الرسالة التي أشعلت حرباً وأسفرت عن انتصار

براء صبري
حجم الخط
0

المعارك لا تعرف طريقها إلى خارج سوريا. والمحاصصات السياسية والتدخلات الدولية على جغرافيتها في مستوى عال. هيجانات بشرية، وهرولات دولية، وقتال لا ينطفئ كبلت يدي سكانها المتعددي الأعراق والمذاهب. ليس كل ذلك الهووس بالحرب من جريرة أبناؤها، هي شيء من حقيقة ان المصالح المتضاربة، وسرعة التورط فيها، كان جزءا من مصير لم يعد منه مفر. يئست الناس من كمية الضغط الذي صادفوه نتيجة المستجدات الجديدة. قوافل عسكرية تتحرك، وطائرات غريبة، وخطابات، ولقاءات، وبيانات بلغات مختلفة، ومحاولات البحث عن موطئ قدم في خريطة السياسة والإدارة المقبلة للبلاد. ومع أن المصالح الاقتصادية، والأوضاع السياسية الداخلية، والتدخلات الدولية وتشابك سياساتها، والعلاقات المعقدة للمؤسسات السياسية في تلك العوالم “المتحضرة” هي محركات لمسار الأحداث في العادة، إلا أن هناك صورة واضحة لتأصل التعامل مع الخارج على محرك محدد حالياً وهو تحصين الذات للانتخابات المقبلة دوماً. وإن كان على حساب المصالح الوطنية العامة أو على حساب مصالح الحلفاء! بل، وعلى حساب مصالح المجتمعات البشرية المهددة بعمليات قتل جماعي، وتغيير ديموغرافي، وتهجير ممنهج. هذا المحرك طفح في زمن دونالد ترامب، الذي يدفع رفاقه في الحزب الجمهوري إلى الإحراج من ما يتحدث عنه، ومن ما يتبع من قرارات فردية تفرض على الجميع في الحكومة الأمريكية. هذا ظهر جليا داخل أمريكا مع قرار ترامب الجديد بترك حلفائه من قوات سوريا الديمقراطية وحيدين أمام الغزو التركي المصحوب بميليشيات متشددة سورية تحت مسمى “الجيش الوطني” على شمال سوريا في القسم الشرقي منها. هذا القرار الذي كان عنوانا للضجة السياسية في العالم الغربي، وخاصة في القنوات، والمجالس السياسية الرسمية وغير الرسمية في الولايات المتحدة.

الخط الشمالي القلق

ما من شك إن المعارك في شرق الفرات في سنوات الحرب السورية لم تكن أقل شأنا من غيرها من المناطق. وكان مسرح شرق الفرات فعالا في الحرب السورية. قوات للمعارضة تسيطر مرة، وجماعات إرهابية تسود، وقوات كردية تتكون، وعشائر عربية متنوعة التوجهات تتجهز، ومسيحيون يبحثون عن تحالفات تبقي وجودهم في المنطقة، وفي النهاية وحش واحد يسود لسنوات هو “داعش”.

العلاقة بين واشنطن والمجموعة الكردية تطورت مع الوقت لتولد قوة مشتركة “عربية-كردية-مسيحية” تحت مسمى قوات سوريا الديمقراطية. هذه القوة حررت كامل شرق الفرات من التنظيم الإرهابي، وتجاوزت النهر في الطبقة جنوب غرب الرقة، وفي منبج غرب النهر ما زادت من قوته وعززت شراكته مع واشنطن، وكل ذلك برفقة غضب تركي.

تركيا التي شاهدت كيف إن تلك القوة تتمدد، وتتنوع، وتؤسس لشبه إدارة محلية واسعة الصلاحيات وبغطاء من الغرب، بدأت تبحث عن خناجر لحنثها. كانت عملية “درع الفرات” التي حصلت فيها على شمال حلب الأولى، تبعتها العملية التي احتلت فيها عفرين، والتي كانت بحق طعنة أليمة اجتماعيا وسياسياً. ومع كل الضمانات التي كانت تحاول أن تقدمها “قسد” وواشنطن لأنقرة لتحييد شرق الفرات ومنبج من تهديداتها كانت تركيا تبحث عن منفذ لهجومها. كانت المنطقة الواقعة على تخوم تل أبيض، والممتدة حتى الريف الغربي لبلدة رأس العين (سرى كانيه) الكردية من أكثر النقاط المكشوفة لرغبات تركيا. مستغلة أن أكثرية تل أبيض هي من العرب، ووقوعها بين القامشلي وكوباني. كانت ترغب في قطع جزء من الجسم الشرق فراتي، وقطع الطريق بين الأكراد في طرفي المنطقة لتصعيب التواصل بينهم. التهديدات التركية لتلك المنطقة كانت علنية، والتحضيرات المحلية للدفاع عنها أيضاً مكشوفة. وهذا بحد ذاته كان سببا من أسباب القلق في خريطة كانت وما زالت تحارب فلول “داعش” في أرياف دير الزور.

ظل سكان تلك المنطقة يخشون من هجوم قادم رغم أملهم ان واشنطن ستضبط الأمور مع رؤيتهم لكل تلك الحشود المشتركة للولايات المتحدة وقسد في المحيط. وزاد ذلك القلق لدى القوات المحلية والناس في تلك الرقعة عندما قرر ترامب نهاية العام الماضي الانسحاب من سوريا، والذي تم تداركه من قبل القادة المحيطين به حينها. ظل المراقبون للوضع في شرق الفرات يكررون أن تركيا ستدخل يوماً من تل أبيض، وكانت بالنسبة لهم عبارة عن قناعة مترسخة أنها خط الضعف في تلك المنطقة.

الرسالة التي أشعلت الحرب

ظلت تركيا تطالب بمنطقة تسميها آمنة تكون تحت سيطرتها في شمال سوريا. هذه المنطقة التي ضغطت تركيا مرات لكسبها بحجة وجود جماعات إرهابية فيها لم تلق آذاناً صاغية. حاولت واشنطن استخدام طريقة “العصا والجزرة” كما قال جيفري. حيث كان هناك تهديد بالعقوبات وحوار مستمر في ذات الوقت. نشرت واشنطن جنودا على الحدود لوقف تركيا، ولم تنجح. قدمت عرضا جديدا في الشهور الماضية تحت مسمى الآلية الأمنية، ولم تنجح. كانت الدوريات التركية تجوب شمال سوريا في منطقة الصدع مع المدرعات الأمريكية، وكانت طائراتها تجوب الأجواء مع ذلك ظلت تركيا غاضبة. مع التحشدات التركية المستمرة على الحدود الشمالية سحبت واشنطن قواتها في السادس من تشرين الأول/أكتوبر من الخط الفاصل. وحست قسد بإن معركة محتملة قادمة. لكن، كان هناك ضوء من أمل لوقف الهجوم. عندما بدأت تركيا إعلان الغزو في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر كانت أمريكا بدأت تتخبط. في الثلاثة أيام الأولى كانت هناك ريبة من أهداف تركيا. لكن، كانت هناك قناعة بانها تريد خط الضعف في الشمال. مع التنديد الدولي الكبير للغزو، صرحت تركيا عن أن هدفها هو عرض 120 كيلومترا وعمق 30 كيلومترا. وهي المنطقة الممتدة من رأس العين إلى كوبانى. العمق كان الهدف منه الطريق الدولي M4. لكن، مع الوقت، ومع الدفاع المستميت لقوات قسد، ومع مشاهدة العالم كيف أن تركيا تهاجم أهم حليف أمريكي في سوريا، تحدثت الأخبار الأربعاء الماضي عن فحوى رسالة رسمية بعثها ترامب لاردوغان في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر. الرسالة التي كانت غريبة عن لغة الدبلوماسية حسب الروس كانت لوحة عن تفكير ترامب، وتعامله مع دول لا تنصت له. كرر ترامب أنه لن يتدخل عسكرياً. ويفسر تسريب الرسالة في ذلك الوقت لإظهار عدم خيانة ترامب للأكراد وكونه فعل ما عليه لوقف تركيا. لم تكن السياسة الأمريكية تبحث عن هكذا سيناريو، ولكن هذا السيناريو الفوضوي، وغير المكترث لمصائر جماعات بشرية كاملة، لا تفيد ترامب في الانتخابات المقبلة. فهو يبحث عن تحصين ذاته من خلال النصر الانتخابي. ومع كل ذلك ما زال الجنود الأمريكيون يتحركون في شرق الفرات بدون أي أفق واضح لمستقبلهم التائه.

اتفاقات مدوية

بعد مرور أيام من الغزو التركي وتغريدات ترامب بدأ القادة في قسد في البحث عن حل لوقف الهجوم. وأدركوا ان الروس مستعدين لاستقبالهم وفتح الباب مع النظام للوصول إلى حل. اتفق الجانبان على مذكرة تفاهم مشتركة تركز على حماية الحدود مع تركيا والتفاوض على مستقبل سياسي للمنطقة. خسر الوفد الكردي الكثير في المفاوضات حول عفرين لإن المبادلة التركية كانت أكثر وفرة من عرض الوحدات حينها. الحوار هذه المرة بروح قسد “وليست الوحدات وحدها” والتي تصد جبهة الشمال، وبرعاية روسية أكثر انفتاحاً لما يعرض لها هذه الأيام لاعتبارات تتعلق بسياساته الدولية.

تم الاتفاق، وانتشر الخبر، والمعركة في سري كانيه مستمرة. بعد الاتفاق تلقى قائد قسد اتصالا هاتفيا من ترامب شخصياً لم يتوضح شيء منها سوى ما قاله قائد قسد خلال مقابلة مع قناة محلية عن أن ترامب لا يعارض الاتفاق مع الروس والنظام، وأنه سيرسل وفدا لتركيا لوقف الهجوم. هذا الاتصال الذي كان له صدى كبير في المجتمع المحلي لكونه غريبا عن روتين السياسة هناك ولكونه أكد مستوى العمل السياسي الذي انجز في شرق الفرات، لكنه في محتواه ظل غير معلن للحظة ما يزيده غموضا على غرابته أصلاً.

الاتفاق

كان اردوغان يبحث عن نصر خارجي لتعزيز موقفه داخلياً، وكان قلقاً من نكسات اقتصادية نتيجة التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية كبيرة عليه، وكان يبحث عن وسيلة للخروج من معركة لم يتوقع شراسة الدفاع فيها، وخاصة في رأس العين. حصل على بيان النصر المعنوي، وتم الإقرار بإن العقوبات ستجمد. هل هو النصر الحقيقي والمنشود في الاتفاق أم هي الكلمات التي كان يحتاجها أمام قاعدته الانتخابية، وكان يحتاجها ترامب لإظهار أنه فعل شيئا أمام الساسة الرسميين، والصحافة الغاضبة في أمريكا. الأيام ستجلي الوضع أكثر. فرح الناس بالاتفاق لحقن الدماء، وأخذت قسد بعض الوقت للتفكير أكثر في خياراتها الصعبة، ولكن، ظلت فحوى الاتفاقية جلية للعلن، وغير مقبولة على الأرض.

لم تنته الجولات السياسية، والعسكرية، والنفسية في سوريا، ولا يمكن وصف ما حدث كله بانه هزيمة أو انتصار. ولا يمكن التكهن بما هو قادم لصعوبة الوصول إلى الحقائق. أكثر صورة جلية قد توضح للعلن ما يحدث بعد مرور القوافل العسكرية للأمريكان والروس والنظام السوري في تلك الجغرافية هي مراقبة تلك الحركة نفسها. تمركز تلك القوات، وحراكها، وكيفية تعاملها على الأرض مع الرؤية الشاملة للخارج ستعزز فهم أكثر للواقع. تدرك قسد أن خياراتها مليئة بالألم، يرافق ذلك صمود في المعركة التي خسرت فيها قسد حتى اللحظة تل أبيض، ومقاتلين، ومدنيين كثر. لا خيالات كبيرة قادمة، ولكنها، مسارات مفاجئة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية