انتصر الحب.. هاجر الريسوني وخطيبها يخرجان من السجن بابتسامة فرح ـ (صور وفيديوهات)

سعيد المرابط
حجم الخط
20

الرباط – “القدس العربي”
الدموع الصحافية التي سالت بعد سماع النطق بالحكم ضدها، هي ذاتها الابتسامات التي علت وجوه زملاء هاجر الريسوني، الذين استقبلوا خروجها من السجن المحلي “العرجات”، بضواحي العاصمة المغربية الرباط، مباشرة بعد الإعلان عن غلق قضيتها، بعفو ملكي، معبرين عن فرحهم بعبارة “انتصر الحب”.
وجاء عفو الملك المغربي محمد السادس عن الصحافية هاجر الريسوني وخطيبها، بعدما حكم عليهما ومن معهما، بالسجن لمدة عام بتهمة ارتكاب جرائم الإجهاض وممارسة علاقة خارج إطار الزواج.
ولم يعانق في ذات اللحظة، السوداني رفعت الأمين الحرية، رفقة خطيبته، وهو الأمر الذي أثار التساؤل، ولكن قال عنه دفاعه، إن “إجراءات مع السفارة السودانية أجلت معانقته للحرية”، وماهي إلا لحظات حتى غادر السجن.
وقال رفعت الأمين، بعد معانقته للحرية، أن أي أحد “يستقبل خبر الإفراج عنه بسعادة، ومزيد من السعادة”.
وأضاف رفعت من أمام بوابة سجن العرجات، على “سعادته بهذا العفو الملكي، الذي نعانق به الحرية، رفقة هاجر والآخرين”.
المدرب السوداني، في مجال حقوق الإنسان، كشف أنه استفاد من “محنته” كثيرا، بحيث “صرنا أكثر إيماناً بحقوق النساء، وأن محاربة العنف ضد النساء ليست مجرد شعارات، بل هي مسألة يجب أن تكون على جميع المستويات”واضاف بأنه خرج من “هذه المحنة. أكثر إيماناً بهاجر، وأكثر اقتناعا بهاجر، وأكثر محبة لهاجر”.
وقالت هاجر الريسوني، “كنت وما أزال أدافع عن ضرورة احترام الحريات الفردية والحياة الخاصة، خصوصا في ظل إمكانية استعمالها ضد شخصيات عمومية أو نشطاء”. وأكدت على “ضرورة احترام الحق في الإجهاض، رغم أنني لم أجهض، لأن المرأة هي الوحيدة التي تملك سلطة التصرف في جسدها”.
وتأمل هاجر، وفقا لما قالته، أن تكون قضيتها “قاطرة لرفع التجريم عن العلاقات الرضائية بين البالغين، والمثلية الجنسية، والإفطار العلني في رمضان، وكل الحريات الفردية”.
وقال عبد المولى المروري، محامي الصحافية هاجر الريسوني، أن “الخبر أعاد الاعتبار لقضية الحرية والقضية الحقوقية بالمغرب، وكذلك لهاجر ورفعت اللذين عانا من التشهير وإشانة السمعة، ومن إجراءات كانت معظمها خارج المساطر القانونية” وان هذا العفو “جاء ليصحح مسار القضاء، الذي يأخذ أحيانا مناحي لا تنسجم مع حقوق الإنسان، ومع طبيعة الحرية”.

جبر ضرر جزئي

ردود الفعل كانت كثيرة حول الخبر، الذي استقبله الصحافيون المغاربة بفرح، وزغاريد الصحافيات؛ ورغم أنه أجمع على فرحته، إلا أن النقاش تعددت زواياه، بحيث يرى خالد البكاري، أن “المؤسسة الملكية تدخلت لغلق هذا الملف، الذي ليس من مصلحة أي أحد أن يبقى مفتوحا”.
بينما الصحافي المغربي، رشيد البلغيتي، قال مباشرة بعد إعلان العفو، أن “هذا الاحتفاء الكبير بالإفراج عن هاجر وجبر الضرر -جزئيا-الذي لحقها ورفعت والطبيب دليل على حاجة المغاربة الماسة الى الفرح، والاطمئنان لدولة لا تُستَعمَلُ أدواتها ضدهم”. وشدد البلغيتي، في تدوينة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، على معنى دولة التي يريد، “دولة سلوك مؤسساتها مؤطر بقانون فلسفته العدل، وهمها ضمان الأمن القضائي لكل المغاربة أمام تجاوزات جمعية”.
أما المدون العبادلة ماء العينين، فكتب على صفحته الشخصية، بموقع التواصل فيسبوك، متسائلا بعد “مبروك لهاجر ومن معها”، “هل سَتَخْفُتُ شَذْوَةُ الدينامِية الوليدة من أجل فتح جبهة شعبية واسعة تهدف إلى إصلاح قانوني عميق في مجال حقوق الإنسان؟”. واضاف “ومَنْ سيرفع “الظلم عن مئات المعتقلين الأبرياء، ومَنْ سَيَحُدُّ مِنَ التجاوزات التي يعيشها المستضعفون؟”. وقال الخبير في تكنولوجيا المعلومات “لا أظن أن شخصا واحداً بِعَيْنِهِ يستطيع فعل ذلك -كيفما كانت وسيلته إلى ذلك-؛ كما لا أظن أن الأبرياء بحاجة إلى “عفو” بل إلى إخلاء السبيل الفوري مع الاعتذار والتعويض!”.
واعتبر البروفيسور شفيق الشرايبي، رئيس “الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري” أن إطلاق سراح الريسوني ومن معها، نتاج “التضامن الذي لقيته من قبل المغاربة خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي”، مُذكراً بالحملة التضامنية التي خصه بها المغاربة، عندما تمت “إقالته من إدارة مستشفى الليمون”، وكان من “نتائجها تشكيل لجنة ملكية مكونة من وزير العدل والحريات آنذاك، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزير الصحة، وممثل المجلس العلمي، ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان”.
وقال نبيل بنعبد الله الأمين العام لحزب “التقدم والاشتراكية”، (يساري)، أنه “لم يكن من فائدة للمغرب، من هذه القضية، وأتمنى أن يكون العفو عن هاجر الريسوني مدخلا لتعديل القوانين التي تحد من الحريات الفردية”. وذكرت نبيلة منيب، الأمينة العامة لحزب “الاشتراكي الموحد” أن خبر العفو عن هاجر الريسوني، “أسعدها، بالقدر الذي كانت تتمنى أن يكون مرفوقا بخبر العفو عن نشطاء حراك الريف”.
وطالبت جمعيات وهيئات سياسية، الدولة بجبر الضرر الذي لحق الصحافية هاجر الريسوني، جراء اعتقالها واخضاعها قسرا لإجراءات اعتبرتها “ممارسة للتعذيب وسوء معاملة” طبقا لما تنص عليه المواثيق الدولية التي وقع عليها المغرب.
ودعت كل من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، والجامعة الوطنية للتعليم ــ التوجه الديمقراطي، والجمعية المغربية للنساء التقدميات، وحزب النهج الديمقراطي، وحركة الشبيبة الديمقراطية التقدمية، والقطاع النسائي للحزب الاشتراكي الموحد، والائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، ومنتدى الحداثة والديمقراطية، وجمعية الحرية الآن، والجمعية المغربية لصحافة التحقيق في بلاغ مشترك ارسل لـ”القدس العربي”، الدولة إلى وضع حد لاستعمال الحياة الخاصة وقوانين الحق العام ومقتضيات القانون الجنائي، لخنق الحريات العامة والتضييق على الصحافيين والنشطاء السياسيين والمدنيين والمنابر الإعلامية المستقلة.

وعبرت المنظمات الحقوقية، عن أملها في أن تكون أول خطوة في هذا الاتجاه هي تغيير جذري وشامل للقانون الجنائي الذي قالت إن جهات تستغله لتصفية حساباتها السياسية مع المنتقدين، وبما يحمي الحقوق والحريات، مشددة على ضرورة جبر الضرر الذي لحق الصحفية هاجر، جراء إخضاعها قسرا لإجراءات تعتبر في عداد ممارسة التعذيب وسوء المعاملة، طبقا لما تنص عليه المواثيق الدولية التي وقع عليها المغرب.

بيان العفو ورواية هاجر

خلال الجلسات التي حضرتها هاجر وخطيبها، ومن معهما، نفى الخمسة المدانين في جميع الأوقات حدوث إجهاض، نفيا قاطعا، وهو الأمر الذي ترافع حوله محاموهم الذين تطوعوا في هذه القضية، مؤكدين أن هاجر ومن معها لم ينتهكوا القانون.
هذا النفي هو ما وصفه البلاغ الرسمي الصادر عن -وزارة العدل، وبلسان أعلى سلطة في البلاد؛ العاهل المغربي، محمد السادس-؛ بأنه “خطأ”، مؤكداً أن الحقوقي السوداني رفعت الأمين عباس ميرغني، (38 سنة)، والصحافية المغربية هاجر الريسوني، كانا “يعتزمان تكوين أسرة طبقا للشرع والقانون”.
وبالنسبة للناشط الحقوقي، خالد البكاري، فإن “بلاغ وزارة العدل هو بلاغ مرتبك، لأنه تحدث عن احتمال ارتكاب هاجر ورفعت الأمين لأخطاء، والأخطاء مفهوم أخلاقي وليس قانوني، ولم يتحدث البلاغ عن ارتكابهما لجنحة أو جناية أو جريمة مما يستوجب المتابعة والعقاب، وهذا دليل على الارتباك”.
واعتبر البكاري في تصريحه لـ “القدس العربي”، أن التدخل الملكي هو “إقرار ضمني، وإشارة لما اكتنف الاعتقال والمحاكمة من خروقات، وتجاوزات، وانتهاكات، وتوظيف لنصوص قانونية مخالفة لحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها كونيا، مما أضر بصورة المغرب، وضمنيا حتى بصورة المؤسسة الملكية نفسها”.
ويعتقد الناشط، أنه في هذا الملف “ارتكبت الجهات التي صنعته أخطاءً، سمحت بوجود ثغرات كبيرة سواء على المستوى القانوني المسطري، أو على المستوى الحقوقي”، وهو ما أضر بصورة المؤسسة الملكية، لأنها “استثمرت خارجيا سنوات في صورة الملك الحداثي المؤمن بقيم التحديث والمعاصرة، وجاء هذا الملف ليحدث خدشا في هذه الصورة، لذلك كان الحل عبر العفو الملكي وليس عبر مؤسسة القضاء، لأن الأمر مرتبط بصورة الملك الخارجية”.
كل هذا أضر كثيرا بسمعة المغرب خارجيا، “سواء من خلال ضغط المنظمات الحقوقية الوازنة، أو من خلال التغطيات الصحافية التي صورت المغرب بلدا متخلفا يحارب الحريات الفردية، ويطارد المواطنين في حياتهم الخاصة”، يشرح البكاري.
وكان المغرب منذ تفجر هذا الملف، حسب ما يقوله البكاري، لـ “القدس العربي”، أمام فوهة مدفع “اللوبيات” الحقوقية المهتمة بالحريات الفردية، والتي دعت عبر نداءات إلى مقاطعة المغرب سياحيا، من جهة، كما كان من جهة أخرى معرضا لقصف شبة يومي بخصوص حرية التعبير والصحافة”.
وأكد البكاري، أن ما حدث من البداية حتى لحظة العفو، “يجب أن يستثمر في الضغط من أجل الحد من تغول الأجهزة الأمنية، ومؤسسة النيابة العامة”.
هذا، وكانت قضية الصحافية بـ”أخبار اليوم”، قد أطلقت موجة من التعبئة والانتقادات للقانون الجنائي في المغرب، وفي نهاية شهر أغسطس الماضي، اتُهمت الريسوني بالإجهاض غير القانوني المزعوم، لكن المجتمع لم يعط أي مصداقية لهذه الحجج واعتبر أنها ذريعة لقيادتها إلى صمت دائم بسبب مواقف عائلتها، وهو الرأي الذي يتبناه الصحافي سليمان الريسوني، عم الصحافية المعفى عنها.
ويشار إلى أن خبر العفو، الذي لم يكن في الحسبان، أعلنه وزير العدل المغربي، محمد بنعبد القادر، -أمام المشاركين في ندوة للتعريف بمؤتمر للعدالة، سيعقد يوم الإثنين المقبل بمراكش-، بعدما دخل عليهم، وألقى كلمة لم تكن مبرمجة في الندوة، كشف فيها عن العفو الملكي، قبل صدوره في بلاغ من الوزارة.


Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية