من دلف.. الي مزراب!

حجم الخط
0

يا مهون مرت ابوي الاوله.. قالها العجوز وهو ينفخ نفس الهيشة التي سطلتنا في السيارة المكتظة والمغلقة بسبب برد شباط.. كانت العبارة بمثابة عود ثقاب القي فوق اعصابنا المهيأة للانفجار في اية لحظة وتنبئ عن ذلك بوضوح وجوهنا المتجهمة وشفاهنا المشدودة ونكاتنا التحتية الساخرة و الممنوعة والتي نهمس بها احيانا همسا خوفا من العسس لانها ربما تصيب رئيسا او وزيرا او عضو مجلس تشريعي.. وبعدين هات خلصنا..!! ياااختيار.. ياوالدي.. الله يطول في عمرك ويعطيك الصحة.. بالله تطفي هالسيجارة..!! قلتها وانا اسد انفي وشاركني في ذلك كل ركاب السيارة. الا ان الختيار لم يلق لنا بالا ولم يهتم.. كان يدخن بلذة غريبة وينفث السحابات البيضاء فوق رؤوسنا وكانه يحتفل بعيد زواجه الاول.. تكهرب الجو.. وبدأ البعض منا يزمجر وتحمر عيناه وينظر الي الختيار شزرا.. فرأيت ان من واجبي نزع فتيل الحرب فاخذت نفسا عميقا واستعنت بقدرات عمنا عمر موسي خاصة وان السائق كان في عالم آخر..!! ياساتر.. طرأت لي فكرة.. فاقتربت من العجوز اكثر وحييته بأدب جم وقدمت نفسي له كصحافي في جريدة…. مستغلا البدلة الشيك وربطة العنق المذهبة ومبديا رغبتي الشديدة في اجراء لقاء معه بحكم انني لمست فيه حكمة ورزانة ورباطة جأش قلما توجد في حكامنا وولاة امورنا.. رحب مدخن الهيشة المحترف ونظر الي باعتداد كما نظر رونالدينهو لاعب برشلونة الي لاعبي الاهلي الذي اجهز عليهم مع رفاقه السحرة في يوم الثلاثاء الحمراء ليبدو بطل القرن اشبه بقرن بازلاء وجعل كل عشاق الفانلة الحمراء وانا منهم يبحلقون في السقف طوال ليلتهم كمدا.

سألته.. منذ متي تعفط…. ؟!! فاخبرني بانه يدخن منذ ايام تركيا وعمره لا يتجاوز سبع سنوات فقد كان يلف السجائر ويشعلها وبعد نفس او نفسين يقدمها لابيه الضرير ولما استبدله ابوه بزوجته الجديدة كانت الهيشة قد امتلكت عليه فؤاده ولكنها بعيدة المنال فلم يجد من بديل واقعي الا ورق الخروع الناشف..!! والرائحة الكريهة للهيشة الا تحس بها.. ؟!! لا.. انها اروع رائحة اشمها.. ففيها احس بوجودي وتنتعش ذكرياتي وبها اتحمل هم الحياة وعقوق الاولاد واهمال الاحفاد ولا بد ان ابدأ بها صباحي واستزيد منها اذا ما فتحت الراديو وسمعت اخبارنا نص الكم من اذاعة لندن..!! ولم لندن بالذات.. ؟!! لان تجارب عمري الطويل جعلتني لا اصدق اي اذاعة عربية مع كل الاحترام ولهذا فالراديو خاصتي لا يعترف بها.. عال… طيب هل حاولت تغيير الهيشة بدخان آخر.. ؟!! صدقني ياولدي.. جربت اكثر من نوع من الدخان الفاخر لكنها جميعا لم تكيفني ولم تنسني همي المتواصل والمتجدد من جوع تركيا الي ظلم الانكليز الي خيانة الحكام الي سجن اليهود.. الي عصر الانفلات..!! ياولدي.. الوطن ضاع منا واحنا بنتفرج عليه وما يغيظ ان الحال وصلنا.. لزمن مقلوب.. زمن الهامل والحرامي والمنافق والدجال..!! بكي الحاج.. والذي كنا نظنه قبل لحظات متبلد الاحساس.. واستأنف مرافعته والدموع تهطل من عينيه.. ياولدي.. كان الاحتلال.. وكنا نقول ربنا يفرجها..!! وجاء الاهل والمناضلون. وقلنا بتهون..!! ولكننا وجدنا الوضع بمرور الوقت يزداد سوءا نتأفف من حال الامس.. وعندما نفتح صرة يومنا.. نترحم عليه خذ عندك.. اخبار طخ.. وموت علنا في وسط الشارع..!! حرق بيوت وتدمير محلات ووزير داخليتنا حردان..!! اسير محرر باع كليته لكي يشتري خبزا..!! طالب مدرسة يضرب استاذه امام الطابور..!! عاطل عن العمل يدلل علي اولاده وزوجته بالجملة في سوق الاربعاء..!!.. المعلمون يريدون الستر ولو بربع راتب..!! المحافظ مع رئيس البلدية يتفقدان بركة المجاري ويطمئنان علي فعالية روائحها ويدرسون استثمار مزارع الناموس علي مدار العام..!! الكل منا خائف ويائس.. فقد اختلط الحابل بالنابل. ليش.. ؟!! وووين التصريحات وحفلات الافتتاح والتصفيقات والقبلات..!! وووين حكومة الوحدة الوطنية.. ؟!! توفيق الحاجرسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية