هل ستتغير صورة الشرق الأوسط إلى الأسوأ بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا؟

حجم الخط
0

المحادثة الهاتفية التي جرت بين ترامب وأردوغان، الأحد الماضي، تبين أنها كارثية في نتائجها. الضوء الأخضر الذي أعطاه الرئيس الأمريكي لنظيره التركي، حتى لو حاول التنصل من معناه لاحقاً، أثار سلسلة من الصدمات التي غيرت تماماً الوضع في شمال سوريا وأثرت على الصورة الاستراتيجية في كل الشرق الأوسطأوسط.

فيما يلي ميزان مؤقت جزئي للأيام الأخيرة: الولايات المتحدة خانت حلفاءها الأكراد الذين كانوا ضروريين في هزيمة داعش وأخلت جنودها من المنطقة الكردية في سوريا، كما تعهد ترامب أمام أردوغانأردوغان.. اخترقت تركيا الأراضي السورية إلى عمق 30 كم وأدت إلى هرب جماعي لعشرات آلاف المواطنين من المنطقة، قتل المئات بعمليات القصف التركية، وفي عدد من الحالات (قتل سياسية كردية، إعدام أسرى أمام الكاميرات) نفذ الأتراك وشركاؤهم من مليشيات سوريا جرائم حرب واضحة. ومئات من رجال داعش، إن لم يكن آلاف، هربوا من معسكرات اعتقال كانت تحت سيطرة الأكراد. توجه زعماء الأكراد لنظام الأسدأسد وطلبوا أن يسيطر على أجزاء من مناطقهم، على افتراض أن النظام السوري القاتل هو أفضل لهم مما ينتظرهم تحت الحذاء التركي.

هذا فصل من المأساة الطويلة المتواصلة التي تسمى الحرب الأهلية السورية، التي يربح فيها اللاعبون الأكثرأكثر إشكالية. الذي تخلى عن المتمردين السنّة في منتصف الحرب، حيث لاءم مواقفه مع روسيا وتصالح مع نظام الأسدأسد؛ كذلك يمكن داعش الآن أن يرفع رأسه. وقريباً، من المعقول أن يتم لمس تداعيات هرب رجاله من السجن، في عمليات بالمنطقة، وربما في سوريا أيضاً. ويربح إلى جانبهم أيضاً المحور المؤيد للأسدأسد الذي تقوده إيران. أولاً، يوسع النظام الآن مناطق نفوذه في شرق سوريا؛ ثانياً، سيكون الإيرانيون راضين عن تقارير لقرار آخر لترامب، وعدم الاكتفاء بالانسحاب من المنطقة الكردية، بل وإخراج معظم الجنود الأمريكيين المنتشرين في مناطق أخرى في شرق سوريا.

سياسة ترامب الخارجية، منذ يومه الأول في الحكم، كانت متهورة، وليس فيها فهم عميق، وغالباً ما كانت تشوبها اعتبارات أجنبية. التغيير الأخطر هذه المرة هو أن تداعياتها القاسية تحدث حالياً، وضررها واضح جداً خلال فترة قصيرة. من هنا جاءت محاولات السيناتورات وأعضاء مجلس النواب من الحزب الجمهوري إلى المبادرة باتخاذ موجة عقوبات ضد تركيا بعد بضعة أيام من سماح الرئيس لأنقرة بشن هذه العملية.

والآن، الغضب المقدس يتملك شخصيات كبيرة سابقة إزاء النتائج، وثمة درجة من النفاق. بدأ الفشل الأمريكي بسوريا في عهد الرئيس الديمقراطي الذي قرر عدم اتخاذ أي عملية عندما قام نظام الأسدأسد بذبح المدنيين، حتى ثبت بأن الأمر تم بواسطة سلاح كيميائي، وذلك في تناقض تام مع الخطوط الحمراء التي وضعها باراك بشكل علني. وبشأن سوريا، فإن إخفاقات ترامب لا تشذ عن الإخفاقات، باستثناء حقيقة أن الرئيس الحالي يعمل بصورة فظة، ويفعل ذلك وهو يقف على خشبة القفز.

ليست لإسرائيل رغبة أو قدرة حقيقية على التدخل لصالح الأكراد في سوريا، رغم إظهار التعاطف معهم عشية العيد في القدس. من وجهة النظر الإسرائيلية، تعدّ قليلة تلك التداعيات العملية لتخلي أمريكا عن الأكراد. السؤال الحاسم بالنسبة للقدس هو بقاء القوات الأمريكية في قاعدة طنب في جنوب سوريا الذي له أهمية معينة على “الممر البري” الذي يربط إيران والعراق مع سوريا ولبنان. حتى الآن تأتي تقارير تفيد بأن الأمريكيين ما زالوا هناك. إن انسحاباً أمريكياً يشمل طنب سيقلق إسرائيل جداً.

على المدى الأبعد، يعدّ أمراً مقلقاً ذاك الإثبات الواضح حول الطريقة الفوضوية التي يتصرف بها الرئيس الأمريكي الذي يلتزم بمصالحه فقط. وعلى هذه الخلفية، من الممتع مشاهدة حفنة من مؤيدي ترامب آخذة في التقلص في وسائل الإعلام المحلية، التي اضطرت إلى تنفيذ مناورات منطقية بارعة من أجل تبرير الأفعال الأخيرة لمحب إسرائيل من البيت الأبيض.

إن سلوك ترامب مقلق بشكل خاص في السياق الأوسع للصراع الإقليمي ضد إيران. أزمة الخليج بعيدة عن الانتهاء، لأن طهران لم تحصل بعد على ما تريد، من رفع العقوبات الاقتصادية الشديدة عليها، مقابل استئناف المفاوضات مع واشنطن حول الاتفاق النووي. شروخ التحالف السني الذي وقف إلى جانب الولايات المتحدة آخذة في الاتساع، حيث السعودية والإماراتإمارات تتلمسان طريقهما بخصوص إمكانية التوصل إلى تفاهمات مع إيران. يمكن الرهان على نتنياهو قد فهم كل ذلك منذ زمن، حتى ولو قيلت هذه الأمور في خطاباته الأخيرة بصورة رموز بشأن حاجة إسرائيل إلى الاعتماد على نفسها فقط.

       مع أصدقاء مثل هؤلاء

البشرى السيئة لنتنياهو لا تتلخص فقط بما يجري في واشنطن، إن حملة “نتنياهو، دوري آخر”، وفي صوره مع زعماء العالم التي رافقتنا في الانتخابات الأخيرة، لن تعود كما يبدو إذا ذهبت الدولة إلى حملة انتخابات ثالثة. الإعلانات التي تظهر فيها صورته المبتسمة مع ترامب، وكذلك الرئيس الروسي فلادمير بوتين، تثبت أنه ليس صديقاً.

مؤخراً تم الكشف عن السياق الواسع لقضية نوعاما يسسخار، الفتاة الإسرائيلية التي اعتقلت في مطار موسكو وبحوزتها كمية بسيطة من المخدرات الخفيفة، بعد ذلك تبين أن الروس يحتجزون يسسخار التي حكم عليها في الأسبوعأسبوع الماضي بسبع سنوات ونصف السنة سجناً، كرهينة، في محاولة للضغط من أجل إطلاق سراح القرصان الروسي. القرصان اليكس بوركوف اعتقل هنا في 2015 بناء على طلب من أمريكا التي أرادت تسليمه لها بتهمة التورط في جرائم سايبر. الضغط الذي تطلقه موسكو يمكن أن يدل على أن هذا الرجل يملك معلومات عن نشاطات السايبر الروسية التي وصلت ذروتها في التدخل بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016.

حاول نتنياهو إقناع بوتين مرات عدة لإطلاق سراح يسسخار، لكنه فشل في ذلك، وقد ينجح فيما بعد. عشية العيد طلب من الرئيس رؤوبين ريفلين التدخل في مخاطبة شخصية لبوتين. لا شك أن المحاولة والتجربة التي راكمها رئيس الحكومة منحته أذناً مصغية لدى زعماء العالم. ولكن محاولته ومحاولة مؤيديه لرسمه كصاحب تأثير كبير على رؤساء الدول العظمى، تبين أنه أمر مبالغ فيه ولا أساس له من الصحة.

في الوقت الذي يتطلع فيه ترامب إلى الأضرار التي أحدثها لقلة حكمته في سوريا، يجري بوتين زيارة ودية نادرة إلى السعودية والإماراتإمارات. وفي هذه الأثناء نشر تقرير مفصل في نهاية الأسبوعأسبوع لـ “نيويورك تايمز” يدين الروس بقصف متعمد لأربعة مستشفيات في الربيع الأخير في المناطق التي هي تحت سيطرة المتمردين في سوريا. هذه هي موسكو نفسها التي وصلت إلى مكان التأثير الكبير في الشرق الأوسطأوسط بفضل انسحاب ترامب وتخليه. ولكن على الأقل لا يجب أن نخيب الأمل من روسيا، فليست هناك مشاعر خاصة تجاه القيود أو المخاوف الإسرائيلية.

بقلم: عاموس هرئيل

 هآرتس 15/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية