“الجوكر” الأمريكي يبعث في تظاهرات لبنان… هتافات ضد جوليا بطرس… وكيف تغطي إيران آراء الشارع؟

حجم الخط
6

مواقع الكترونية وفضائيات عديدة نقلت صوراً مختلفة من التظاهرات اللبنانية الأخيرة تحت عنوان الطرائف والمنوعات، من بينها صور لشخصية “الجوكر” في الفيلم الأمريكي، الذي يشغل العالم على نحو استثنائي هذه الأيام.
“الجوكر” اللبناني تجوّل بين المتظاهرين، بوجه ملوّن أو بأقنعة باسمة. التُقطت له صور أمام نيران الدواليب المشتعلة، أو رافعاً العلم اللبناني، وبدا وديعاً يقف على رأسه الطير. لكن لمن شاهد الفيلم، أو عرف مجرياته عبر قراءات صحافية عديدة، لا بدّ سيدرك أن تحت ذلك القناع الباسم طبقات متراكمة من مشاعر وانفعالات واحتمالات ردود أفعال، ليس من الصعب، في ضوء أحداث الفيلم، توقّعها.

“الجوكر” اللبناني تجوّل بين المتظاهرين بوجه ملوّن أو بأقنعة باسمة. التُقطت له صور أمام نيران الدواليب المشتعلة، أو رافعاً العلم اللبناني، وبدا وديعاً يقف على رأسه الطير

يحكي الفيلم سيرة مهرج مهمش، عاطل عن العمل، يفشل مرة تلو المرة في أن يكون مهرجاً مضحكاً، ومع كل محاولة جديدة يتعرض للسخرية، وللتهميش أكثر. يضايقه ثلاثة شبان مرفهين في المترو فيطلق النار عليهم، مفتتِحاً بذلك مسيرته الجديدة كقاتل، يتلمس وجوداً مختلفاً، عندما يتحول إلى أيقونة لدى جمهور أراد هو أيضاً الانتقام لنفسه.

الفيلم ليس مجرد سيرة شخصية، فهو يجسد صراع المعدمين مع نظام شامل من الفقر وانعدام شروط الحياة الكريمة، في مدينة تلفّها النفايات والجرذان.
إثر عرض الفيلم تواترت الأخبار حول مخاوف السلطات الأمريكية من أن يثير الفيلم عنفاً أو قلاقل أو حتى جرائم قتل. البعض فسّر الأمر على أنه خوف من تكرار حادثة قتل راح ضحيتها اثنا عشر قتيلاً في صالة سينما إثر فيلم سينمائي آخر فيه أيضاً تجسيد لشخصية الجوكر، فيما اعتبر آخرون أن الخوف بسبب دعوة غير مباشرة إلى التمرد السياسي.
حتى الساعة، ما زال الجوكر اللبناني هادئاً، في منتهى “الرواق” ما دام الأمل ممكناً والجو آخر حلاوة وغناء ومشاعر طيبة. لكن غداً، ربما، يوم آخر.

“ملايين” جوليا بطرس

لا شك أن متابعي الحدث اللبناني يتساءلون، لدى مشاهدة هتافات وشعارات اللبنانيين على الجدران ضد المغنية جوليا بطرس، لماذا؟ وما علاقتها؟ وهل الثورة خالية البال إلى حدّ الالتفات إلى مغنية وتكريس جزء من هتافاتهم لها؟!
لكن جوليا ليست أي مغنية، فهي اليوم تمثل مفارقات عديدة، هي أولاً زوجة وزير الدفاع اللبناني الياس أبو صعب (ليس أي وزير)، ويبدو أن من سوء حظها أن يستخدم المتظاهرون أغانيها الثورية للتعبير عن غضبهم وسخطهم على النظام القائم (الذي يمثل زوجها أحد أقطابه).

تغني جوليا “يا ثوار الأرض”، وحين يثور المحرومون تصمت، تنأى بنفسها عن وسائل التواصل الاجتماعي هرباً من هذه المجابهة العسيرة. لمن كانت تغني إذن، من هم المحرومون، ومن هم طغاة الأغنية؟

منذ سنين طويلة سألت جوليا في أغنية لعلها الأشهر عربياً: “وين الملايين؟”، لكن الجواب يأتي بالضبط حين تكون المغنية هدفاً لهؤلاء الملايين، لا لأنها زوجة وزير سيادي في حكومة فاسدة مشلولة، ولا بسبب صورتها في حنان الجنرال ميشيل عون “بي الكل”، كما سمته في تغريدة، بل لأنها باتت تدور منذ زمن طويل في فلك النظام الممانع، أليست هي من غنى “أحبائي”، المجترحة من خطاب لزعيم “حزب الله” حسن نصرالله!
تغني جوليا “يا ثوار الأرض، ثوروا عالطغيان، ثوروا عالحرمان”، وحين يثور المحرومون تصمت جوليا، تنأى بنفسها عن وسائل التواصل الاجتماعي هرباً من هذه المجابهة العسيرة. لمن كانت تغني إذن، من هم المحرومون، ومن هم طغاة الأغنية؟
أسماء كثيرة خطرت في بال تظاهرات اللبنانيين الغاضبة، للتفقّد والسؤال، لكن جوليا بالذات كانت تحت سياط المتظاهرين. هذه الثورة تعرف جيداً من هم خصومها.

