ويقسم بأنه سيأخذ بريطانيا خارج الاتحاد مع نهاية يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر بتوقيت أوروبا أي قبل ساعة من انتهائه بتوقيت غرينتش أيا كان الأمر. أزمة بريطانيا يعكسها تذبذب قيمة الإسترليني كل يوم، كما تنعكس أيضا على سلوك المستهلكين والمنتجين، الذين يعانون من الحيرة وعدم اليقين.

لفهم هذه الحالة، توجد ثلاثة مستويات للتحليل، بعيدا عن تقلبات الأخبار لحظة بلحظة. الأول يستند على محركات السياسة المحلية، وكيفية التعامل مع نتائج استفتاء 2016 الذي صوت فيه البريطانيون بأغلبية 52 في المئة للخروج. الثاني هو المسرح الأوروبي، والتنافس على الزعامة داخل أكبر كتلة تجارية واقتصادية في العالم من حيث عدد أعضائها، والدور الذي تلعبه كل من ألمانيا وفرنسا في تحجيم نفوذ بريطانيا داخل الاتحاد، والعبء المالي الذي تتحمله بريطانيا في ميزانية الاتحاد. أما المستوى الثالث فيتعلق بمحركات القوة في النظام العالمي، ورغبة الولايات المتحدة في ضرب الاتحاد الأوروبي، بمقتضى استراتيجية لمنع ظهور أي قوة تنافس الولايات المتحدة على المستوى العالمي. ويجب أن نعلم أن للروس أيضا مصلحة في إضعاف أوروبا.

وتمثل مفاوضات الخروج من الاتحاد، محور صراع رئيسي بين الحزبين الكبيرين في بريطانيا. ومع أن البقاء له أنصار في حزب المحافظين، والخروج له أنصار بين صفوف العمال، فإن أغلبية تتراوح بين 80 إلى 90 في المئة من الحزبين، تقف موقفا متعارضا. فالأغلبية في المحافظين هي للخروج، بينما العكس في العمال. المشكلة في حزب العمال أن ما يقرب من 40 من نوابه في مجلس العموم يؤيدون الخروج، وأن عددا من الدوائر الانتخابية المهمة للحزب، صوت ناخبوها هامشيا للخروج.

الورطة الكبرى الحالية في السياسة البريطانية، لم تنشأ نتيجة لانقسام توجهات الناخبين وتصويتهم في استفتاء حزيران/يونيو 2016 وإنما بسبب أن الاستفتاء على مسألة مصيرية مثل الخروج من الاتحاد الأوروبي، لم يكن أبدا ليتم بأغلبية بسيطة تزيد عن الـ 50 في المئة ولو بناخب واحد. هذه مسألة مصيرية، كانت تستلزم حصول الاقتراح الملزم للحكومة على أغلبية الثلثين من أصوات الناخبين على الأقل. لكن المناقشات التي جرت وقتها عام 2016 ذهبت إلى أن ذلك غير ضروري، لأن الاستفتاء ليس أداة أصيلة من أدوات الديمقراطية البرلمانية، وأن نتيجته “استشارية” وليست “ملزمة”. هذه الحجة سقطت عمليا بسرعة في بحر المناقشات وحملة التعبئة، عندما أكد ديفيد كاميرون وقتها أن التصويت في الاستفتاء لصالح الخروج يعني الخروج الفعلي وليس شيئا غير ذلك. هذا التوجه في الخطاب السياسي هو الذي يستند إليه حاليا بوريس جونسون والمحافظون اليمينيون أصحاب النزعة القومية الإنكليزية، بقيادة مجموعة الأبحاث الأوروبية. هؤلاء يقولون صراحة إن عدم الخروج يعني أن الحكومة تخون نتيجة التصويت، أي الأمانة التي فوضها فيها الناخبون. ومع ذلك فقد شهدت الأيام الماضية بوادر تمرد داخل قيادات المحافظين في البرلمان وفي الحكومة، رفضا لأي احتمال لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق. الخروج المنظم باتفاق يكتسب تأييدا متزايدا داخل حزب المحافظين كلما اقترب موعده بسبب فداحة الثمن الاقتصادي والسياسي الذي ستدفعه بريطانيا في حال الخروج بدون اتفاق.

أما في حزب العمال فإن المناقشات تدور على أرضية مصالح بريطانيا التجارية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصا فيما يتعلق بحقوق العمال والموظفين، إضافة إلى مصالح رجال الأعمال، والمؤسسات الاقتصادية لضمان تسيير الأعمال بعيدا عن التعقيدات البيروقراطية التي ستنشأ مع تغيير أنظمة التعامل مع أوروبا. ويرى الحزب بوضوح، أن تخرج بريطانيا من الاتحاد على أساس اتفاق، تتمثل أهم أركانه ببقاء بريطانيا داخل السوق الأوروبية الموحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي، بما يحقق الاستقرار لبيئة الأعمال، ولحركة العمال والكفاءات البشرية عبر الحدود.

لكن حزب العمال ما يزال يعاني من ضعف ملموس في شعبيته، بناء على استطلاعات الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة. ولهذا السبب فإن قيادته تجنبت فكرة الدعوة إلى انتخابات مبكرة، خوفا من فوز بوريس جونسون، واندفاعه خارج الاتحاد بدون اتفاق. أيضا فإن موقف حزب الليبراليين الديمقراطيين زاد الأمور تعقيدا، لأن مؤتمره السنوي الأخير تبنى شعار البقاء داخل الاتحاد. هذا يعني أن جبهة المعارضة للمحافظين انقسمت عمليا بين تيارين، الأول هو حزب العمال الذي يؤيد الخروج باتفاق، والثاني هو حزب الليبراليين الديمقراطيين، والحزبين القوميين، الإسكتلندي والويلزي، لأن الأحزاب الثلاثة تتبنى البقاء في الاتحاد.

إزاء هذا الوضع الداخلي فإن المفاوضين الأوروبيين فضلوا عدم الانجراف في تيار السياسة المحلية البريطانية، ودعوا صراحة إلى أن تقدم الحكومة البريطانية عرضا للخروج مدعوما بتأييد مجلس العموم كشرط لقبوله، على أن يكون هذا العرض مقبولا أيضا من حكومة جمهورية أيرلندا، وهي الدولة الأوروبية الوحيدة المعنية بضبط حدودها البرية مع أيرلندا الشمالية. ولا يلوح في الأفق حتى الآن ما يشير إلى أن الحكومة قد انتهت من إعداد مشروع اتفاق متماسك وقابل للتنفيذ. ومن المنتظر أن تقدم لمجلس العموم غدا، آخر ما توصلت إليه قبل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي. وسوف تكشف المناقشات، في حال وجود مثل هذا الاتفاق، ما إذا كانت الحكومة ستحصل على تأييد أغلبية المجلس. حزب العمال، يفضل تمديد أجل المفاوضات، والدعوة لإجراء انتخابات عامة في تشرين الثاني/نوفمبر أو كانون الأول/ديسمبر. بينما أظهر المنشقون داخل المحافظين، ومنهم فيليب هاموند وزير الخزانة السابق، تحفظا على هذا الاقتراح وحسم الموضوع الأوروبي أولا. التوصل إلى اتفاق يفتح الطريق لبوريس جونسون للدعوة لإجراء انتخابات عامة، يؤكد بها في حال فوز المحافظين زعامته للبلاد بواسطة نتائج صناديق الانتخابات.

في حال الموافقة على إجراء انتخابات عامة مبكرة، قبل موعدها المقرر بأكثر من عامين، ستتولى الحكومة الجديدة حسم موضوع عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، إن لم تحسم قبل نهاية تشرين الأول/أكتوبر. لكن المشكلة التي قد تواجهها الأحزاب السياسية في هذه الحالة، هي أن تصويت الناخبين سيعكس الانقسام الحاد بين مؤيدي ومعارضي الاتحاد الأوروبي، وليس على أساس المفاضلة بين برامج الأحزاب في كل القضايا.

على الجانب الآخر من الأطلنطي، يترقب الرئيس الأمريكي بفارغ الصبر نتيجة هذه المعركة، على أمل أن يفوز المحافظون بزعامة بوريس جونسون، لتأكيد الشراكة بين الولايات المتحدة وبريطانيا. إذا حدث ذلك فإنه سيعزز موقف ترامب في الانتخابات المقبلة، بافتراض تعثر إجراءات عزله واستمرار فرصه في الفوز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية