فضاءات الاتصال والاعتزال ــ علاقة المثقف بالسلطة في مصر:
المؤسسة الثقافية المصرية ظلت مستأثرة بقدرة التكريس.. ومحتفظة بسلطة إضفاء الشرعية دون منافسالترجمات للثقافة اللاتينية خلقت شعورا بتفوق القارة اللاتينية الادبي وصححت صورتها لدي القاريء العربيفضاءات الاتصال والاعتزال ــ علاقة المثقف بالسلطة في مصر:د. علاء عبد الهاديہ اكتسبت الثقافة في العالم الرأسمالي، عبر التوزيع غير المتكافئ للرأسمال الثقافي، وضعية السلعة، وخضعت لآليات الربح والخسارة، فأصبحت مورداً بالمفهوم الاقتصادي للكلمة، فكلما ندر اكتساب هذه الموارد، ازداد امتياز من يحوزها، مما جعل من العمليات الثقافية التي تقوم بها الدولة أدواتٍ للسيطرة ـ في دول العالم الثالث بخاصة ـ وخلق لهذه الموارد الثقافية ـ في الآن ذاته ـ آليات تأثير في سوق له أرباحه وخسائره، حيث يكمن جزء من فعالية المؤسسة الثقافية الرسمية في قدرتها علي التحكم في آليات سيطرتها علي هذه الموارد من جهة، وإخفاء طرائق اشتغالها ـ تحت ساتر إعلامي كثيف من ادعاء الموضوعية والنزاهة ـ من جهة أخري، مثلما تكمن قوتها وشرعيتها في قدرتها علي إقناع تابعيها ومن تدعي تمثيلهم، في أن ما تقوم به هو مصلحة عامة لهم، مما يمنح الوعي الزائف قدرة علي ردم الهوة بين النص الذي تعلنه المؤسسة الثقافية إطاراً لأهدافها والممارسة الفعلية للمؤسسة في الواقع المعيش، وهو استثمار خاص لرأسمال الثقافة، يزيد في تشييئها، ويمنحها شكل السلـــعة وطبيعتها. إن نظام المؤسسة الثقافي غالباً ما يتم تخطيطه بشكل ساكن، أي أنه نظام لم ينبثق من حراك بل من تقاليد مؤسسية راسخة غالباً ما تكون موروثةً، لها إغواؤها البيروقراطي، لذا تقوم المؤسسات الرسمية في العالم المتحضر ـ من أجل إضعاف هذه السكونية ـ بتحديد أهدافها المرحلية وفق خطة استراتيجية متشابكة بأهداف سياسية قومية، كما تحدد الشريحة الاجتماعية التي تتوجه لها خدماتها.. مما ييسر جزئياً ـ في ظل المناخ الديمقراطي النسبي في العالم الغربي ـ وجود جدل خلاق بين الثقافة المهيمنة والثقافة النقدية، في ظل توافر قنوات تكريس ثقافي بديلة يقودها المجتمع المدني، تزيد من قوة هذا الجدل، ومن فضاء البدائل المتاحة للثقافي.أما في مصر فقد ظلت المؤسسة الثقافية المصرية وأجهزتها الإدارية مستأثرة بقدرة التكريس، محتفظة بسلطة إضفاء الشرعية دون منافس ـ يعود ذلك إلي مجموعة من الأسباب أهمها ضعف قدرة المثقفين علي إنشاء آلياتهم الخاصة ومؤسساتهم، وغياب قدرتهم علي الاحتجاج الجماعي، مع استشراء الفساد الإداري في الجهاز الثقافي، مع اتساع استيعاب المؤسسات الرسمية للمجموع الثقافي ـ كما أصبحت الصحافة الأدبية التابعة للدولة أداة تكريس أخري لرؤساء تحريرها وللقائمين عليها ولأعوانهم ولمريديهم، فهناك كثير من الأدعياء الذين أُنعمَ عليهم في هذه الصحافة وحظوا بشهرة أدبية بواسطة التملق ومنهم من يري أنه علي المثقف الحقيقي أن يرفض كل الشارات المؤسسية للتكريس من أوسمة وجوائز وكل ألوان التكريم من جهات تفتقد الشرعية في وزارة لها سياسات تغيب عنها الرؤية الصحيحة اللازمة للمرحلة ـ في ضوء الظرف الحضاري الجديد الذي تفرضه سياسات العولمة ـ علي مستويي النص والممارسة.في هذا المناخ تحول عدد كبير من المثقفين إلي مهنيين بسبب فقرهم وتطلعهم إلي السلطة، فأصبحوا أداة دعاية للدولة، وأدوات تمارس العنف الرمزي وتيسر للسياسي وسائل إخضاعه للثقافي، مما سهل للمثقف التقليدي تبرير خضوعه المباشر وتبعيته لمؤسسة ثقافية واهنة، في تأرجح موضوعي وذاتي لعلاقته بالسلطة، أما الأمر الذي له وقع الخديعة والفجيعة معاً، أن يصدق هؤلاء أنفسهم معتبرين أن اختيارهم قد تم بناء علي أسس موضوعية لأنهم الأفضل مثلاً ، أو أن ما يحصلون عليه من مكاسب مادية أو معنوية هو ترجمة حقيقية تالية لنشاطهم الأدبي أو الجمالي في الواقع الثقافي! هنا يأتي التبرير الأيديولوجي للنظام متلبساً مغالطته المنطقية، فهم المُخْتَارون، ولكنهم ليسوا الصفوة، بل إن الكثير منهم في واقع الأمر كتاب وأدباء من الدرجة الثانية، قام الإعلام بتكريسهم، وقام المكان بتوطيد أقدامهم، وإن كان للمكانة نظرة أخري!أصبح اقتراب السلطة من المثقفين آلية من آليات تزييف وعيهم، بعد أن خضعوا لسيطرة آليات التقييم من تكريم وتبجيل منحته المؤسسة لممثليها في الشارع الثقافي العام، ومن علي هامشهم، ومن تريد استيعابهم، حيث توهم عدد من المنضوين تحت لواء الوزير وسياساته أنهم يقومون بدور في المؤسسة الثقافية القائمة ضمن شروطهم! دون أن يتأملوا الأسئلة الأولية مثل: من أجل من يعملون؟ ومن يحتاج إلي ما يقومون به؟ ودون أن يعوا مقدار خضوعهم إلي المنطق النوعي للسلطة التي يعملون لها، وشروط إنتاجها، تلك التي باتت تسيطر علي إنتاجهم المعرفي أو توجهاتهم النقدية تجاه مجتمعهم، هكذا اكتفي عدد كبير منهم بتبريرات مختزلة، وشديدة الفقر، من هذه التبريرات: أن ما يقومون به هو استعادة حق انتزع منهم، أو أن العمل في المؤسسة ومعها ليس معاديا لدورهم في الهامش! أو الادعاء بأنهم يقومون بالإصلاح ـ قدر إمكانهم ـ من مواقع أقدامهم في داخل السلطة الثقافية الرسمية! متناسين أن هدف السلطة الثقافية هو تبرير وجودها بشروطها الخاصة بالذات، وأنهم أدوات هذا التبرير، ولسانه الناطق، فضلاً عن أن للأمر جانباً اقتصاديا لا يخفي علي أحد يبتدئ من الإغراء المادي، ولا يقف عند المقابل الرمزي! وفي ظل غياب القنوات الثقافية البديلة القادرة علي التكريس الثقافي ستظل المؤسسات الثقافية القائمة وعائلتها الإدارية! مسيطرة بشكل هائل علي المجالين الأدبي والفني في مصر، ليس عبر المنع والتعتيم فقط، بل عبر الجزاءات والتأثير من خلال أرباح تستثمر علي الجانبين المادي والرمزي معاً; هكذا تقوم المؤسسة الثقافية بضبط البيئة الثقافية وتطبيعها عبر النشر، ولكن بضوابطه الرقابية، جوائز الدولة، ولكن بالمقاييس الجمالية السائدة والمتبناة من قبل المؤسسة، مِنَح التفرغ وعضوية المجالس المتخصصة، ولكن بالطريقة المشوهة التي تتم بها اختيارات أعضائها، الاشتراك في المؤتمرات أو المحافل الثقافية في الداخل والخارج، وفقاً لدرجة الوفاء لا الكفاءة.. إلخ.كما تجدر الإشارة في هذا الصدد إلي غيابِ المنابع والأصول النظرية الصحيحة لدعاةِ ما سُميَ بالتنوير، وأن ما سُميَ بسياساتِ التنوير هيمن علي سياقاتها البعدُ الشخصي والتصوراتُ الفردية، ففقدت الحسّ بالاتجاه، نظراً إلي فقر المرتكزات النظرية التي انطلقت منها هذه السياسات، وعدم التفاتِها للتناقضاتِ القائمة بينَ ما أعلنتهُ مؤسساتهم من أهداف وما حققته في الواقع المعيشِ من نتائجَ، حيث تبنتِ المؤسساتُ الثقافيةُ المصرية القائمة الاهتمامَ بقضايا ثانويةٍ خارجَ صلب اهتمامات المجتمع، مشيدةً سلطتها علي المواردِ الثقافيةِ التي حددت شروطَ استثمارِِها، باذلةً جُهداً كبيراً في إضفاءِ شرعيةٍ كاذبةٍ علي سياساتِها عبرَ توظيفِ الخطابِ البلاغي، الذي وسمَ أداءَها بصفةَِ الطابعِ العلمي من دون إجراءاته، وكأن شعار المرحلة مهرجان لكل مواطن هو السبيل الوحيد لتنوير الشارع الثقافي! دون أدني اهتمام بقضية بناء هذا الشارع أولاً، ودون التفات إلي اقتصاديات هذا البناء ثانياً.. في دولة فقيرة، تثقل كاهلها ديون داخلية وخارجية تحسب بمئات المليارات. هكذا تميزت لغة الخطاب الثقافي الذي تبنته المؤسسة الرسمية ـ في العموم ـ بافتقاره إلي أي محاولة جدية تقوم بالتفسير النقدي للواقع، من هنا أتت محاولاتها لحصار التأويل النقدي للمعيش عبر الشعارات، الذي تعاني فيه المفاهيم من وجود انقلاب يتناسب مع أهداف المؤسسة ولا أقول مصلحتها، فلا يوجد بالضرورة ترابط بين ما تعلنه المؤسسة الثقافية الرسمية من أهداف وحقيقة ما يتم تحقيقه علي المستوي العملي، مثلما توجد إمكانية كبيرة لغياب العلاقة بين أهداف المؤسسة ومصالح من تمثله، فهي علاقة تتغير بتغير حالة وعي المؤسسة بدورها وقدرتها علي ممارسة هذا الوعي نصاً وتطبيقاً. كان من نتيجة السياسات الثقافية القائمة إبعاد كوادر ثقافية مهمة عن التأثير في المجتمع، وعن منح عطائها إلي محيطها الثقافي، وقد نجحت المؤسسات الثقافية علي اختلاف مسمياتها في هذا عبر سياسة تدوير الفشل المؤسسي ولعبة الكراسي التي قصرت القيادة الثقافية علي مجموعة من الأعوان يتنقلون من كرسي إلي آخر وفقاً لرغبات الوزير! فإذا أضفنا إلي ذلك سرقات الآثار الكثيرة المتكررة التي لم تشهد مصر مثيلاً لها ـ بعد سرقات دار الكتب والوثائق القومية ـ قضية الآثار الكبري علي سبيل الإشارة، نجد أننا شهود علي سرقة تاريخ مصر علي المستويين المادي والرمزي.فشل المؤسسة الرسميةإن فشل المؤسسةِ الثقافية المصرية الرسمية في إفادةِ المحتاجين الحقيقيين إلي المعرفة بكل مستوياتِها، فضلاً عن عجزها عن الاستفادةِ من العقلِ الثقافي العام وتوظيفِه في التنمية الثقافية الحقة، كانت إحدي نتائجه المباشرة قيام المؤسسات الثقافية بالهيمنة علي معظم النتاج الثقافي وصبِِّه في مشاريعِ نشرٍ مشروطة بوضعٍ يتحاشي مراجعةَ السياسي، والجنسي، والعقائدي، الأمر الذي تسبب في ملازمة المثقفين لردهة المؤسسة، ووضع كتاباتهم في مساحاتها الآمنة، حيث مورست علي المثقف المصري أشكال مختلفة من العنف الرمزي بوعي أو دون وعي، مما خلق عبر عشرين عاماً سداً منيعاً حال دون قيام مثقفين فاعلين بأدوارهم علي مستوي الممارسة، وأخر تأثيرهم في موقعهم الاجتماعي المفروض أن يكونوا فيه، كما سحب قطيعاً كبيراً منهم إلي واجهة إعلامية للاستفادة منهم ـ باعتبارهم مستشارين.. وخبراء كلام ـ كونهم أنجح فئة قادرة علي تحوير شكل السيطرة الذي تفرضه المؤسسة الثقافية القائمة، وتبرير ممارستها في الآن ذاته، هدماً لآليات التقويض، وزيادة في التأثير، مما ساعد المؤسسة الثقافية ممثلة في وزير الثقافة وكبار الموظفين والمنتفعين علي إخفاء سيطرتها، وتكثيف شرعيتها، بحيث أصبح عدد كبير من المثقفين المصريين خاضعا لآليات السلطة ولمفاهيمها عن القيمة وإنتاجها، مكتفين بالتعاطف السلبي مع قضايا الواقع المطروحة، ومتخفين من وراء طرح الأسئلة والإجابات، الأمر الذي جعل علاقة المثقف المصري بخطابه هي محضَ علاقتِهِ باللغة، دون اهتمامٍ بالممارسة، وكأن الاختلافَ بين وعي المثقف وغير المثقف هو محضُ اختلافٍ في لغة هذا الوعي! وقد عاينا ـ في فترة الوزارة الحالية التي امتدت إلي ثمانية عشر عاماً ـ أزمة ثقافية سببها المثقف والأكاديمي الذي خضع لإغراءات مادية ورمزية، ولعطايا ومنح مادية ورمزية استخدمها السياسي لإخضاعهم ـ منهم أسماء كانت من أشد توجهات اليسار راديكالية ـ دخلت إلي الحظيرة برغبتها ـ علي حد تعبير فاروق حسني ـ فهم جديرون به وهو جدير بهم! فأضحينا الآن شهوداً علي أسماء محنطة لمثقفين وأنصاف مثقفين شغلت الجهاز الإداري لوزارة الثقافة استخدمتهم المؤسسة ـ كما استخدموها ـ وتلاعبت بهم ـ كما تلاعبوا بها ـ أسماء علي مدار عقدين من الزمن استطاعت أن تستوعب أتباعاً وصحافة أدبية وشعراء وكتاباً ونقاداً وأدباء ـ منهم من يفتخر بأنه دخل إلي الحظيرة بشروطه! . في هذا المناخ ـ وفي السنتين الماضيتين تحديداً ـ علت في مناخ الحركة الثقافية أصوات نقد متصل وجارح لوزارة الثقافة وموظفيها الكبار بشكل زاعق وحاد، خصوصاً بعد رفض الكاتب صنع الله إبراهيم لجائزة الرواية، هذا الرفض الذي كان بمثابة صيحة تحذير، حيث شهدت الحركة الثقافية المصرية بعد ذلك تكوين جماعات ثقافية مختلفة حاولت أن تقدم رؤية بديلة للمشروع الثقافي، منبهةً إلي خطورة الدور الذي يلعبه المثقف الإداري في استيعاب المحيط الثقافي بكل ألوان طيفه.. من أقصي اليمين إلي أقصي اليسار من أجل مصالح فئات سياسية لا تمثل الشعب، من أجل المستفيدين من وجود هذه الإدارات الثقافية التي لا تملك الحد الأدني من الرؤية! فضاءات الاتصال والاعتزالومع تنامي هذا النقد اللاذع، وتنوع أساليب الاعتراض علي السياسات الثقافية القائمة، غادرنا ما يسمي الأزمة الثقافية.. وبتنا نعيش ثقافة أزمة! الأمر الذي يفسر قيام عدد كبير من المثقفين بتكوين أكثر من تجمع أهلي ومدني عبروا من خلاله عن الرفض الثقافي لسياسات المؤسسات القائمة مثل جبهة الثقافة الوطنية و أدباء وفنانون من أجل التغيير وغيرهما. والغريب أن يتم الإعلان في جريدة معارضة الكرامة عن جبهة مثقفين جديدة ـ بخلاف جبهة الثقافة الوطنية ـ بها أعضاء من أعتي ممثلي السلطة الثقافية القائمة، الاسم الأول فيها كان ملحقاً ثقافياً في أكثر من سفارة مصرية في خارج مصر، وكان مديراً لدار الكتب والوثائق القومية، ولا يزال رئيس لجنة الدراسات الأدبية في المجلس الأعلي للثقافة! أما الأسماء القيادية الأخري فكلها أعضاء في لجان وزير الثقافة ـ فهل هي محاولة سياسية مقصودة لاستيعاب الهامش الثقافي؟ والسؤال المطروح هو لمَ لا ينضم وزير الثقافة إلي هذه الجبهة؟ هذا المشهد مثالٌ حي للفصام الثقافي الذي نعاينه في واقعنا الثقافي والإعلامي اليوم.تُعد ثقافة الأزمة من جانب آخر نتيجة غير مباشرة لمجموعة من الأمراض المجتمعية التي سببها المشروع السياسي القائم المنهك سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، هذا المشروع الذي عجز عن تجديد دمه، أو إبطاء لوكيميا مستشرية في عروقه علي أقل تقدير، مشروع سياسي يعاني من تراجع مستمر لا يرجع إلي الفساد الإداري علي كل مستويات الإدارة في الدولة فقط، بل يرجع بشكل أساس إلي غياب الإرادة السياسية القادرة علي صنع دولة قوية علي المستويين العسكري والمدني، علي حشد شعبها حول مشروع، علي التعبير ولو جزئياً عن أحلام الناس ومستقبلهم ورغباتهم، وهو وضع أري أن مصر غير مؤهلة له، بل لن يحدث في المستقبل القريب إلا إذا توافرت عناصر ثلاثة: العنصر الأول: الشعور بالانتماء إلي مشروع قومي ـ وهو ما لم يُطرح من الحزب الحاكم طوال فترتي السادات ومبارك أصلاً ـ كي يكون المواطن مسؤولاً عن أمل جمعي، مراقباً لأدائه من أجل أهداف قومية أبعد مدي، فنحن لا ننتمي إلي شيء إلا إذا آمنا بشرعيته، بجزء من شرعيته علي أقل تقدير وهو ما لا تحوزه المؤسسة السياسية القائمة يقيناً. إن خطورة تنامي الشعور العام بعدم الانتماء ـ بين فئات ثقافية وعلمية كثيرة ـ إلي المجتمع القائم، يشير إلي الإقرار بعدم أهلية هذا المجتمع، وافتقار مؤسساته إلي الحد الأدني من الشرعية.. الأمر الذي يؤدي إلي إفقادِ الطلائع الثقافية والسياسية والاقتصادية والأكاديمية تأثيرَها علي سياسات الدولة، ويجعل أخطاء النظام السياسي شديدة الفداحةِ والضرر. العنصر الثاني: هو غياب مشروع ثقافي بالمعني الواسع للمفهوم، هذا المشروع الذي بدأ واعداً مع ثروت عكاشة، ثم أصبح دعائياً وهامشياً يستغله الجهاز البيروقراطي في الدولة وأتباعه، ومن يعمل معه وله وفيه، أسوأ استغلال. إن سوء التشخيص الاجتماعي والسياسي لمشكلات مصر وجه أنظار الوعي العام إلي التركيز علي أن مشكلتنا الحضارية تكمن في الجوانب الاقتصادية.. وقد مسَّ هذا التصور وعي النخب السياسية أيضاً، ويمكن بسهولة أن أشير في هذا الصدد إلي غياب فادح لموقع الثقافة في برامج المرشحين العشرة لرئاسة الجمهورية، فضلاً عن ثانوية الثقافي بالنسبة إلي الأحزاب السياسية القائمة برنامجاً وممارسة! إن قضية الإرهاب في حقيقتها ليست قضية أمنية بل قضية ثقافية، مثلها مثل قضية البطالة، ومثل قضايا العولمة والتحدي الحضاري الذي يفرضه المركز علي دول الأطراف.. إلي غير ذلك، أما أخطر آثار هذا الوضع الثقافي المتردي فهو أن المواطن المصري قد فقد ثقته بتغيير واقعه وبقدراته، فأصبحنا نعاين غياب توازن حاد بين الوعي الثقافي والتنظيم الثقافي الناشئ عنه، القادر علي إحداث تغيير اجتماعي.العنصر الثالث: يتطلب حضورنا في المشهد الحضاري العالمي، في ظل سياسات العولمة، من أي نظام سياسي له حد أدني من الوعي، دعم هوية ثقافية قومية مقاومة تضع جزءاً من حضورها الثقافي الفاعل في المجال الدولي، وهو ما لن يتم إلا عبر ثقافة مقاومة تُلجئ ما يسمي الآخر أو المركز إلي القبول بالمشاركة أياً كانت نسبتها. أتكلم هنا عن الهوية بوصفها متخيلاً يمكن أن يحدث تأثيراً نهضوياً في أي مجتمع، عن هذا الحس العام الذي يمكن أن يربط قيادة سياسية ذات مشروع بشعبها. يحتاج ذلك إلي مطلبين أساسيين الأول: التخطيط الاستراتيجي وهو ما يرتبط بالتوصيف الإستراتيجي Strategic Formulation القائم علي قراءة تحليلية للبيئتين الداخلية والخارجية، وعلي اختيار إمكانات التطوير الفعلية التي يمكن اتخاذها، (نموذج الاتحاد الأوروبي الذي يسعي في المدي القريب إلي خلق وحدة أوروبية فاعلة ـ بعد نجاحه الجزئي علي المستوي الاقتصادي ـ بالرغم من الاختلاف الشديد في تكوين مجتمعات الاتحاد الأوروبي ودوله، ووفرة عوامل الصراع والتنافر بينها علي مستويات مختلفة من لغة وعرق وأنماط وتقاليد وأعراف اجتماعية وغيرها، مقارنة بدول العالم العربي علي سبيل المثال، الأمر الذي يطرح بقوة، إمكانية خلق هوية علي المستوي العملي رغم عدم توافر الظروف المساعدة علي ذلك،أو عدم كفايتها أو كفاءتها، إذا توافر تخطيط استراتيجي علمي لذلك، ووُضِعَ في مرحلة النفاذ، ولن أتطرق هنا إلي النموذج الصهيوني في فلسطين!)، والثاني: توافر الإرادة السياسية وهو ما يرتبط بما يسمــــي التوظــــيف الاســــتراتيجــي Strategic Implementation (نموذج باكستان التي نجحت في امتلاك سلاح نووي رداً علي تهديد برنامج الهند النووي، بالرغم من وضعها الاقتصادي، الأمر الذي فشلت فيه الأنظمة العربية بشكل مفرد أو جمعي). تقييم للفعل الثقافي لا يعني هذا النقد أن المؤسسة الثقافية المصرية لم تفعل شيئاً فهذا غير صحيح أيضاً، ولكننا نحكم علي المسافة الواقعة بين ما تعلنه المؤسسة من مشاريع وما حققته فعلياً منها، عن العلاقة بين التماسك المشير إلي رؤية والتخبط الذي لا يشير إلا إلي أثر! فالسؤال ليس في الأثر المادي من أبنية وهياكل إدارية وخلافه بل في التأثير، تأثير هذا الإنفاق علي الواقع. فعلي الرغم من الاهتمام الذي تبديه الدولة لمسألة الثقافة علي مستوي الإنفاق المالي، فإنه لا يختلف أحد علي أن جانباً كبيراً من هذا الانفاق عديمُ الجدوي، ويذهبُ مثلُ الدعمِ إلي تجارِ الثقافة الذين احترفوا التكسب والفساد. إن معظم الأنشطة التي تقوم بها المؤسساتُ الثقافية الرسمية لم تسعَ للمثقف من أجل فائدة الجمهور، بل سعت لمصلحة المؤسسة والقائمين عليها علي حساب الاثنين، خالقَةً بيئة ثقافية مزيفة، يتم الإعلانُ بلسانها عن أهمية مشاريع المؤسسات الثقافية القائمة، والدفاعِ عنها عبر فئة مستفيدةٍ ذات نفوذ وظيفي وإعلامي، من هنا يأتي التبرير الإيديولوجي للسياسات الثقافية القائمة متلبساً وجهه الرمزي واللغوي، ومغالطته المنطقية.تعاني مصر في ظل وزارة الثقافة الحالية وممثليها وسياساتها من غياب مجموعة من العناصر اللازمة لأية ثقافة كي تنهض اجتماعياً; فبالإضافة إلي أهم عنصرين وهما تردي أحوال الكتاب والمبدعين المادية والثقافية، وغياب استراتيجية ثقافية واضحة في ظل الشرط الحضاري المعاصر، يمكن أن نلحظ غياب بنية ثقافية حقيقية تحتية من دور عرض صالحة أشير إلي كارثة مسرح بني سويف ، ومراكز ثقافية مشعة لها دور فاعل في محلياتها، غياب المجلات الأدبية المتخصصة معظم إنتاجنا النقدي والثقافي يذهب إلي الدوريات العربية والأجنبية، مثله في ذلك مثل جزء كبير من فننا وتراثنا التشكيلي! ، غياب إنتاج سينمائي يليق باسم مصر الفني، غياب صناعة كتاب حقيقية علي مستويي الشكل والمضمون.. غياب ترجمة عكسية تغير الصورة الرمزية لنا بأفضل مما هي عليه لدي المجتمع الغربي، يكثر الوزير من الحديث حول إنجازات الترجمة وهو أمر جيد علي أية حال.. لكنه يجهل أن الترجمة العكسية هي ما كان يجب أن يُهتمَّ به، فلم يستفد الواقع الثقافي بأية إسهامات علمية حقيقية لمن لم يقرأ الأصول بلغاتها.. تخيل أيها القارئ معي لو كان هذا الاحتفال هو احتفال بصدور ألف كتاب عربي ترجم إلي اللغات الأوروبية الأساسية الثلاث الإنكليزية والفرنسية والألمانية ! ولا مانع من توافر الترجمتين ولكننا نتكلم عن الأولويات.. فنحن لا نعيش وحدنا منفصلين عن العالم كما كان البعض يظن من قبل، فقد أصبح نجم الصباح هو نجم المساء في السماءات المفتوحة! فعلي سبيل المثال نجح أدب أمريكا اللاتينية ـ وثقافتها المترجمة إلي العربية ـ في تغيير صورة أمريكا اللاتينية لدي المثقف العربي حيث استطاعت الترجمات من الثقافة اللاتينية إلي العربية أن تخلق شعوراً بتفوق أمريكا اللاتينية الأدبي لدي القارئ العربي، مما شكل في العقل الثقافي العربي وصحح معالم الصورة الذهنية لأمريكا اللاتينية ومنحها تقديراً خاصاً. ثقافة الهامشوستظل ثقافة الهامش تقاوم بضراوة العادات الفكرية القارة المعطلة للنهضة في مجتمعها، بما يعنيه ذلك من إعلان العداء للمؤسسة، والتشجيع علي اختراق حائط الإذعان بين المثقف والسلطة، ومساءلة الوجود الاجتماعي بشكل جذري، فهي ثقافة معادية لآليات السيطرة وما تترجمه هذه السيطرة من تجليات سياسية واجتماعية، حيث مارست الثقافة الهامشية في السنوات العشر الأخيرة في مصر جهداً حقيقياً في تعرية آليات السيطرة الثقافية السائدة من أكثرها نعومة، إلي أشرسها قدرة علي الإقصاء والعزل، معادية للتوظيف السياسي والاجتماعي الذي تمارسه المؤسسة الثقافية الرسمية للثقافة، أي انها حاولت بوعي أو من دون وعي أن تفقد الخطاب المؤسسي قوته الرمزية. إن المثقف العضوي يقف خارج أبنية المؤسسة كي يراها أفضل. كي يتسني له التطلع إلي الأمل.. إلي مبادئ ورؤي عليا إلي ممكن جديد وآخر.. أي أنه ينتمي بالضرورة إلي محيط الاستراتيجية لا التكتيك. حيث أحجم عدد مهم من المثقفين المصريين الذين لم تخدعهم إغراءات التكريس عن الاشتراك أو الإسهام الأدبي والإبداعي والعلمي في موالد الثقافة المصرية ومهرجاناتها وصحافتها، فمُنعوا بشكل غير مباشر عن تبادل مخزونهم الثقافي مع مجتمعهم، مما حرم المحتاجين الحقيقيين إلي المعرفة من جزء كبير من فائدة الإنفاق النقدي علي المشروع الثقافي، حيث لم يقم عليه أو يسهم فيه مثقفون مصريون قادرون علي منح هذه المعرفة. وفي ظل سياسات العولمة التي تثقل الحمل الثقافي في دول العالم العربي المثقلة أصلاً، لا يمكن إحداث أي شكل من أشكال التوازن من دون وجود صراع عملي يقوم بالتوظيف السياسي لمجموع القوي الموضوعية المتجسدة أو الكامنة في مجالاتنا العربية المختلفة اقتصادية واجتماعية وبشرية وجغرافية وعسكرية وغيرها في إطار تخطيطي، من أجل حشد أهم الموارد النافعة التي يمكن استثمارها من رأسمالنا الثقافي، ولا أقصد بالتوازن هنا المساواة ولكن أقصد ـ في ظل وضعنا السياسي الحالي ـ القدرة علي المقاومة والصمود، علي أقصي تقدير! أمام وزن الآخر. ففي ظل هذا التعدد الهائل في الخطابات الذي سبب سيادة المصالح الجزئية علي المصالح الكلية للمجموع العربي، وبسبب غياب استراتيجية عربية لها ثوابت محددة علي أقل تقدير، خصوصاً في الجانب الثقافي، غابت مقدرتنا علي الانجاز، وظهر عجزنا عن فهم ما نسميه الآخر وعن التواصل معه، فما الكيفية التي يجب علينا تفعيلها من المؤسسات الرسمية والشعبية لتوظيف رأسمالنا الثقافي علي المستويين الداخلي والخارجي ضمن خطة استراتيجية كلية علي مستوي العالم العربي، يدعمها المثقف العربي العضوي، لتبدأ بالمواطن، وتنتهي بالتلاقح الثقافي الفعال مع ما يسمي الآخر.ہ كاتب وباحث مصري7