عماد فؤاد مسعوديبدو أن غياب البوق الأخطبوطي والكتب الإلكترونية قبل عقود وعدم التفكير في الإطلاع على الآخر حال كل ذلك دون سماع الشعوب العربية لقول الوجودي جان بول سارتر ‘أن الحياة تَفقِدُ معناها في اللحظة التي نفقد فيها وَهْم كوننا خالدين’ ولم يُدرك أحد غير شهداء الثورات أنّ هذه الفلسفة قد تبناها القادة العرب لكن من الوجه الآخر للمرآة، ومنهم من غرق في الفانتازيا والأساطير الإغريقية وتناسوا فكرة أنّ الخلود لا ينطبق على الأسماء بعد عولمة المفاهيم والأسماء التي لم تتح لشيء أن يحافظ على اسمه لأكثر من أسبوع واحد، بدءاً من الرموز والميادين والشوارع والأزقة والساحات والحدائق التي بدّلت شكلها وغيّرت أسماءها بما يتناسب مع الحدث والتغيير الموسمي، على العرب أينما كانوا أن يُوجّهوا الشكر للشعب المصري والتونسي والثوار والأحرار في هذه الأرض على المساهمة في تعرّي القائد الدكتاتور وسقوط مفهوم الزعيم من قاموس المنطقة العربية بأكملها، وأقول بأكملها لأنّ الزعامة الحقيقية قد انتهت وإن كان بعضهم ما زال يتمتع بصلاحيات ومسميات جوفاء، والمسألة ليست بحاجة لأكثر من إلقاء نظرة على الصحف العربية والغربية التي تحمل عناوين وصوراً تُثبت السقوط الحقيقي لمفهوم الإمبراطور الأوحد، وعند التمعن في المشهد البائس بالنسبة لتاريخهم المشوّه سنجد الاختلاف في طريقة السقوط بين زعيم وآخر، منهم من اتجه للاقتراض ومضاعفة المديونيات ومن ثم ترحيلها لتحقيق إصلاحات مؤقتة ومنهم من يرجو القطاع الخاص لتحقيق شراكة حقيقية مع القطاع العام بعد أن كانوا يقفون في وجه الحرية الاقتصادية للقطاع الخاص ويفرضون الشروط المجحفة عليها، وأكثرهم من امتهنوا التسوّل ويسعون الآن للحصول على مساعدات خليجية وغربية وتوسّل لاستثمارات عربية بينية، والبقية في مسارحهم يتدربون على المشهد السريالي الذي تتفاوض فيه الضحية مع ضحاياها ليكون الجاني هنا غائباً في حضرة الدماء، ولا ننسى من يجري اتصالاته اليومية للحصول على مسكن في إحدى الدول التي ما زالت في سباتها الأزلي ولم تشهد مدنها للآن مفارقات الأيدي التي صفّقت لخطابات القائد وصفقت بعد ذلك لغنائيات رحيله وإسقاطه، وسيشهد الحاضر قريبا احتضار ظلال الزعامات ومظلّاتهم أيضاً وهم أولئك الّذين اعتقدوا للحظة أنهم لن يسقطوا عند الوقوع فقد اعتادوا إسناد أنفسهم على الأرض بأيديهم من فرط الانحناء. أما الاقتصادات العربية فما زالت تتكئ لليوم على آبار النفط ومردودها، وفي مصر تحديداً أهملت السلطات وضع إستراتيجية جذرية للقطاع الزراعي وبقية القطاعات الحيوية وازداد الزحف العمراني وإنشاء أحياء عشوائية واكتفت بالاعتماد على قناة السويس والعوائد السياحية وتحويلات العاملين في الخارج وتحوّلت بلدان عربية كانت مُصدّرة للمواد الغذائية إلى زبائن مستوردين من طراز رفيع ومنشغلين بالصناعات الثقيلة والحربية ويتقنون المشي نحو ولائم عربية فواتيرها تتجاوز ملايين الدولارات سنوياً، وهذا يعود لانعدام الوعي الاقتصادي والاجتماعي والديمغرافي وترهّل في الريشة التي رسمت الاستراتيجيات المستقبلية لدى السلطات.
على الشعوب أن تعي أن الإصلاح لا يتجزأ والتغيير الجذري الراديكالي لا يحدث بطريقة سريعة وكلية وان حدث فذلك ليس إلا الكثير من النكهة والبهار على قطعة لحم فاسدة وليس علينا أن نغفل أن المحرك الديناميكي وحركات الإصلاح على مر العصور تقوم على أساس الفكرة التي يُنتجها المثقفون والمفكرون بالتالي على كل من يساهم في حركات الإصلاح والتغيير أن ينتقل من الأطر النظرية والأفكار الناقصة والهشة والتجريبية إلى المعرفة العملية والإثبات العلمي والحجج المنطقية وعند القول ان الإصلاح لا يتجزأ هذا لا يعني أن لا نلتفت إلى خصوصيات كل حضارة ودولة وان لا نأخذ بعين الاعتبار تاريخها وجغرافيتها وموفوراتها وركيزتها الثقافية والأيديولوجية والحضارية وعلى المثقفين أيضا أن يحددوا مسارات الحركات الإصلاحية القادمة والعمل على صياغة الأبعاد التي سينطلق منها التغيير للحصول على مجتمعات ليبرالية حديثة قادرة على رسم ملامح جديدة لكل التشوهات التي حصلت للحركات السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية السابقة. وعند العودة لرأس الفساد في هذه المديونيات التي وصلت للكرامة العربية قبل السياسة والاقتصاد فإننا نرى إنّ السقوط السري لهؤلاء الزعماء أسوأ وأشد إيلاما عليهم من سقوطهم المادي والعضوي المباشر وما قالته أسماء بنت أبي بكر لابنها عبد الله بعد حصار الحجاج له ولمن معه ‘وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها’ لم يكن ذلك سوى قيام الأم بغرس الصبر والثبات في قلب ابنها، لكن في حقيقة الموقف التراجيدي هذا إن التنكيل في الميت يضير ويُعدّ عذاباً لأهله وأقربائه أكثر من قتله أمام أعينهم، والشعوب التي حُكمت بأنظمة ديكتاتورية وعاشت قيامات يومية قبل أوانها حتى فقدت حقها في إتقان الموت والتهيؤ له، هي الأحق بان تحكم على أشباه زعاماتها وان ترسم نهاياتهم بالطريقة التي تشاء ضمن الدستور والقانون، ومن يبدل لونه كل خريف في شواطئ لا جوميرا وبوركاي ولم يجرّب حصار غزة وبيروت وبغداد وأغلق أذنيه أمام أنين بن غازي والزنتان والزاوية وصنعاء وعدن ودرعا أو لم يشاركهم شجونهم في الحد الأدنى، لا يمكن له أن يصدّق أن عرباً قامت قيامتهم قبل أوانها وهم وحدهم من سمعوا حشرجة الحياة قبل موتها… كان لا بد من تلك النهايات ولا بد أيضا أن تستمر الشعوب في نزع مفهوم الزعيم والإمبراطور الأوحد من أشخاص خجلوا للحظة من كونهم حكاماً لهذه الشعوب، فالزعامة عندما تصبح نمطاً للحياة تفقد معناها وتدفع الزعيم للبحث عن شعوب جديدة يتزعّمها، ولا أدري إن كان العالم سيشهد لقب الزعيم مرة أخرى، هذا إن قَبِل أحد بعد اليوم بأن يوصف بالزعيم بعد هذا التحوّل في جغرافيا المفاهيم أيضاً، وبعد أن فقدت آذان القادة القدرة على سماع الموسيقى عندما أصبحت كمنجاتهم وناياتهم وطبولهم خرساء….. وداعاً لأشباه القادة والزعماء… وداعاً لتاريخنا المشوّه… وداعاً للغائبين بعد حضورهم… وداعاً للقادمين من الماضي… وداعاً للقادة والأحرار الحقيقيين…. وداعاً أحمد ياسين… وداعاً جمال عبد الناصر… وداعاً تشي غيفاراً….. وداعاً.’ كاتب وشاعر عربي