يُقدِّم الخبير الاقتصادي جان طويلة قراءته للأزمة النقدية التي يعيشها لبنان راهناً مع شح الدولار الأمريكي في المصارف ونشوء سوق صرف مواز للسوق الرسمي، الأمر الذي أحدث حالاً من الهلع لدى اللبنانيين وبدأ يترك تداعيات سلبية تُفاقم من الوضع الاقتصادي الصعب، وتُخرِّب بيئة الأعمال وتخلق مضاربات قوية تزيد من حال التضخم، وتُمعن في احتضار لبنان على مختلف المستويات.
ما يُقلق طويلة أن سياسة المسكّنات وكسب الوقت ما عادت تنفع، وأن المطلوب هو إصلاحات فعلية لن تذهب إليها الطبقة السياسية المتكئة على منظومة المحاصصة والفساد للبقاء في السلطة. من هنا تبرز أهمية الرقابة الدولية التي تربط تمويل “سيدر” بتنفيذ الإصلاحات التي التزم بها لبنان. وبالتالي فإن أي تبدُّل في معادلة “الإصلاح مقابل التمويل” لصالح “الاستقرار مقابل التمويل” سيكون خطأ، فحتى لو كانت الأولوية للاستقرار، فلا بد من أن تُربط الحوافز المالية لتأمين الاستقرار بالإصلاحات. وهذا ما يمكن تأمينه من خلال “سيدر لبناني” للقيام بإصلاحات تُدرج في إطار موازنة العام 2020 التي تُناقش هذه الأيام.
وهنا نص الحوار:
* المؤكد في لبنان أن هناك شحاً في الدولار الأمريكي لدى المصارف وسعرين لصرف سعر الليرة اللبنانية، رسمي غير متوفر، وغير رسمي يتحكّم به الصيارفة، أما الشيء غير المؤكد أو المفهوم فهو أسباب ذلك؟
** منذ تثبيت سعر صرف الليرة على 1507.50 ليرات مقابل الدولار الأمريكي مع بداية تسعينيات القرن الماضي لم نشهد وضعاً مشابهاً لما حدث. أحد أهم الأسباب التي وصلنا إليها اليوم أن الطبقة السياسية اللبنانية لديها منظومة المحاصصة والفساد والزبائنية تؤمِّن بقائها في السلطة وتعتبر المساس بها من المحرمات، فإذا أرادوا القيام بالإصلاحات سيكون عليهم أولاً “فكفكتها” وهم غير مستعدين للقيام بذلك. أما فعلياً، فقد وصلنا إلى “عجز التوأمين “أي عجز بمالية الدولية وعجز آخر بميزان المدفوعات الذي هو المقياس لحركة دخول وخروج العملات الصعبة في البلد، والذي يتكوَّن من الميزان التجاري ومن تحويلات المغتربين، ومن الودائع التي تأتي من الخارج إلى المصارف اللبنانية.
لم يعرف لبنان منذ تأسيسه عجزاً في ميزان مدفوعاته إلا بعد العام 2011. هذا العجز تتم تغطيته من احتياطي العملات الأجنبية. فعجز الميزان التجاري يزداد عاماً بعد عام، وكذلك تحويلات المغتربين آخذة بالتناقص. في العام 2018 كان العجز في الميزان التجاري 17 مليار دولار والودائع بالمصارف اللبنانية سجلت نمواً سلبياً. ووصل العجز بميزان المدفوعات في العام 2018 ولأول مرّة بتاريخ لبنان إلى 4.8 مليارات دولار، هذا معناه أننا أخذنا من احتياطي العملات الأجنبية 4.8 مليارات لتغطية هذا العجز. أما في الأشهر السبعة الأولى من العام 2019 فقد وصل العجز بميزان المدفوعات إلى 5.3 مليارات دولار. هنا نلاحظ كيف يتم استنزاف احتياط العملة الصعبة الذي انخفض في آخر سنتين 20 في المئة والذي يُستعمل أيضاً لتثبيت سعر صرف الليرة. ولا نحتاج إلى أكثر من نظرة بسيطة إلى “ترسيمة” احتياطي العملات الأجنبية حتى نطّلع على هذا الانخفاض. هنا دقَّ مصرف لبنان ناقوس الخطر، لأن استمرار الحال على ما هو عليه سيمنعه من تثبيت سعر الصرف، ومن تنفيذ سياسته النقدية المرسومة.
* كم هو فعلياً احتياط مصرف لبنان من العملات الأجنبية؟
**هو بحدود 37 مليار دولار، لكن جزءاً منه غير قابل لـ”التسييل” كاستحقاقات “اليوروبوندز” البالغة زهاء 2.6 مليار دولار، والذهب الذي تقدَّر قيمته بنحو 10 مليارات، والذي يُحظّر القانون بيعه، إضافة إلى نحو 15 ملياراً تُستعمل للتغطية بالليرة اللبنانية مقابل الدولار. هذا يعني أن الكتلة النقدية “السائلة” والتي يمكن استعمالها قد لا تصل إلى 10 مليارات، ويستعملها البنك المركزي أيضاً لسداد عجز الدولة وللإيفاء بالاستحقاقات، وهذا يتم عبر الاستدانة التي تتطلب استعمال الاحتياطي بطريقة معينة.
* كخبير اقتصادي، ماذا كانت أهداف السياسات النقدية والمالية؟
** كل ما أنجز في آخر 3 سنوات هو لكسب الوقت، بدءاً من الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان، وصولاً إلى الموازنات. ما أُنجز كان وهمياً، هدفه إيهام المجتمع الدولي والشعب اللبناني بأنهم يقومون بإنجازات. يحاولون كسب الوقت لأنهم يُعوّلون على أمرين، الأول مؤتمر “سيدر” والمجتمع الدولي على أمل أن يحصلوا على المال من دون القيام بالإصلاحات التي تعهدوا بإنجازها، وقد فشلوا في ذلك، وكانت رسالة بيار دوكان (ناظر مؤتمر سيدر) واضحة في هذا المجال، حتى وصلنا إلى مرحلة أن هناك ضغطاً وبدأنا نتساءل عن أيهما أهم من الآخر، تأمين الاستقرار أم إنجاز الإصلاحات، أصبحنا بحاجة للتمويل حتى نؤمن الاستقرار. أما الأمر الثاني الذي يُعوّلون عليه فهو موضوع “النفط والغاز” فالكل يعرف أن عمليات الحفر الاستكشافية في البحر ستبدأ في ديسمبر/كانون أول المقبل، وفي أعماق تصل إلى 4000 متر، وهذا مُكلف جداً، وسعر الغاز هذه الأيام في الأسواق هو في مستواه الأدنى تقريباً، فإذا كانت كميات الغاز المقدَّرة غير مجزية اقتصادياً، وهذا لا يمكن معرفته إلا من خلال عمليات الحفر، فقد تتأجل حتى يتحسن مستوى الأسعار.
* في رأيك أن مصرف لبنان لم يعد قادراً على التدخل المستمر في السوق المالية لحماية الليرة اللبنانية؟
** ليس بإمكان الليرة الصمود، إذا لم نقم بالإصلاحات، هذا ملخص الكلام. كل ما نقوم به مفاده أننا نؤجل المشكلة لربح بعض الوقت، الحلول الآنية مصطنعة. إذا ذهبت إلى المصرف وطلبت منهم تحويل مبلغ معين من الليرة إلى الدولار هل البنك قادر على أن يقوم بالعملية باليوم نفسه؟ لا… هذا معناه أن هناك مشكلة، وإذا عدنا إلى أساس المشكلة الحل الوحيد هو القيام بالإصلاحات الضرورية.
*تعتبر أننا أمام معادلة جديدة: الاستقرار مقابل التمويل بدل الإصلاحات مقابل التمويل؟
**هناك اجتماعات في السفارة الأمريكية بمشاركة فرنسية وأوروبية وإنكليزية لتحديد الأولوية، هل هي لموضوع الاستقرار أم للإصلاحات. في رأيي من الخطأ تغيير المعادلة، الحل بتكملة الإصلاحات، أي تمويل مقابل إصلاحات، وفي الوقت نفسه العمل على موضوع الاستقرار وربطه بالإصلاحات.
أنا أطالب بوضع برنامج أو “سيدر لبناني” للقيام بإصلاحات لموازنة العام 2020 التي تُناقش هذه الأيام، تكون مشروطة بتمويل لدعم الاستقرار، بمعنى أنه إذا غيّرنا منطق “سيدر” وأخذنا الموضوع من زاوية إصلاحات للاستقرار، فهذا معناه أننا عُدنا إلى “باريس1″ و”باريس2″ و”باريس3” صحيح أنه كان هناك جزء للاستقرار، ولكن الجزء الأكبر كان للإصلاحات، أي تمويل مقابل إصلاحات، حيث تم صرف مبلغ 300 مليون دولار من أصل 5 مليارات. وهم بدَّلوا التسمية إلى “سيدر” حتى نتجنب تسمية “باريس” لأنها كانت فاشلة. أنا مع وضع تمويل من أجل الاستقرار، ولكن يجب أن يكون هذا التمويل مشروطاً بإصلاحات. “سيدر” ينص على إصلاحات بنيوية لا تظهر نتائجها إلا على المدى الطويل، هذا جيد جداً، لكنه لا يعطي مردوداً على صعيد المالية العامة. إذا أردنا إنجاز استقرار على صعيد المالية، فهذا معناه تأمين الأموال لسد العجز وتخفيف الضغط وإدخال الدولار.
* وما الفرق بين إصلاحات “سيدر الدولي” و”سيدر اللبناني” الذي تقترحه؟
**الفرق هو أن الإصلاحات التي يُطالب بها “سيدر” الدولي تتناول القطاعات، كالمياه والكهرباء وغيرها. كل بنود “سيدر الدولي” للمدى الطويل، ما عدا بند واحد يطالب بتخفيض العجز 1 في المئة سنوياً على مدى خمس سنوات، ولكن لم يقولوا لنا كيف يجب أن يتم ذلك، وهنا يأتي دور “سيدر اللبناني”. يجب أن تكون هناك لجنة متابعة “تُمسك بيدهم” وتوجههم، وتشترط ربط المبالغ التي ستُخصص للاستقرار بإصلاحات على صعيد المالية، التي تساعد على تخفيض العجز تدريجياً من الآن ولغاية 3-4 سنوات، وفي الوقت نفسه تُجبرهم على القيام بذلك، كما يجبرنا على ذلك “سيدر” فرنسا، أي تقول لهم (أنهوا خدمات) الـ5400 موظف الذين جرى إدخالهم في القطاع العام بطريقة غير قانونية، حتى تحصلوا على التمويل. وتقول لهم “أحضروا شركة عالمية تقوم بإعادة هيكلة للقطاع العام لنعرف أين الفائض وأين النقص في الوظائف، وأين هي الوظائف الوهمية”. هناك فرصة لأن يأتي المجتمع الدولي ويقول لهم أنه مستعد لإعطائهم حوافز مالية، ولكنها ليست مجانية هذه المرة، إنما طبقاً لشروط معينة.
*على أي نوع من الاستقرار يمكن أن تحصل المقايضة؟ هل هو السياسي أم الاقتصادي أم المالي أم الأمني؟
** المطلوب هو استقرار السيولة، عندما تمتنع البنوك عن تأمين الدولار للزبائن فهذا معناه أن هناك مشكلة سيولة التي هي مصدر الاستقرار، العملات الأجنبية التي تدخل البلد غير كافية لتلبية الحاجة. لخلق هذا الاستقرار يمكن للمجتمع الدولي أن يُقرض الدولة اللبنانية 3 أو 4 مليارات دولار بفائدة منخفضة جداً لتخفيف خدمة الدين من جهة، ومن جهة أخرى نكون قد أدخلنا عملة صعبة إلى البلد تساعد في تخفيف الضغط عن المصارف لأنها هي من يُقرض الدولة في هذه الأيام.
*في رأيك، هل هناك إمكانية لتدخّل الدول المانحة؟
** احتمال كبير، لكن حسب رأيي، ستكون غلطة كبيرة إذا قدَّموا المال من دون إصلاحات، لأننا لن نكون سعينا إلى الحل، بل لربح الوقت فقط. والحل كما قلت هو بالعمل على خلق دولة قانون ومؤسسات.
* ما معنى استمرار السوق الموازي للسوق الرسمي في صرف العملة؟
**يعني أن هذا السوق الموازي هو الذي سوف تتداول به الناس، دعينا نعتبر أن هذه السلعة سعرها الرسمي 10 دولارات وعندما تذهبين لشرائها يقولون لك 20 دولاراً. هذا معناه أن سعرها الفعلي هو 20 دولاراً.
*ولكن إذا وصلنا إلى هذه المرحلة، ماذا نكون فعلنا بنظامنا الاقتصادي؟
**انتبهي، حسب القانون لا يوجد تثبيت لسعر الليرة، حسب القانون الليرة اللبنانية عائمة.
*حسب القانون فإن سعر الصرف عرضة للعرض والطلب، ولكن يجب ألا يكون عندنا سعر رسمي في البنك، وسعر آخر للسوق الموازي؟
**هذه المسألة موجودة وهناك دول استعملتها، لفترة موقتة، حتى يعود السعر إلى مرحلة التعويم، بمعنى أنهم يستعملونه مؤقتاً حتى يصلحوا أمراً ما. هذه الوسيلة استعملت بالاقتصاد، وتسمح لك بضبط ميزان المدفوعات الخاص بك، وحتى ننتقل من عملة ثابتة إلى عملة عائمة، أو بالعكس، من عملة عائمة إلى عملة ثابتة، هذه تستعمل عادة لفترة معينة، وقصيرة ومضبوطة، ولكن إذا صارت هي القاعدة، كما في غير بلاد كالعراق وإيران وفنزويلا وسوريا والسودان، فإنها تخلق مشاكل كبيرة جداً و”تفتح الباب عليك”. أولاً تخلق مضاربين، ويصير كل واحد والذي “واسطته أقوى” يحصل على سعر أحسن من مكان آخر، ولا تعود عندك الشفافية حتى يكون كل الأفرقاء يتعاملون على قواعد اللعبة نفسها. فإذا كانت لأحدهم “علاقات” يحصل على المبلغ بالسعر الرسمي على الـ1500 وإذا كان لا يعرف أحداً، عليه عندها أن يذهب إلى السوق الموازي ويشتري بسعره. وكلاهما سيبيع المُنتَج نفسه!
*وما نُسمّي هذه التداعيات؟
**نكون “خرَّبنا” بيئة الأعمال كلها، لأن قواعد اللعبة تغيّرت.
*بمعنى أنه نقوم بتغيير طبيعة اقتصادنا؟
**صحيح لن يعود يوجد الاقتصاد الحر المعتادين عليه. وهذه هي المشكلة، نحن لا نريد الوصول إلى هنا. اليوم اتخذ مصرف لبنان إجراءات في شأن استيراد القمح والوقود والدواء، ولكن ماذا تفعلين بباقي المستوردين؟
* يدعم مصرف لبنان المواد السيادية التي هي أصلاً يتم تهريبها…
**استعملتِ الكلمة الصحيحة… الدعم، لأننا إذا اعتبرنا أن سعر السوق اليوم 1600 ليرة مقابل الدولار، سيكون الفرق هو كلفة الدعم.
*هذه المواد السيادية هي التي يتم تهريبها، يعني إذا لم تُضبط عمليات التهريب، سيتم استنزافك أكثر، وسيعمل التاجر على بيعها بسعر السوق السوداء بأسعار الأعلى.
** مئة في المئة، مصرف لبنان يعتقد أنه إذا وضع ضوابط لمستورد مازوت، فسيضع أولوية للسوق اللبناني ولن يلجأ إلى زيادة للتهريب، لكنه مخطئ.
* هل يجب أن نبدأ بالمعالجة من قطاع الكهرباء كما تشترط الدول المانحة؟
**هناك مفهوم خاطئ، الدول المانحة لم تشترط برنامجاً إصلاحياً معيناً، بل إن الحكومة اللبنانية هي التي ذهبت إلى “سيدر” حاملة برنامجها الإصلاحي، وقالت لهم أنا سأقوم بهذه الخطوات، فوافقوا على برنامجها ووعدوها بـ11 مليار دولار بناء على تعهداتها. برنامج الإصلاح لم يفرضه أحد علينا، وعلينا القيام بما تعهدنا به.
بالنسبة لقطاع الكهرباء، وضعوا قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، واعتبروه إنجازاً، وأنه قانون عصري يؤمن آلية تنظيم قانونية لكيفية العمل بين القطاعين العام والخاص بطريقة شفافة حتى لا ندخل في المحاصصات التي نراها اليوم، وهناك أيضاً موضوع الهيئة الناظمة وأيضاً تعيين مجلس إدارة لكهرباء لبنان، هذه الأمور موجودة في البرنامج الإصلاحي. لكن الذي حدث أن المناقصات لن تنجز على أساس قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وليس عن طريق الهيئة الناظمة، لأنهم يعتبرون أنها تحدّ من صلاحيات الوزيرة، وهم لا يريدون ذلك، مع العلم أن الوزيرة تأخذ من صلاحيات الهيئة. هذه الأمور تطرح علامات استفهام لدى المجتمع الدولي.
*ولماذا يتهربون؟
**لأن موضوع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إذا طبّق حسب الآلية الموجودة، لا يسمح لهم بالمحاصصات، والهيئة الناظمة تحد من صلاحياتهم. يمتنعون عن تنفيذها رغم أن الكهرباء تستنزف من مالية الدولة نحو 1.5-2 مليار دولار سنويا!
*الأمريكيون يراقبون الوضع اللبناني بدقة، وبالأخص القطاع المصرفي، لأنهم يعتبرونه باباً من أبواب الالتفاف على العقوبات، والآن بدأوا بمطالبة الحكومة بضبط المرافئ والمطار والحدود البرية، وهذا يتلاقى مع الإصلاحات التي وعدت بها الحكومة، لكن التساؤل المطروح: هل بإمكان الحكومة القيام بفرض سيادة الدولة؟
** أي مستثمر لن يأتي إلى بلد ليس فيه استقرار أمني، وهذا قبل الاستقرار الاقتصادي، في ظل عدم وجود دولة قوية تضبط حدودها وبالتالي لا تملك قرار السلم والحرب، وأنا أتكلم عن السيادة أكثر من التهريب. لن يأتي مستثمر إلى بلد قرار الحرب فيه بيد فريق معين مرتبط ببلد أجنبي عنده مصلحة بافتعال الحروب، ناهيك عن أن هذا الفريق لا يعترف بشيء اسمه الكيان اللبناني! هذه مشكلة أساسية. علينا أن ندفع ثمن المحور الذي نتّجه صوبه، فأنا لا أستطيع طلب المساعدة من الدول المانحة التي جاءت إلينا بطيب خاطر ومحبة لتقديم المساعدة ومن ثم نقوم بشتمها.
الوضعان الاقتصادي والسياسي مترابطان إلى حد كبير، اليوم لبنان يجب عليه أن يأخذ القرار، هل يجب العمل لمصلحة إيران أم السعودية أم لمصلحة لبنان؟ اعتقد أننا شبعنا حروباً، ويحق لنا أن نعيش بسلام. يحق لنا أن نخطط لهذا البلد حفاظاً على مستقبل أولادنا. أعطونا الفرصة حتى لا نرتبط بأي محور، لأن هذه المحاور هي التي خرَّبت لبنان، والحل بالوقوف على الحياد.
أما بالنسبة لضبط الحدود لمنع التهريب والتهرب الضريبي، فالكل مستفيد من هذا الموضوع، لكن تأثيره السلبي هو على الاقتصاد وليس فقط على خزينة الدولة، كونه يخلق منافسة غير عادلة بين تاجر يُدخل بضائعه بصورة قانونية ويدفع ما يتوجب عليه من رسوم جمركية وبين تاجر آخر يقوم بتهريب البضاعة نفسها من دون دفع الرسوم، هذا يجعل الشركات الملتزمة بالقانون تلتجأ إلى الوسائل غير الشرعية، ويؤدي إلى ضرب الدورة الاقتصادية.
*حزب الله عملياً يمسك بشبكة معابر التهريب إلى سوريا، وهي مصدر مهم في التمويل. هل يشكل اليوم وجود سوق سوداء إحدى وسائل “حزب الله” للالتفاف على العقوبات عليه وعلى سوريا وإيران ووسيلة لتبيض الأموال؟
** فكَّرت كثيراً بهذا الأمر. على كل أنا اعتقد أنه إذا “فرط” البلد، سيكون “الحزب” من أول المستفيدين، فعناصره قد يطالهم تخفيض بالرواتب و “سيعضّون على الجرح” لأن غيرهم سيكون بلا راتب. هم منظمون جيداً، وأقوياء إلى حد ما، ويملكون المال أكثر من غيرهم، ناهيك عن أنهم دخلوا في إدارات الدولة، وبالتالي فإن أي عقوبات ستطال “حزب الله” من الصعب ألا تطال الدولة اللبنانية ككل. فرض العقوبات على “الحزب” وهو داخل إدارات الدولة أصعب من الوقت الذي يكون فيه خارجها.
* أنت تقترح “سيدر لبناني” في رأيك ما الذي سيفعله مانحو “سيدر الدولي”؟
** قراءتي هي أن الدول، وبخاصة الأمريكيين والفرنسيين والإنكليز، يناقشون أيهما الأولوية بالنسبة لهم في لبنان، الاستقرار أم الإصلاح؟ ويجب أن نختار بينهما؟ هم يعتبرون أنه إذا انهار البلد اليوم، سيكون المستفيد الوحيد هو “حزب الله” لأنه لا بديل اليوم، وهو الوحيد المنظَّم. بالطبع المانحون لا يريدونه أن يستفيد، ولهذا لا يريدون أن ينهار الوضع، فالاستقرار أولوية بالنسبة إليهم. ولكن المعضلة لدى المجموعة الداعمة للبنان تكمن في الآتي: إذا دعمت لبنان وتركته يزدهر، كما هو لازم، وفي وضع “حزب الله” بدأ بالدخول إلى الدولة وبدأ بالاستفادة من الدولة، وأدخل جماعته إلى المؤسسات ويدخل إلى التعيينات وكل شيء، أنا لا أكون ساعدت هدفي، والذي هو اليوم أن أضع “حزب الله” جانباً، فأنا لا أستطيع أن أمتنع عن دفع المال، حتى أدعم الاستقرار، لأننا وصلنا إلى مرحلة من الضروري أن يُدفع المال للحصول على الاستقرار، ولكن في الوقت نفسه لا أستطيع دفع الكثير من المال، حتى يخرج لبنان كلياً من الوضع الحالي. إذاً يجب إيجاد طريقة لكي أعطي من خلالها الأقل مقابل الحصول على شيء.
* أليست المساعدات مقابل الإصلاح؟
** لا… مقابل شيء غير الإصلاح. ما هو لا أدري، ولكن هناك شيئاً. أنا أعتقد، وهذه قراءتي، أنهم يريدون من اللبنانيين أن يقولوا إن المسؤول عن الوضع الذي وصلنا اليه اليوم هو “حزب الله”. هدفهم هو أن يُخرجوا “حزب الله” من المنظومة، وأن يُقال: “هناك حزب الله، وهناك لبنان”. فحتى يستطيعوا عزل “حزب الله” يجب أن يقوموا بتجريده من أي غطاء شعبي أو سياسي. كلما مرَّ الوقت، يمنحون لبنان القليل حتى يستطيع التنفس، ولكنهم يريدون إبقائه غارقاً.
هذا تحليل، وإنما أنا اشعر بأن هناك شيئاً يحدث. السؤال هو: كيف سيدعموننا؟ في الشهر المقبل، هناك 1.5 مليار دولار استحقاق، إضافة إلى خدمة الدين، يعني بحدود 2 مليار دولار، هذا ما يحتاجونه، لأنهم حاولوا القيام بإصدار بملياري دولار منذ شهر، لكن لم “يدخله أحد”. حدثت 10 في المئة فقط اكتتابات له. من هو الطرف الذي يدخل، الإصدارات الجديدة؟ في العادة، المصارف والمستثمرون الأجانب، وفي الداخل اللبناني هناك مصرف لبنان والمستثمرون اللبنانيون. لا أحد عنده استعداد ومهتم من المستثمرين الأجانب. وصندوق النقد الدولي في آخر تقرير له في آب/اغسطس الماضي، قال إنه إذا أراد مصرف لبنان الاكتتاب وتغطية الفرق فهذا سيكون سلبياً لأنه سوف يذهب بالاحتياط والتوازن. مصرف لبنان سوف يدخل ولكنه غير متحمس، والمصارف ليس لديها المال، وهي غير قادرة اليوم.
*يعني أن هذا الاكتتاب لن يحصل؟
**ممكن ألا يحصل، ولكن إذا لم يتم فهذا معناه أن الدولة ليس بإمكانها الدفع.
*بالنسبة لوضع المنطقة المتفجر، هل تتوقع عودة التوترات إلى الداخل اللبناني في حال حدوث فراغ مفاجئ في موقع الرئاسة الأولى؟
** أنا أعتقد أن هذا التوتر موجود، الوضع ذاهب إلى منحى فقدان السيطرة. تذكري كلامي، ميزان المدفوعات لشهر تشرين الأول/أكتوبر الحالي سيكون كبير جداً. المواطنون تملَّكهم الخوف من الذي حدث في السوق المالية، فأخرجوا أموالهم من البلد. ومن لا يستطيع إخراجها من البلد، سحبها من البنك، إما إلى المنازل أو إلى “الخزنات”. المسؤولون يتهرَّبون من المسؤولية ويحاولون رميها على الآخرين.
وإذا عدنا إلى الوضع السياسي، هناك قرار يجب أن يُتخذ، هل سنكون مثل إيران وسوريا والسودان وفنزويلا، أم نريد أن نكون على مثال البلدان المتطورة. ولا يجب أن ننسى موضوع “النفط والغاز”، هناك منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم اليونان وإسرائيل وقبرص ومصر المدعومين من الاتحاد الأوروبي، والمحور الثاني يضم إيران وتركيا وقطر، والأمور تتجه إلى أن لبنان ذاهب باتجاه المحور الثاني، بحجة وجود إسرائيل في المحور الأول.