الشعب يلتقي نفسه

لم تكد تبدأ المظاهرات في لبنان حتى بتنا نسمع أجمل القصص، وأحزنها أيضاً. هذه بادية هاني فحص، ابنة رجل الدين الاستثنائي والكاتب الراحل هاني فحص، تكتب وتصف كيف التقت ابنها في مظاهرة النبطية بعد أحد عشر عاماً من الغياب، ابنها المسلوب منها بقرار محكمة ظالم. تقول “قررت أنزل على الاعتصام بالنبطية حاملة أمنية بقلبي عمرها 11 سنة.. فكتبت على كرتونة بيضا زغيرة “بدي شوف ولدي” ووقفت بين الناس. دقايق قليلة وصارت هالجملة المختصرة هي المظاهرة”.
تروي فحص حماس الشبان الذين ساعدوا في العثور على ابنها. أخيراً ستجد نفسها أمام ابنها، وجهاً لوجه، وبينهما ستقف جملة أنظمة ممانعة، تحرمها من حق احتضان وتقبيل ابنها. تتحدث الأم بألم عن “نماذج من الناس تستقوي بالشرع.. وبسلطة الأمر الواقع، التي تحتكر الحق والحقيقة”، و”ما استقوت ولا استكبرت واستضعفت الأمهات والأطفال إلا بظل هيك نماذج من السياسيين”.

بإمكان اللبنانيين أن يتعرّفوا أنفسهم في المظاهرات، أن يلتقوا بأنفسهم، لولا هذه البنادق المشرعة والأصابع التي تلوّح بالتهديد، التي تحمي الفساد والمفسدين والمزورين والظالمين.

ثم تختم فحص بصب غضبها وشتائمها على “شرعكم وقضاتكم ومحاكمكم ورجولتكم وعهركم وحزبكم الذي يتلهى بالانتصارات الإلهية، وحركتكم المستمرة بزنود الفاسدين والزعران”.
بإمكان اللبنانيين أن يتعرّفوا أنفسهم في المظاهرات، أن يلتقوا بأنفسهم، لولا هذه البنادق المشرعة والأصابع التي تلوّح بالتهديد، التي تحمي الفساد والمفسدين والمزورين والظالمين.
وبالمناسبة، ألا تجدون هنا شيئاً من حكاية “الجوكر”، الفيلم الأمريكي، في بحث بطله المتمرد عن أب، أم، وعن وجود؟

 

 

“العالم” الإيرانية في المظاهرات!

تعنون قناة “العالم” الإيرانية أحد فيديوهاتها بـ “كاميرا العالم تستطلع آراء الشارع اللبناني بالمظاهرات”. يأخذك الفضول لتستكشف كيف ستتناول قناة معنية بالوضع تلك التظاهرات، كيف ستختار ضيوفها.
يلتقي مراسل القناة في بيروت بجنرال متقاعد، ستعرف على الفور أن القناة كانت على موعد معه، فالرجل يقول إنه جاء كي يسجل موقفاً باسمه وباسم رفاقه في “التيار الوطني الحر”، وليقول إن المتظاهرين يتبنون مطالب “التيار الوطني الحر” نفسها. كما يحذر من أن إسقاط الحكومة في الشارع له عواقب.
شاهدٌ آخر لن ينتقد من الطبقة السياسية سوى الحريري، يهجوه شعراً يقول “هذا سعد خروف”.
فيما يحذر الأخير في التقرير “القوات اللبنانية” و”الكتائب” من مصادرة الحراك.
في فيديوهات أخرى، ستكون الأكثر مشاهدة، سنرى كيف يقاطع لبناني مراسلة “العربية” ريما مكتبي ويصرخ في وجهها “السيد حسن تاج راسكم”. الأمر ذاته يتكرر في رسالة أخرى لمكتبي.
وفي الواقع، كل هذا لم يكن مفاجئاً أبداً. لم نكن لنتعرف على القناة الإيرانية لو فعلت شيئاً مغايراً.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية