إذا كُنت من مواليد التّسعينيات، فستجدُ نفسك، حتما، بين هذه الكلمات. نحن الذين جئنا مُخضرمين بين قرنين، شَهِدنا أفول قرن وشاهدنا ميلاد التّالي. طفولتنا، يا أصدقائي، ملهاة قضيناها أمام البيت، في ساحة المدرسة، في ملعب الحيّ وفي المنتزهات. اصطدنا الفراشات المُلوّنة، تخاصمناعلى الأراجيح، تنافسنا على جمع طوابع بريديّة منسيّة، تبادلنا القصص وألِفنا قراءة المجلاّت.
أتذكرون عيد الأربعاء، حين نقرأ مجلّة «ماجد»، ونبحث عن فضوليّ بين الصّفحات. كسلان جدّا، أحبّه، رغم ما يُبديه من لامبالاة. لم يكُن ولاؤنا للشاشات، كان التلفزيون بوّابتنا الوحيدة نحو القصص الخياليّة والحكايات. أُعجبت بماروكو الصّغيرة، ورأيت في ماجد بطل المعجزات. انبهرت بداي الشّجاع ودهاء كونان في فكّ المُبهمات. بكيتُ مع ريمي، فيوم رحل ”العمّ فِيتالِس” شعرت بأنّي فقدت عزيزا مات. وكم ردّدت معها في شجنٍ :
أنتِ الأمان، أنت الحنان.. من تحت قدميك لنا الجنان..
نحنُ، جيل التّسعينيات، لم نعرف الكثير من المغنّين والمُطربات، لكنّ من عرفناهم علقوا في الذّاكرة رغم مرور السّنوات. لعلّكم تذكرون دهشتنا أمام فيديو كليب لنجوى كرم أو كاظم السّاهر أو عمرو دياب.. كم انبهرنا ببهرج الألوان وفخامة الأزياء ورونق المفردات، وقد نحفظ الأغاني عن ظهر قلب، إذا اشترينا شريط ”كاسيت”.. أمّا الأغاني الغربيّة، فهيهات، كم أخطأنا في نُطق الكلمات!
ولمّا كبرنا، واكتشفنا الهوى، في زمن جميل، لم تغزه بعد ثورة الآلات.. خبّأنا أسرارنا في صندوق عتيق، لم تكن له كلمة سرّ، لكنّنا حفظناه من أعين الوُشاة. وجعلنا الذّكريات في كرّاس سمّيناها، لو تذكرون، كرّاس الذكريات.. نتبادلها لنخُطّ فيها اعترافا بالودّ والوفاء بحروف عربيّة أو أجنبيّة سليمة، ونحرص كلّ الحرص أن لا نُخطئ في رسم الكلمات.. كم كبرنا، يا رفاق الصّبا، ومشينا مع الزّمن نُسابقه علّنا نسرق من الحياة مجدًا مُعلنا.. وضحك المشيب برؤوسنا.. وصار بعض منّا أبا أو أمّا أو عمّا أو معلّما.. فإذا أقبل أطفال اليوم يسألوننا، نستغرب السّؤال.. أنّى لنا أن نعرف سرّ الحياة وكُنهها؟ ألسنا، يا أحبّائي، أطفالا كلّنا؟
إنّنا، كما يقول أحمد خالد توفيق، ”أطفال خالدون، وكلّما تقدّم بنا العمر ازددنا طفولة”.. فلا تأبهوا لسنوات عُمرنا.. وكونوا أوفياء للطفولة مِثلنا..