هل تمتص وعود الحكومة انتفاضة وغضب الشارع العراقي؟

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

بغداد-“القدس العربي”:تتصاعد الدعوات والاستعدادات لمواصلة التظاهرات المليونية المطالبة بالإصلاحات التي شهدها العراق خلال انتفاضة تشرين الأول/اكتوبر، بالرغم من محاولات حكومة بغداد، اتخاذ المزيد من الإجراءات لامتصاص غضب الشارع، وسط بوادر عدم اقتناع المتظاهرين وتشكيكهم في جدوى هذه الإجراءات.

ويسير المشهد العراقي الآن في مسارين متوازيين، الأول إجراءات وقرارات حكومية تتعامل مع بعض مطالب المتظاهرين، والثاني استعدادات شعبية لمعاودة التظاهرات المليونية الرافضة لإجراءات الحكومة جراء انعدام الثقة بين الطرفين بامكانية تحقيق الوعود بوجود مافيات الفساد والميليشيات المتحكمة بكل مفاصل الدولة.

وتركزت الإجراءات الحكومية على عدة اتجاهات منها، تشكيل اللجان للتحقيق بقضايا العنف والاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين والاعتداء على القنوات الإعلامية، وإطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين، وسط مطالبات بلجنة مستقلة للتحقيق في هذا الموضوع، تكون بعيدة عن تأثير الأجهزة الأمنية والحكومية والأحزاب، وتتمكن من تحديد ومحاسبة المسؤولين عن إصدار أوامر إطلاق النار على المتظاهرين ومهاجمة القنوات الفضائية. وفي هذا الإطار، جاء على صفحة صالح محمد العراقي المقربة من مقتدى الصدر على فيسبوك: “حققوا مع الجلاد… فالجلاد لا يكون محققاً” في تشكيك في نزاهة التحقيقات الحكومية. وفي تغريدة أخرى أكد المصدر نفسه أن “بعض رجال الأجهزة الأمنية لديهم تسجيلات لمكالمات تتضمن أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين”.

ويذكر ان المرجعية الشيعية العليا في النجف، أمهلت في خطبة الجمعة الماضية، حكومة عبد المهدي أسبوعين للكشف عن قتلة المتظاهرين وتقديمهم إلى القضاء، محملة الحكومة مسؤولية سقوط ضحايا أبرياء.

وفي جانب آخر من الإجراءات الحكومية، تم الإعلان عن تحريك ملفات الفساد الكبرى المجمدة منذ سنوات، كما شكل مجلس القضاء الأعلى، محكمة جنايات مركزية خاصة بقضايا الفساد التي تخص كبار المسؤولين في الدولة، إلا أن المراقبين يؤكدون عدم قدرة الحكومة على محاسبة حيتان الفساد المدعومة بنفوذ الأحزاب والميليشيات.

وضمن هذه القرارات، أعلنت الحكومة أيضا عن تشكيل قوة أمنية جديدة باسم “قوة حفظ القانون” متخصصة في التعامل مع الاحتجاجات والفعاليات الاجتماعية الكبيرة، وهو ما اعتبره المراقبون رسالة تخويف للمتظاهرين للحد من نشاطهم وإحباط حراكهم.

ويذكر ان انتقادات محلية ودولية وجهت لحكومة عادل عبد المهدي جراء استخدام العنف المفرط من قبل القوات الأمنية ضد التظاهرات التي أسفرت عن سقوط نحو 110 شهداء وآلاف الجرحى واعتقال المئات، إضافة إلى مهاجمة ثماني قنوات فضائية غطت التظاهرات وقطع الإنترنت.

 وفي المقابل أكدت مصادر متعددة أن توقف التظاهرات المطالبة بالإصلاحات، كان إجراء مؤقتا بسبب تزامن التظاهرات مع موعد زيارة أربعينية الإمام الحسين في 20 من صفر الحالي، والذي يشهد توجه الملايين نحو كربلاء لإحياء الذكرى.

فقد أكدت تنسيقية التظاهرات ومواقع التواصل الاجتماعي على استئناف انطلاق التظاهرات في الجمعة 25 تشرين الأول/اكتوبر الحالي تحت شعار ” ثأر الشهداء”. واكد بيان التنسيقية “استمرار الانتفاضة وعدم توقفها نتيجة ما يطلق عليها الإصلاحات الحكومية، وأن من راهن على تغييب الشعب تحت حكم الفاسدين خسر الرهان” واصفا التظاهرات بأنها ثورة وطن، اجتمعت فيها كل الأطياف والطبقات. وأشارت إلى أن “المواطن العراقي أثبت أنه مهما ابتعد جسديا عن وطنه إلا أنه باق معه روحاً ووجدانا” في إشارة إلى تظاهرات العراقيين في دول العالم للتضامن مع انتفاضة الداخل.

ومن جانبه دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، إلى تحويل مناسبة أربعينية الإمام الحسين في كربلاء إلى تظاهرة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والفاسدين، انسجاما مع الاحتجاجات المطلبية التي تفجرت بداية تشرين الأول/اكتوبر الحالي، فيما رأى نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي، بأن حزمة الإصلاحات التي أطلقت مؤخراً لا أهمية لها من دون تحديد سقوف زمنية، مؤكدا أن “من يعتقد ان التظاهرات انتهت واهم”.

إلا أن أكثر ما يقلق العراقيين هذه الأيام هي المخاوف من تورط إيراني في قمع التظاهرات عبر عناصر إيرانية مندسة بين الزائرين المتوجهين إلى العراق هذه الأيام. حيث تعج مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار من ناشطين ومصادر عراقية مطلعة، عن وصول الآلاف من قوات الحرس الثوري وحزب الله اللبناني، وتمركزهم في معسكرات قرب بغداد ومدن أخرى، كقوة احتياطية لإنقاذ النظام الحليف لها إذا تعرض إلى التهديد. وما عزز هذه المخاوف، ما تناقلته مصادر صحافية من أن “إيران أعلنت على لسان قائد الوحدات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي الإيراني العميد حسن كرمي أنها سترسل 7500 جندي إلى العراق للمشاركة في حفظ أمن الزائرين في مراسيم زيارة الأربعين” كما أن رمضان شريف المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، أقر بأن “قوات فيلق القدس إلى جانب الحشد الشعبي والشرطة العراقية ستكون حاضرة في العراق للحفاظ على مراسم زيارة الأربعين”. وهو ما يتعارض مع نفي حكومة بغداد وجود قوات إيرانية في العراق.

وليس ثمة شك بأن كل إجراءات حكومة بغداد لامتصاص نقمة العراقيين، لن توقف الاحتجاجات التي ستستمر وتتصاعد، حسب الناشطين والعديد من السياسيين، وسط القناعة بأن الإصلاحات الحكومية لن تتحقق بوجود مافيات الفساد المستندة إلى نفوذها السياسي وحماية فصائلها المسلحة، مع مخاوف جدية من الخطأ القاتل الذي سترتكبه الحكومة إذا كررت استخدام العنف ضد المتظاهرين في المرة المقبلة ما يؤدي إلى تفجير الأوضاع الأمنية. وصار واضحا أن توفير الخدمات لم يعد الهدف الوحيد للتظاهرات، بل المطلوب هو الإصلاح والتغيير الشامل للدولة لإيقاف هدر كرامة العراقيين وضياع مستقبلهم جراء النهب المنظم لموارد البلاد وفشل الأحزاب في إدارة الحكومات ورهن مقدرات البلد لإرادة الأجنبي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية