صلاح بوسريف’ إقرئي لكي تَحْيَيْ ‘. هذا بعض ما كان كتبه غوستاف فلوبير، في رسالةٍ للآنسة شانتيبي، في العام 1857. صيغة الأمر، هي نفسُها التي نجدها في مثل هذا النوع من النِّداء، كُلَّما تعلَّقَ الأمر بالقراءة.
في القرآن، كان هذا الفعل هو ما تَوَجَّهَ به الله، إلى النبي، قبل أن يأمره بنشر الدعوة. فالقراءةُ، كانت سابقةً على الدعوة. لا يمكن لمن يحمل ‘ رسالةً ‘ أن يكون جاهلاً بموضوعها، وما جاء به الرسول، كان ديناً جديداً، ودعوةً للإيمان بمُعْتَقَدٍ، ليس هو ما يعرفه الناس، أو ما كان سائداً بينهم من مُعْتَقَدَاتٍ. محمدٌ، كما عرفه الناس، لا يعرف القراءةَ والكتابةَ، فهو ‘ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ ‘، بما عَنَتْهُ الأمية، في قول للرسول نفسه، ‘ إننا أُمَّةٌ أُمِّيَةٌ لا تعرف القراءةَ والحساب ‘. لم يكن العرب، قبل مجيء الإسلام، يعرفون الكتابةَ، وكانت ثقافتُهم شفاهية، تقوم على الحفظ والسَّماع. ولعلَّ في حرص الرسول، على تعليم المسلمين الكتابةَ، على يد الأسرى من غير المسلمين، مقابل إطلاق سراحهم، ما يُؤَكِّدُ أهمية القراءة، أو المعرفة، بمعنى التَّعَلُّم، التي حَرِصَ المسلمون على نشرها، وعلى اعتبارها من مقومات المجتمع الجديد الذي يعملون على تأسيسه.
لسنا بصدد، ما حملته كلمة ