د.
يوسف نور عوض
إختار رئيس الوزراء البريطاني توني بلير دائرته الانتخابية سيدجفيلد في كاونتي درم ليلقي فيها خطبته الوداعية للشعب البريطاني، وكان اختياره محسوبا بعناية فائقة لأن أي مكان آخر كان من الممكن أن يفجر مشاعر كثيرة من الغضب ضد رئيس الوزراء وذلك غير متوقع عند الحديث في دائرته الانتخابية حيث سيكون دائما محفوفا بالتقدير بكونه الرجل الذي أعطي هذه الدائرة منصب رئيس الوزراء.
ولا شك أن توني بلير عمل بعناية من أجل ان يختار الصورة التي يريد الناس أن يتذكروه بها. وكان أول ما افتتح به خطبته القول بأن عشر سنوات من الحكم هي فترة كافية بالنسبة لأي سياسي وذلك كلام قد لا يعبر عن واقع السياسيين الذين لا يملون البقاء في السلطة، ومنهم توني بلير الذي كان يدرك أن هناك دوافع قوية تحول بينه وبين الاستمرار في السلطة بكونه لن يكسب الدورة المقبلة للانتخابات البرلمانية بسبب الظروف التي أحاطت بحكومته وهو يريد أن يترك الفشل لخليفته غوردون براون الذي قبل هذا الخيار لأنها فرصته الوحيدة كي يصبح رئيسا لوزراء بريطانيا ولو لفترة محدودة.
ونلاحظ أن توني بلير عاد في خطبته إلي عام 1997 عندما كانت التوقعات من وجهة نظره عالية، وطلب من الناس أن ينظروا إلي إنجازات حكومته بعيدا عن النقد السائد وفاخر بأنه لم تكن هناك حكومة في بريطانيا منذ عام 1945 أنجزت ما أنجزته حكومته. وخاصة في المجال الإقتصادي وتوفير فرص العمل. ومن حق توني بلير أن يزعم ما يشاء من الإنجازات في المجال الإقتصادي والخدمات الصحية ولكن الحقائق قد لا تصدق ما قاله ولننظر إلي قطاع واحد هو قطاع الإسكان فقد كان باستطاعة أي فرد في مدينة لندن عندما تولي بلير السلطة أن يشتري منزله في حدود خمسين أو ستين ألف جنيه ولكن الآن فإن المحظوظ وحده الذي يستطيع أن يحصل علي منزل معقول بثلاثمئة ألف جنيه استرليني. وقد كان باستطاعة الناس أيضا أن يشتروا منازلهم في حدود الرواتب التي يتقاضونها ولكن معظم الناس الآن يضطرون لشراء منازلهم بقروض كبيرة تفوق قدراتهم وهم يفعلون ذلك بسبب تدني سعر الفائدة التي بدأت في الارتفاع وهو ما سينتهي بكارثة اقتصادية وقد تتجه الحكومة الآن كما أعلن غوردن براون إلي بناء مليون وحدة سكنية للمشترين الأوائل بأسعار معقولة ولو تم ذلك فمعناه انهيار الاسعار حيث سيبقي الملايين من أفراد الشعب مدينين للمصارف بمبالغ تفوق كثيرا اسعار منازلهم الحقيقية. وأما قوله بأنه أحدث تطورا في فرص العمل فتكذبه الحقائق الماثلة ويضاف إلي ذلك أن كثيرا من فرص العمل ذهبت إلي ملايين المهاجرين من بولندا ودول السوق الأوروبية المشركة الذين يعملون بأجور متدنية ما جعل أهل البلاد يعانون كثيرا من أجل الحصول علي الأجور المناسبة. ولا تقتصر الجوانب السلبية علي ذلك بل إن المهاجرين اصبحوا يشكلون ضغطا كبيرا علي الخدمات العامة وفي مقدمها الخدمات الصحية حيث لم يعد في إمكان كثير من المواطنين مقابلة أطبائهم بالسهولة التي كانت عليها الأوضاع في الماضي واصبح من الضروري أخذ موعد لمقابلة الطبيب، وأما العمليات فقد أصبحت من المستحيلات أمام الكثير من المواطنين. وبالتالي فلا يستطيع توني بلير أن يقول إنه حقق انجازات في فترة حكمه في المجالات التي ذكرها. ومن العجيب أن غوردون براون يريد أن يوظف الإخفاقات الحقيقية في حكومة توني بلير من أجل إن يطرح برنامجا جديدا يسوق به نفسه للشعب البريطاني، وقد ركز علي الخدمات الصحية والتعليمية خاصة بعد أن بدأت معظم الجامعات البريطانية تتجه إلي الطلاب الأجانب من أجل دعم ميزانياتها.
وفي الحقيقة لم تخل خطبة توني بلير من بعض المواقف الإعتذارية فقد قال إنه ربما كانت هناك أخطاء في نظر الكثيرين ولكن الشيء الوحيد الذي هو متأكد منه هو أنه تصرف بما كان يعتقد أنه في صالح بلده، ويستطيع كل سياسي بكل تأكيد أن يقدم اعتذارا من هذا القبيل ولكن عندما يتعلق الأمر بقرارات يروح ضحيتها مئات الآلاف من الناس فإن الأمر يكون مختلفا. وهنا لا بد أن يتساءل الناس عن الاسباب التي جعلت توني بلير يختلف مع بل كلنتون الذي ينتمي إلي نفس مدرسته وهي مدرسة الطريق الثالث ليرتمي في أحضان جورج بوش الذي يختلف معه اختلافا كبيرا من حيث التوجهات، وهو بالتأكيد لا يستطيع أن يدعي أن ذلك كان دعما للشراكة التقليدية بين بريطانيا والولايات المتحدة لأن العالم تغير الآن واصبح قدر بريطانيا مع دول الإتحاد الأوروبي وليس مع الولايات المتحدة. ولكن الذين يلاحظون غياب الوجوه القديمة في حزب العمال والتي كانت ترتبط بمواقف مبدئية يعرفون أن غياب هؤلاء هو الذي أحدث التحول في سياسات حزب العمال. الذي يجد الآن نفسه في ورطة كبيرة قد تكلفه كثيرا بسبب ما يحدث في العراق، ولا يمكن تبرير ما يجري هناك بانه بسبب حل الجيش العراقي أو بسبب قرارات دونالد رامسفيلد غير الحكيمة كما ذهب إلي ذلك ألستر كامبل مدير الاتصالات السابق في داوننغ ستريت والبارونة مورغان. وتلك تبريرات لا تثير اهتمام أحد في منطقة الشرق الأوسط لأن الحرب في نظر المواطنين في المنطقة جمعت بين النوازع اللاأخلاقية في السياسات الغربية في المنطقة إلي جانب الجهل المريع بظروف هذه المنطقة وتكويناتها العرقية والطائفية والمذهبية والايديولوجية.
ولا شك عندي أن الشعب البريطاني سيقول رأيه النهائي في حكم توني بلير في الانتخابات المقبلة سواء تمت بزعامته أو بزعامة غيره وهو رأي محسوم كما تدل علي ذلك استطلاعات الرأي التي نشرتها جريدة التايمز والتي دلت علي أن نسبة الذين لا يثقون في توني بلير قد زادت عن سبعين في المئة.
وعلي الرغم من معرفتنا بأن الناخبين الغربيين يهتمون في العادة بالقضايا المحلية فإن حرب العراق فتحت أعين الكثيرين علي أمور اخري بسبب ارتفاع عدد الضحايا كما أن العالم اصبح أكثر انفتاحا وبالتالي لم يكن من الصعب علي المواطن العادي في العالم الغربي أن يدرك الابعاد الحقيقية وراء تلك الحروب.
وما نستطيع أن نؤكده هو أن قرار توني بلير التخلي عن منصبه وإعطاء الفرصة لغوردون براون ليس بسبب شعوره أنه أمضي وقتا طويلا في داوننع ستريت وأنه يريد أن يعطي الفرصة لغيره، لأنه لو قبلنا هذا المنطق لاعتبرناه من أعلام الداعين إلي الديمقراطية مع أنه قال كلمات صريحة أنه وجد نفسه أمام خيارين فإما أن يرضخ لإرادة الشعب وإما أن يرضخ لمتطلبات القيادة ويتخذ ما يراه مناسبا، وذلك ما فعله وذهب بعض المؤيدين له بتأكيد أن ما فعله من متطلبات القيادة. علي الرغم من كونه سار ضد إرادة الشعب وضد متطلبات الديمقراطية في بلد يعتبر نموذجا يحتذي في هذا المجال الا ان نسبة الذين قبلوا اعتذاراته لم تزد عن ثلاثين في المئة ونسبة الذين أقروا إدعاءاته بإنجازات حكومته لم تزد خمسة وأربعين في المئة.
وعلي الرغم من مع وكان من الممكن ان يتجاوز الناس عن كل ذلك لولا أن القيادة كانت كارثية من حيث النتائج التي أسفرت عنها حرب العراق التي خلفت أكثر من مليون قتيل ومثلهم من الجرحي وملايين أخري من المشردين واللاجئين في دول الجوار. فأين العقلانية في ما ذهب إليه توني بلير؟ وما هو الإصلاح الذي استهدفه مع صديقه جورج بوش ويصران علي أنه ما زال قابلا للتحقيق.
ربما بدت هذه الاسئلة غير قابلة للإجابة في ظل الواقع الذي يعيش فيه توني بلير والتجاهل المريع من قبل الجامعة العربية والحكام العرب ولكن الإجابة عليها خاصة من قبل الحكام العرب المتعاونين مع قوي الاحتلال ضروري جدا حتي نتمكن من وقف التسارع في وتيرة التدهور وحتي لا نجد أنفسنا جميعا واقفين عاجزين أمام أي حل منطقي للقضية الفلسطينية التي يحدث ما يحدث في الشرق الأوسط بسببها ومن خلال التعاون الوثيق بين الإدارة الامريكية واسرائيل من جهة وخنوع الحكام العرب الذين لم يعودوا يهتمون بمستوي الأضرار التي تلحق بأمتهم من جهة أخري بسبب مواقفهم المتخاذلة، وإذا كنا طرحنا موقف بلير من خلال تساؤل حول ما إذا كان هذا الموقف هروبا أو عودة إلي العقلانية فالأرجح أنه هروب من تحمل المسؤولية التي لا بد أن يتحملها أحد في لحظة من اللحظات.