الوثائقي «سايكوماجي »… حالات علاج نفسية بالفعل والفن

حجم الخط
0

قد يصعب الحديث عن المخرج التشيلي أليخاندرو خودورفسكي، كأي حديث عن أي سينمائي، فلا هو سينمائي وحسب، ولا هي أفلامه سهلة التوصيف كذلك، أو حتى المُشاهدة، إذ تتطلب مشاهدة أفلامه جهداً من نوع خاص، من ذلك الذي – مبدئياً- يتقبل مَشاهد سيريالية، بدون رابط حكائي واضح، فلا يسأل أحدنا: لكن أين الحكاية؟ ليس هذا تقييماً، فهنالك المنجذبون لأفلام كهذه وهنالك النافرون منها.
مناسبة الحديث عنه هو فيلمه الأخير، الذي خرج مؤخراً إلى الصالات الفرنسية، وبعرض أول في السينماتيك الفرنسية في باريس بحضوره، مفتتحاً برنامجاً استعادياً لعموم أفلامه، وهي فرصة جيدة لاكتشاف أو إعادة اكتشاف هذا المخرج، صاحب الأفلام المتخطية للسينما من حيث التعريف، فتكون تجارب بصرية متخمة بالسيريالية والفانتازية والرمزية (ويمكننا القول: الواقعية السحرية) إذ تعتمد على المشهدية، أكثر منها على السردية. وهذا الفيلم – موضوع هذه الأسطر- مثال جيد لفهم عموم التجربة «السينمائية» لخودورفسكي.
هو وثائقي بشكل خاص، إذ قال المخرج في تقديمه للفيلم في السينماتيك إن فيلمه أكثر حقيقية من الفيلم الوثائقي الكلاسيكي، وإنه أراد فيلماً صادقاً ليس فيه ممثلون، بل أكثر من ذلك: لا يكون الناس داخل الإطار واعين لوجود الكاميرا، فما نشاهده هو ما صُور بعدما قال المخرج للأشخاص أمام الكاميرا «أطفأناها الآن، لنبدأ».


بغض النظر عن مدى واقعية ذلك من عدمه، هنالك مشاهد لا يمكن للناس في إطاراتها أن لا يكونوا واعين لوجود كاميرا تسجل، لكن رغبة خودورفسكي كانت بنيل التلقائية التامة من هؤلاء، إذ كان يصور عمليات معالجته لهم، بأسلوب هو ابتدعه وسماه بعنوان الفيلم، وهو عنوان كتابٍ له صدر عام 1999.
بدأ خودورفسكي الفيلم بالقول إن سيغموند فرويد يعالج أصحاب المشاكل النفسية بالكلمات، وهو يعالجها بالفن والفعل. وكان الفيلم عبارة عن لوحات متفرقة لا رابط بينها سوى أنها لمن يمكن تسميتهم بالمرضى، وللفعل الفني الذي يقوم به خودورفسكي لعلاجهم، مع تصوير لاحق لهم، يتحدثون عن حالهم وشعورهم بعد فترة من العلاج، بشكل أقرب للإعلانات التجارية، وقد تكون هذه المشاهد هي أضعف ما في الفيلم التجريبي شكلاً ومضموناً، الجيد والجدير بالمشاهدة والتفكير خلالها وإثرها.
لنتذكر أن خودورفسكي هو، إضافة إلى كونه سينمائياً، مسرحي وكاتب له روايات وقصائد ودراسات، وهو محترف في قراءة أوراق التارو، وله كتاب مرجعي في شرحها، قد يكون الأهم من نوعه، وهو فنان في مجالات عدة غيرها لا يفيد تعدادها هنا بقدر ما يفيد القول، إن تعدد الأوساط الفنية التي يمارسها يمكن لمسها في سيريالية أفلامه وغرابتها، كأن مَشاهدها لوحات كولاج من فنون متنوعة، بعضها شعر لا يُفهم في حالة التلقي الأولى، بعضها غيبي وسحري، بعضها موسيقي، جميعها غرائبي بشكل يحول دون انتشاره هو وأعماله السينمائية، كمخرجين آخرين، لكنها كذلك ذات أثر ملحوظ على نتاجات غيره.
قد تجعلنا، هذه التشكيلة في المجالات الفنية التي يعبر فيها خودورفسكي عما يريد، راغبين في معرفة الكيفية التي أنجز فيها فيلمه هذا، يقول في مقابلة إنه لم يُعد تصوير أي لقطة، فالناس في فيلمه كانت تتصرف بتلقائية تامة، كان عليه أن يصنع فيلمه من اللحظات الحقيقية تلك، لذلك كان على المصورة (وهي زوجته) أن تختفي أحياناً، فكان التصوير كانتظار حادث ما، ونحن لا نستطيع التحضير للحادث، بل ننتظر وقوعه وحسب. والحديث هنا عن عمليات علاج نفسية حقيقية. فكان يصور 20 محاولة للمشهد ذاته حتى يحصل على ما يريد، بدون إدراك من «المريض» لمحاولات العلاج/التصوير تلك. يقول إنه ليس صاحب النص، ولا يستطيع التحضير لشيء أو إعادة صنعه، ولا يستطيع توقع رد فعل الناس/المرضى تجاه علاجه. من هذه النقطة – يقول- لا يكون الفيلم وثائقياً كلاسيكياً، كل ما فيه تم صنعه مباشرةً، لا علاقة لذلك بالسينما، هذا الفيلم هو شكل آخر، هو حر أكثر وحقيقي أكثر.
ليس في الفيلم (PSYCHOMAGIE, UN ART POUR GUÉRIR) قيمة سينمائية لافتة، فقيمته في مضمونه، التصوير الواقعي لعمليات علاج نفسية بأسلوب غريب، أو له غرابة الفنون البصرية والإنشائية، بالفعل وليس بالكلام، بناء على ما يعرف به خودورفسكي «السايكوماجي»، قائلاً إن هنالك أسطورة، بأن الأفكار تخرج من الرأس، كأن يستيقظ أحدنا ويجدها في رأسه، وذلك غير صحيح، بل إن الأفكار هي عبارة عن عدد كبير من التجارب التي نعيشها. من هنا نفهم أسلوب خودورفسكي الخارجي في علاج حالات نفسية داخلية، ألف عنها كتاباً وأخرج أخيراً فيلمه هذا، بحالات واقعية أشبه بـ»تلفزيون الواقع».

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية