إن قرار الرئيس الأمريكي ترامب الانسحاب من شمال سوريا وتمكين تركيا من تغيير المعادلة الاستراتيجية في المنطقة، يجب ألا يفاجئ أحداً. الولايات المتحدة برئاسة ترامب غير معنية بما يجري في العالم، إلا إذا كان ذلك متعلقاً بمصالحها بشكل مباشر. هي مستعدة للتدخل فقط عندما يتعلق الأمر بالإرهاب أو بتهديد مباشر لأمنها القومي. وإن لم يتوفر هذان الشرطان، فإن حلفاء مثل الأكراد سيتركون لمصيرهم.
سياسة ترامب هي “أمريكا أولاً”، لكن يجب عدم الدمج بينها وبين الانفصالية. هذه سياسة أعلنها ترامب وباسمها تم انتخابه. لا يريد الأمريكيون سفك مزيد من الدماء في نزاعات بعيدة وضارة. هل شاهدوا نتائج الحرب في أفغانستان والعراق وتساءلوا: ما الذي سنستفيده من ذلك؟ باسم مصلحة الولايات المتحدة أعلن ترامب عن الانسحاب من سوريا وعزز القوات الموجودة في السعودية بثلاثة آلاف جندي.
الخط الذي وجه راسمي السياسات في واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية هو أن السياسة الخارجية هي سياسة داخلية. أي أن سياسة خارجية قوية وناجحة تقوي أمريكا أيضاً داخل حدودها. ترامب ينتقد هذا الافتراض الأساسي. وعملياً، أعلن الحرب على المؤسسة الأمريكية. يمكن ملاحظة نتائج سياسته المتسرعة الآن في الشرق الأوسط، مثلما في أماكن أخرى في العالم. لقد تنازلت الولايات المتحدة عن الصدارة العالمية، وثمة دول تملك قدرة ستستغل هذا الأمر لتحقيق مصالحها.
إيران هي الدولة الأولى التي لاحظت هذا الضعف. وزعماؤها يعرفون كيف يستغلون الفرصة المتاحة بنجاعة بسبب الضعف الأمريكي، وكيف يشدون الحبل حتى النهاية والدفع قدماً بخططهم للحصول على الهيمنة الإقليمية. إذا لم ينشئ المجتمع الدولي في المستقبل القريب اتفاقاً جديداً لتقييد تطوير المشروع النووي الإيراني، فإن استقرار الشرق الأوسط سيتضعضع بشكل أكبر. ويمكن الافتراض بأن الأحداث الأخيرة هي التي ستسرع اتفاقاً جديداً مع إيران، وليس اتفاقاً يهدئ من روع إسرائيل.
زعيمة العالم الحر حظيت بقوتها الدولية، ضمن أمور أخرى، بفضل صدق ردعها. وما بقي من كل ذلك الآن هو الشعار الأجوف “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. ستعلن الولايات المتحدة وستضغط وستفرض عقوبات وربما ستهاجم بصورة رمزية هنا وهناك، لكن فعلياً، الذين كانوا قريبين من طاولتها ويحصلون على رعايتها، سيجدون أنفسهم معزولين، أمام إيران وفي مراكز احتكاك أخرى في العالم. التحديات العالمية تقتضي قيادة متحررة من رؤيا قومية ضيقة. أما ترامب فهو عكس ذلك، وفي هذا يكمن خطر كبير.
بقلم: موشيه بن عطار
هآرتس 16/10/2019