التجربة الكردية في سوريا: أسئلة ثقافة الديمقراطية والحرب

أثارت تجربة الإدارة الذاتية الكردية في «روجافا» شمال شرق سوريا مخيلة كثير من اليساريين على الصعيد العالمي، فإلى جانب التضامن الراسخ بين حزب العمال الكردستاني، والحركات القريبة منه، واليسار الأوروبي عموماً، بدا أن المقاتلين الكرد يحفّزون مجتمعاتهم المحلية نحو تجربة رائدة: تسيير ذاتي وديمقراطية قاعدية ذات نَفَسٍ معادٍ للرأسمالية، معنية بكل قضايا «اليسار الجديد»، مثل النسوية والأيكولوجيا وتجاوز المركزية الغربية والشكل التقليدي للدولة القومية، فضلاً عن دور «وحدات حماية الشعب» في مواجهة التطرف الإسلاموي، ليس فقط عسكرياً، بل أيضاً على صعيد ثقافي ومجتمعي. هكذا أصبحت صور المقاتلات الكرديات دالاً ذا حمولة رمزية كبيرة لكل ما هو إيجابي وتحرري في هذه التجربة. بالنسبة ليسار عالمي يعاني من تشوش أفقه السياسي والفكري، فإن «روجافا» قدمت، وسط أصعب الظروف، مجالاً لاختبار مقولات لم تجد في موطنها الأساسي إلا تطبيقات محدودة ومدجّنة.
من جانب آخر واجهت هذه التجربة انتقادات جدّية: اتهامات بالتطهير العرقي، التواطؤ مع النظام السوري، قمع المعارضين ونفيهم. فضلاً عن التساؤل حول إدارة تصف نفسها بالـ»ذاتية» ولكنها مفروضة فوقياً بقوة المليشيات، والحديث عن استغلال طروحات اليسار الجديد للتغطية على الجوانب التسلطية في التجربة، بالإضافة للاتهام التركي التقليدي للمقاتلين الكرد بالإرهاب. لا يمكن بالتأكيد تجاوز هذه الانتقادات، ولكن حدة النبرة الأيديولوجية والقومية فيها تفقدها كثيراً من قدرتها على تقديم تصوّر مفيد حول الأبعاد الاجتماعية والثقافية للتجربة الكردية، في سياق الحرب السورية. ما يدفعنا لمحاولة صياغة أسئلة جديدة: ما هي إمكانيات تجارب التسيير الذاتي في مجتمعات زراعية وفي إطار غير مديني؟ وما تأثير تسيّد الحالة المليشياوية ونموذج إمارات الحرب على فرص التجريب السياسي والاجتماعي؟ وما الذي يمكن لـ«روجافا» بالفعل أن تقدمه للتفكير الراديكالي، الغارق في أزماته منذ عقود؟

قومية ما بعد الدولة

يبدو بيان «مشروع الإدارة الذاتية»، المنشور على موقع «حزب الاتحاد الديمقراطي»، طموحاً للغاية من الناحية الفكرية، فهو ينتقد هيمنة المنظورات الغربية، القائمة على فلسفة وضعية، تحليلية، علموية، ساهمت في فرض سيطرة المشروع الغربي، الاستعماري والاستشراقي، الذي أنتج الدولة القومية ما بعد الاستعمارية، القامعة للتنوع الإثني والثقافي في المجتمعات المُستعمرة، لحساب فرض لون قومي وديني واحد. لا يهتم «علم الاجتماع الغربي»، حسب نص المشروع، بمبدأ الضمير، بل يعترف فقط بالذكاء التحليلي، ولذلك لا بد من القطيعة مع هذا النمط من الهيمنة، لحساب «أيديولوجيا الحرية» القائمة على الضمير والذكاء العاطفي. ما من شأنه دمقرطة المجتمعات بشكل فعلي، الأمر الذي يمهد لنشوء جمهورية ديمقراطية على أسس دستورية تتفهم التنوع. الديمقراطية مناقضة للسلطة، ومهمة الدستور تأمين التعايش بين «المؤسسات الديمقراطية» المجتمعية ومؤسسات الدولة. لا يدعو المشروع إلى تجاوز الدولة تماماً، بل إلى صيغة دولة + ديمقراطية، مع تلميحه إلى حتمية انتصار الديمقراطية على الدولة على المدى الطويل. دمقرطة المجتمعات قادرة على حلّ التناقض بين الفرد والجماعة، الماضي والحاضر، التقليد والتحرر.
على الرغم من التعارض الظاهر بين انتقاد الهيمنة الغربية، والدعوة في الوقت نفسه لجمهورية ديمقراطية على مبادئ دستورية، فضلاً عن التسيير الذاتي ودمقرطة المجتمع، وهي كلها مفاهيم غربية جداً، فإن المشروع يحاول طرح حل نظري مبتكر لوضع ازدواجية السلطة، أي تجاور التسيير الاجتماعي الذاتي مع سلطة الدولة. فهو لا يسعى إلى دفع التناحر بين الطرفين إلى أقصاه، ولا إلى تقسيم السلطة بينهما، بل إلى معادلة دستورية تؤمّن الفصل بين الديمقراطية والدولة. تقوم القوى المجتمعية بتسيير شؤونها ديمقراطياً، وتطوير تعاملها مع قضايا الحريات وحقوق النساء والأقليات والبيئة والدفاع الذاتي، في حين تؤمّن الدولة، التي يجب أن لا تكتسب أي صبغة قومية أو دينية، السقف السياسي للمؤسسات الديمقراطية، وتستفيد من تجاربها للحد من نزعتها البيروقراطية، مع حصر وتقليص متزايد لسلطاتها على البشر. هكذا يتم تأمين مبدأ «الوطن الواحد»، القادر على التعامل مع المسائل القومية والطائفية من خلال التعايش والاعتراف المتبادل. بعبارة أخرى، فإن حلّ المسألة الكردية، وأي مشكلة أخرى خلقتها الحداثة، لا يمرّ عبر إنشاء دولة قومية جديدة، بل عبر تفكيك الدولة القومية الحداثوية بعد الاستعمارية.

ربما كان أحد أفضل التنظيرات المعاصرة للتسيير الذاتي ومواجهة سلطة الدولة هو ما قدمته المدرسة العمالوية الإيطالية Operaismo في النصف الثاني من القرن الماضي، وهو ما نجد له بعض الأصداء في مشروع الإدارة الذاتية. وبالتالي قد تُمكّننا المقارنة من تحقيق فهم أكبر لحدود المشروع.

ترجمة هذا الطرح النظري في سياق الحرب السورية اتخذ طابعاً مشوشاً: من جهة لدينا مليشيات ذات سمة قومية واضحة، تدير منطقة شديدة التنوع الإثني والثقافي، بما يرافق ذلك من مشاكل وانتهاكات متوقعة، بالإضافة لإدارة ذاتية مسلّحة لا بديل عنها، ما يفقدها كثيراً من طوعيتها وذاتيتها المفترضة. ومن جهة أخرى شهدنا محاولات لا بأس بها لتطوير الثقافة المجتمعية والإطار الحقوقي، في بلد يعاني من تراجع اجتماعي على كل المستويات، وهيمنة لأكثر القوى رجعية، ما جعل «روجافا»، رغم كل الانتهاكات التي تتم في إطار حرب شديدة الوحشية، واحدة من المناطق القليلة الصالحة نسبياً للحياة، ضمن الظروف الجهنمية التي تعاني منها أغلبية البلاد.

سياسة غير سياسية

ربما كان أحد أفضل التنظيرات المعاصرة للتسيير الذاتي ومواجهة سلطة الدولة هو ما قدمته المدرسة العمالوية الإيطالية Operaismo في النصف الثاني من القرن الماضي، وهو ما نجد له بعض الأصداء في مشروع الإدارة الذاتية. وبالتالي قد تُمكّننا المقارنة من تحقيق فهم أكبر لحدود المشروع.
نشأت الحركات العمالوية للتسيير الذاتي في شمال إيطاليا في مجتمعات شديدة التصنيع، إلا أن منظري الحركة الكبار، مثل باولو فيرنو وأنطونيو نيغري وماريو ترونتي، حاولوا تقديم تعريفات أوسع للعمل والعمال، فالعمل لا يشمل فقط الإنتاج المادي في المصانع، بل أيضاً العمل غير المادي الذي تقوم به فئات متعددة، وكذلك العمل المنزلي غير المأجور للنساء. والعمال ليسوا فقط أصحاب الياقات الزرقاء، بل شرائح متعددة مثل الطلاب وربات المنازل والعاطلين عن العمل. الثروة في الرأسمالية هي نتيجة عمل اجتماعي شامل، يُوزع جانب محدود منه فقط على شكل أجور. والهيمنة الرأسمالية هي هيمنة سياسية حتى في بعدها الاقتصادي. تلعب التنظيمات السياسية المرتبطة بالدولة، مثل الأحزاب والنقابات، دوراً في تأطير القدرة السياسية – الحيوية للجمهور ضمن قنوات هيمنية محدودة، ولذلك يعوّل العمالويون على التنظيم الذاتي للبشر المنتجين للثروة الرأسمالية، في مواجهة الدولة والإطار الذي تتيحه للسياسة، إنه تفجيرٌ للقدرة السياسية للمجتمع من خلال تجاوز السياسة نفسها.
نلحظ هنا حضوراً مهماً لمصطلحات لا معنى لها خارج حيّز مديني متطور، التسيير الذاتي في هذا السياق يفترض مجتمعات منتجة في إطار رأسمالي، تجاوزت كثيراً من بناها الأبوية التقليدية نتيجة التصنيع والتحديث، يعمل فيها الجمهور على تفكيك الهيمنة السياسية لسلطة تبني وجودها على عمله الاجتماعي. أما التسيير الذاتي في إطار زراعي أبوي، ومجتمع فقد كثيراً من قدرته على الإنتاج بسبب ظروف الحرب، ويعتمد في حالات كثيرة على الإعانات وعمل المنظمات المدنية، شديدة التسييس، فربما لن يكون أكثر من إعادة إنتاج السيطرة الأبوية القديمة بعناوين جديدة، بما فيها السيطرة الدولتية والحزبية والمليشياوية. قد يكون لهذا صدىً لدى يسار «ما بعد مادي»، وربما لذلك نرى تكراراً لتركيبات مثل «الضمير والذكاء العاطفي»، «مواجهة الهيمنة الحداثوية الصناعوية»، في مشروع يفاخر بتقدميته.

ضد الحرب

إلا أن الإدارة الذاتية أمّنت، في ظروف شديدة القسوة، إمكانية استمرار الحياة في مجتمعات مزقتها الحرب. فوسط سيطرة المليشيات وانتهاكاتها، هنالك «جمهور» يحاول أن يعمل ويعيش، ويحقق بعض التقدم في المسائل الاجتماعية والحقوقية. مساحة التجريب هذه لم تكن ممكنة بدون حيوية اجتماعية كبيرة، أنتجت أحد أفضل الصيغ الممكنة في الإطار العام لفشل الحراك الاجتماعي السوري.
لن يؤدي التدخل العسكري الأخير إلا لمزيد من التمزق الاجتماعي وسد آفاق الحياة والتحرر، مع نتائج بعيدة المدى على إمكانية التعايش في منطقة لا تنقصها الألغام الاجتماعية. بهذا المعنى يمكن القول إن الحرب هي أقسى أشكال الاعتداء السلطوي على «عالم الحياة». ربما كانت مواجهة عدوانية الدولة، بصيغها القومية والدينية، هي الشرط اللازم لكل محاولة تحررية في المنطقة، بدون إغفال التشابكات المعقدة لهذه الدولة مع البنى التقليدية والتراتبيات العائلية والدينية، بهذا المعنى فإن سؤال الديمقراطية والتغيير الراديكالي يصبح صعب الطرح بدون انحياز كامل لتوق البشر للحياة والحرية.
طَرَحَ مشروع الإدارة الذاتية قضايا نظرية متقدمة، مثل الجمهورية الديمقراطية وازدواجية السلطة ضمن إطار دستوري، وهي مفاهيم ضرورية لأي نقاش يتعلق بالتغيير، ومدخل مفيد لنقد ممارسات الإدارة الذاتية نفسها، ولكن كل هذا النقاش والنقد، وأي ممارسة أو مشروع سياسي مترتب عليهما، لن يكون ممكناً بدون الرفض المبدأي للحرب.
٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية