انتفاضة الجياع والعاطلين في العراق بين نظرية المؤامرة وحقوق الشعب

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”: في خضم تسارع الأحداث المتعلقة بالتظاهرات الغاضبة خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر الحالي التي اندلعت في مدن العراق للمطالبة بالخدمات ومحاربة الفساد، تركز حديث حكومة بغداد، على “مؤامرة وانقلاب ومتآمرين تقف وراءهم دول” متناسية حقيقة لا يختلف عليها أحد، وهي معاناة ويأس العراقيين من انهيار أوضاع بلدهم الذي دفعهم إلى مواجهة الرصاص بصدور عارية إلا من الإيمان بقدر الله والرغبة في الخلاص من الجحيم الذي وصل العراق إليه، جراء هيمنة أحزاب الفساد والفشل.

 نظرية المؤامرة

وبمجرد هدوء الاشتباكات التي رافقت التظاهرات، عمدت الحكومة العراقية والأحزاب الشيعية المتنفذة، إلى الترويج لنظرية “المؤامرة والفتنة والمندسين” في تعليلها لأسباب الحراك الشعبي وتبرير العنف في مواجهته.

ففي الوقت الذي أقر فيه الرئيس العراقي برهم صالح، إن “هذا الحراك وهذه الاحتجاجات جاءت على خلفية البؤس والمظالم” إلا أنه اعتبر “ما يحدث في البلاد فتنة وجريمة لا يمكن السكوت عنها” من دون أن يحدد أبعاد الفتنة والقائمين عليها ومن الذي أصدر أوامر إطلاق النار على المتظاهرين.

وكان رئيس الحكومة عادل عبد المهدي قد أشار إلى وجود مندسين بين المتظاهرين ومسلحين يطلقون النار على المتظاهرين والقوات الأمنية معا، واصفا المتظاهرين بـ”غير السلميين” رغم أن سلاحهم الوحيد كان الهتافات وأعلام العراق وقناني المياه الفارغة.

إلا أن أخطر الاتهامات التي وجهت للمتظاهرين، جاءت من مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، الذي وصف المتظاهرين بـ”المتآمرين” المرتبطين بمخطط لـ”إسقاط النظام السياسي وزرع الفتنة في العراق”.

وذكر الفياض في مؤتمر صحافي في بغداد “إن الحكومة تعرف تماما الجهات التي تقف وراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال الأيام الماضية، وسيتم الكشف في الوقت المناسب عن أسماء هؤلاء المتآمرين وكافة المعلومات بشأنهم” متوعدا بالقصاص العادل والرادع ممن أرادوا شرا بالعراق من دون أي مجال للتساهل معهم، وفق تعبيره.

وشدد على أن “الأعداء والمتآمرين خاب سعيهم” وان “إسقاط الفساد وتحقيق الإصلاح الاقتصادي لا يتم إلا في ظل دولة، ولا مجال لأي تمرد أو انقلاب”.

إجراءات لامتصاص غضب الشارع

وفي مسعى لامتصاص نقمة المتظاهرين على عجز الحكومة عن حل مشاكلهم، فقد حصل تحرك حكومي برلماني لإنهاء التظاهرات، عبر طرح سلسلة من القرارات لإقناع المتظاهرين بالعدول عن حراكهم، وهو أمر يصعب ضمان عدم تكراره، لافتقاد الثقة بين الطرفين على خلفية وعود حكومية سابقة لم تجد طريقها للتحقيق.

فقد أصدر مجلس الوزراء حزمة من القرارات، تركزت على التوجيه بتوزيع أراض سكنية وتقديم قروض بناء، للطبقات الفقيرة في المجتمع، ومنح إعانات مالية لعوائل فقيرة ولبعض العاطلين ولمدة ثلاث أشهر، وفتح دورات تدريب مهني، وفتح باب التطوع في القوات المسلحة، وإعفاء بعض الفلاحين من أجور تأجير الأرض، ومنح حقوق لشهداء التظاهرات، مع وعود بملاحقة الفاسدين. والمتابع لإجراءات وقرارات الحكومة يلاحظ أنها حقوق أساسية طالب بها المواطنون منذ سنوات، ويفترض من الحكومة توفيرها بدون الحاجة إلى تظاهرات وسقوط ضحايا.

وعلى كل حال، فإن الإجراءات والوعود الإصلاحية للحكومة، قوبلت بتشكيك واسع، وفي هذا الصدد أكد القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير الخارجية والمالية العراقي الأسبق، هوشيار زيباري، إن تعهدات الرئاسات الثلاث في العراق للمتظاهرين “غير واقعية، وغير قابلة للتطبيق”. وأوضح في تصريحات صحافية، أن “عجز الموازنة العراقية لعام 2020 سيزيد إلى أكثر من 30 مليار دولار” داعيا قيادات العراق إلى ان تكون “واقعية” ومتوقعا “استمرار الاحتجاجات ضد الحكومة العراقية”.

وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية العراقية، سعد معن الموسوي، أعلن إن 104 أشخاص قتلوا وأصيب أكثر من 6000 آخرين خلال الاحتجاجات في البلاد، إلا ان العراقيين استغربوا إنكار تلك السلطات وقوع صدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية رغم شهادات المتظاهرين ومئات الأفلام التي أظهرت قيام القوات الأمنية بإطلاق النار على المتظاهرين.

تنبؤات مبكرة بالتظاهرات

ومع فترة الهدوء الحذر التي أعقبت التظاهرات الصاخبة، ومع تضارب التصريحات والمواقف الرسمية، ينشغل العراقيون هذه الأيام، بجملة تساؤلات حول مغزى توقيت هذا الحراك الشعبي الواسع والجهات التي تقف وراءه، وقسوة ردود الأفعال الحكومية تجاه المتظاهرين المسالمين، وعلاقة الحراك بالصراعات بين القوى السياسية المحلية والإقليمية والدولية.

ويعيد العراقيون مراجعة مؤشرات وقعت قبل اندلاع التظاهرات، منها تصريحات لقادة أحزاب شيعية وميليشيات تؤكد علم السلطات العراقية بقرب وقوع التظاهرات، مع توقعات بتغيرات أساسية في حكومة عادل عبد المهدي.

ففي الآونة الأخيرة دعا العديد من القادة الشيعة، رئيس الحكومة عادل عبد المهدي لتقديم الاستقالة جراء عجزه عن تنفيذ برنامج حكومته الذي وعد به، واستمرارها في الفشل سواء في إدارة الدولة أو في مواجهة الفساد وعسكرة المجتمع وغيرها من الأزمات.

وقبيل بدء التظاهرات الأخيرة، دعا الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، حكومة عبد المهدي إلى الاستقالة بعد ان كان من الداعمين لها عند تشكيل الحكومة قبل أقل من عام، كما وجه نواب كتلة سائرون التابعة له، لتعليق عضويتهم في البرلمان بسبب العنف الذي واجهت به الحكومة المتظاهرين المطالبين بالإصلاحات في البلاد.

 وكرر رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي الدعوة إلى استقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة وتأكيده فشل الحكومة في تلبية احتياجات الشعب وأن “الحكومة فقدت الاهلية بإدارة الحكم”.

إلا ان التصريحات الأكثر إثارة لاستغراب العراقيين جاءت من قائد ميليشيا العصائب قيس الخزعلي المقرب من الحرس الثوري الإيراني، عندما أعلن مبكرا في لقائين جمعه بعدد من الصحافيين، عن قرب إسقاط حكومة عبد المهدي بعد تظاهرات صاخبة.

وتتداول مواقع التواصل الاجتماعي أفلاما مؤرخة في 26/8/2019 و 1/10/2019 تابعتها “القدس العربي” عن تصريحات للخزعلي ذكر فيها “أن هناك عملا تقوم به أطراف سياسية لتغيير حكومة عادل عبد المهدي، بعد تظاهرات تجري في تشرين الأول/اكتوبر الحالي، وأن موعد تغيير الحكومة سيكون في الشهر الحادي عشر (تشرين الثاني/نوفمبر المقبل)” .

ويشير الخزعلي إلى “أن المظاهرات تنطلق بحجة المطالبة بالحقوق ولكنها ستكون بدفع من قوى سياسية (لم يحددها) ويتم تهيئة قائد عسكري لقيادة التغيير”.

والمثير ان ما ذكره يتشابه إلى حد كبير مع سيناريو الأحداث التي تجري حاليا في العراق، مما أثار شكوك العراقيين حول حقيقة ما يدور في بلدهم.

الدور الإيراني في إجهاض التظاهرات

ولعل من إيجابيات التظاهرات الشعبية الأخيرة في العراق أنها أثبتت أن البلد لم يعد شأنا مستقلا عن اهتمام دول الجوار وخاصة إيران التي صدرت عنها تصريحات اعتبرت أن ما يجري في العراق “مؤامرة” تستهدف ضرب العلاقات الإيرانية العراقية، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بالوقوف وراءها.

وبينما أكد المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي أن “الأعداء يسعون للتفرقة بين الإيرانيين والعراقيين” موجها الحرس الثوري للاستمرار في “توسيع نشاط إيران الإقليمي، ومواصلة دوره العابر للحدود” فإن ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري عبد الله حاجي صادقي، كان أكثر وضوحا عندما أكد “أن ما يجري في العراق حرب حقيقية مع الولايات المتحدة” داعيا إلى “إحباط برامج الأعداء” الذين “يريدون منع الشعب العراقي من أن يكون مثل الإيرانيين الثوريين ومنع الحشد الشعبي من الدفاع عن بلده”.

علما بأن التظاهرات شهدت ترديد شعارات تدين التدخل الإيراني في شؤون العراق، كما وردت العديد من الإشارات عن دور الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في استهداف المتظاهرين، لإجهاض الحراك الشعبي.

وفي النهاية فإن الدماء الغالية التي نزفها شباب العراق خلال الحراك الشعبي العفوي، لم تذهب سدى، لأنها أكدت عدم خضوع الشعب للظلم، كما أنها أجبرت الحكومة والقوى السياسية على اتخاذ قرارات ووعود لتحسين أوضاع البلد، كما أظهرت أن من الصعب جدا تغيير قناعة العراقيين بأن وعود الإصلاح بالتزامن مع العنف المفرط في مواجهة ثورة الجياع والعاطلين، لن توقف حراكه ، لأن العلة تكمن في فساد الأجهزة الحكومية والأحزاب التي فشلت لأكثر من 16 عاما في أداء واجباتها الطبيعية في خدمة الشعب وانشغلت بالصراعات على المغانم والمكاسب والنظر خارج الحدود لإرضاء هذا الطرف أو ذاك. وما يعزز هذا التوجه هو تمسك حكومة بغداد بنظرية تخوين المتظاهرين والمؤامرات الدولية، من دون الإقرار بمبررات غضب الشعب العراقي وحقوقه المسلوبة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية