الطبيعة الانتقالية لانتصارات الإسلاميين الانتخابية

حجم الخط
0

الطبيعة الانتقالية لانتصارات الإسلاميين الانتخابية

د. خالد شوكاتالطبيعة الانتقالية لانتصارات الإسلاميين الانتخابية لن يشق علي كل متابع متزن للمشهد السياسي العربي، إدراك دوافع بعض الأنظمة الحاكمة من تهويل فوز بعض الحركات الإسلامية جزئيا أو كليا بالانتخابات البرلمانية، التي نظمت مؤخرا في بعض الدول العربية، وتصوير الحال علي أنه كارثة محدقة تهدد مصالح القوي الغربية ومكتسبات الحداثة القليلة، وتنذر برجوع العالم العربي إلي المرحلة القروسطية وانقطاعه عن العصر وسقوطه بالكامل في براثن الطالبانية المقيتة.لقد عملت جل الأنظمة العربية ما في وسعها طيلة العقود الماضية، علي إقناع القوي الغربية خاصة، بأنه لا بديل لها في حال سلمت لشعوبها بحقوقها السياسية والانتخابية، إلا قيام أنظمة إسلامية معادية، غاية في الخطورة علي مصالحها، ولعل بعض هذه الأنظمة قد حاول مؤخرا إثبات ذلك بالدليل القاطع، عندما قرر فتح الحنفية الديمقراطية جزئيا، من خلال السماح بمشاركة جزئية للإسلاميين، قادت إلي انتصار محدود لهم، يثبت خطورتهم للخارج من جهة، دون أن يفضي إلي زعزعة أسس النظام الدكتاتوري الفاسد في الداخل من جهة ثانية.ولعل ما انتهت إليه العملية الانتخابية في كل من العراق وفلسطين، وبدرجة أقل في مصر، سيدعم إلي حد ما ـ وبشكل مؤقت ـ موقف طرفين أساسيين في المعادلة الديمقراطية الغربية، أولهما الأنظمة العربية الفاسدة المتمسكة بتسويف ومماطلة المطالب الإصلاحية، وثانيهما بعض المراكز النافذة في الدول الغربية، التي تنظر في أعماقها إلي العرب نظرة احتقارية، وتري فيهم شعوبا لا يمكن أن تحكم إلا بطريقة طغيانية، وأقصي ما يمكن أن تتمتع به الغذاء والدواء علي نحو ما جاء في تصريحات شيراك الشهيرة خلال زيارته التونسية.وعلي الرغم من أن انتصارات الإسلاميين العراقيين والفلسطينيين والمصريين، لم تكن محل ترحيب أو غبطة لدي التيارات العربية العلمانية، المنادية بدورها بالإصلاح والديمقراطية، فإن كثيرا من قادة هذه التيارات قد بدا واعيا بخطورة الوقوع في خديعة الأنظمة الدكتاتورية العربية ثانية، والانخراط في حملات التهويل والتفزيع والتخويف التي تشرف عليها الأجهزة الإعلامية والأمنية والدبلوماسية الرسمية، واختيار منهج النضال الديمقراطي السلمي من أجل التغيير بديلا عن ذلك.وفي سياق هذا الفهم المتوازن لمسألة انتصارات الإسلاميين العرب الانتخابية، فإنه من الحري بالمهتم المهموم بالقضية الديمقراطية في العالم العربي، أن يلفت الانتباه إلي النقاط التالية ذات الصلة:ـ إن الفوز الذي حققته الحركات الإسلامية في بعض الأقطار العربية، دليل علي حقيقة فساد الأنظمة السياسية العربية القائمة، وإثبات لنقمة مواطنيها عليها وكفرهم البواح بسيرتها وكراهيتهم لاستمرارها، فالتجاء الناس إلي المرجعيات الدينية أو القومية بشكل جارف وحاد إنما يحدث غالبا في ساعات الأزمة وأوقات الشدة، عندما يتغلب الشعار علي البرنامج، وتنتصر المشاعر علي الأفكار والتحليلات العقلية، ولا شك أن نظرة المجتمعات للقضايا عادة ما تتغير عندما تستقر الأوضاع وتسود نسبيا حالة من الأمن والرخاء.ـ لقد عملت الأنظمة العربية الفاسدة خلال نصف القرن الماضي، علي ضرب وتحطيم قوي ومنظمات المجتمع المدني، من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات ومؤسسات حقوقية، وقد بقيت التيارات الإسلامية خاصة ـ والتيارات العقائدية عموما ـ وحدها الناشطة علي الساحة بأشكال سرية، مما قضي علي أي إمكانية لتطور أحزاب سياسية مدنية قادرة علي المنافسة الانتخابية بطريقة جدية، ولا شك أنه لو كانت الأجواء السياسية القائمة في البلدان العربية أكثر أريحية وأقل إرهابا وديكتاتورية، لجاءت نتائج الانتخابات الأخيرة مغايرة، أقل استقطابا وأكثر تعددية، فلقد شارك الإخوان المسلمون في انتخابات مصرية وسورية خلال الأربعينيات والخمسينيات، ولم تكن حصيلتهم خارقة للعادة علي نحو ما جري في الأشهر الأخيرة.ـ لقد أبدي الإسلاميون الفائزون في انتخابات العراق وفلسطين ومصر، وقبل ذلك في اليمن والمغرب والكويت والأردن والجزائر، تشبثا قاطعا بقواعد العملية الديمقراطية، ولم يطرحوا ـ في غالب الأحيان والأماكن ـ ما يمكن أن يستشف منه رغبتهم في الانقلاب علي هذه القواعد، أو الاستفراد بالعملية السياسية، بل إن غالبية قادتهم قد حرصوا علي التأكيد علي أن حركاتهم جزء لا يتجزأ من الحركة الديمقراطية والإصلاحية، وأن طموحهم منصب علي المساهمة مع الآخرين في مقاومة الأنظمة الديكتاتورية والعمل علي إقامة أنظمة ديمقراطية ودول ذات مؤسسات دستورية فعلية. ومن هذا المنطلق فإنه سيكون من الضرر بالمشروع الديمقراطي العربي بمكان، إعمال منطق التفتيش في النوايا وأخذ الإسلاميين بجريرة تصريحات بعضهم أو سقطات قلة منهم أو ميل أفراد منهم إلي العنف والتطرف في بعض النقاط من تاريخهم، حيث يظل الأفضل من كل هذا تشجيع كافة التيارات والقوي السياسية العربية علي مراجعة نقاط ضعفها والتزام النسبية والاعتدال في مواقفها والعمل علي الالتقاء مع غيرها في المرجعية التعددية والديمقراطية والحقوقية.ـ إن انتصارات الإسلاميين الانتخابية لا يمكن إلا أن تكون واحدة من خيارين، فإما مؤقتة وانتقالية إذا ما كانت النية إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية، ففي ظل الديمقراطية لا يمكن أن يفوز تيار سياسي إلي الأبد بالانتخابات، ولا بد مثلما ربح مرة أن يخسر أخري، ومثلما وصل إلي السلطة لا بد من أن يمارس المعارضة، وإما نهائية ومطلقة إذا ما اتضح أن نيتهم إقامة أنظمة شمولية وديكتاتورية، وساعتها سيكونون امتدادا للواقع الراهن بشعارات دينية هذه المرة، وسيتواصل النضال الديمقراطي ضدهم، ليكون مصيرهم اللعنة وخاتمــتهم نهاية الطغاة الحتمية.ـ وعلي افتراض استقرار الأنظمة الديمقراطية في العراق وفلسطين ومصر، حيث فاز الإسلاميون من خلالها بالانتخابات، واستمرار هذا الفوز لدورات متعاقبة بطريقة نزيهة وشفافة، فإن المجتمعات التي شهدت هذا الفوز، ستكون قد ربحت قوي سياسية ايجابية وفاعلة، تماما كما ستكون الديمقراطية قد ربحت أيضا أحزابا وشخصيات أثرت مشهدها وقوت عودها وخدمت مواطنيها بكل إخلاص وجدية.ـ وإن أهم ما يجب طرحه في الوقت الراهن بخصوص هذه المسألة، أن يقيد الإسلاميون وغيرهم بمواثيق وقوانين والتزامات سياسية ودستورية، تعدم عملية اغترارهم بأنفسهم وتحول في حال أغرتهم نتائجهم الانتخابية، دون سقوطهم مجددا في براثن الاستفراد بالسلطة والاستبداد بالعملية السياسية، فالمشروطية هي أهم قواعد حماية الديمقراطية، والتفريق بين السلطات وتقسيم الصلاحيات القيادية ووضع ثوابت دستورية آليات يمكن أن تقف في وجه أية مشاريع ارتدادية.ـ والثابت في كل الأحوال، ومن خلال تجارب الأمم الأكثر عراقة في ممارسة العملية الديمقراطية، أن الإسلاميين قد يفوزون لمرة واحدة بالانتخابات بالاعتماد علي الشعارات الكبري والتواكل علي سطوة وبريق الحلول الإسلامية، غير أنهم لن يفوزوا باستعمال الوسيلة نفسها لدورات عديدة، وسيكونون مجبرين علي محاسبة ناخبيهم في المناسبات التالية بما حققوا من انجازات وما قدموا من كفاءة وخدمات. ـ وأخيرا، فإنه لا مناص من القول بأن الناخب العربي، سينتخب بمشاعره وعواطفه الدينية والقومية خلال مرحلة انتقالية، لكنه حتما سينتخب بعقله وبالاعتماد علي البرامج والمنجزات العملية خلال المراحل اللاحقة..فوز الإسلاميين إذا، مرحلي بالضرورة، والخوف منه خدعة يجب ألا تنطلي علي العاملين من أجل الديمقراطية والحالمين بالحرية. ہ كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي ـ لاهاي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية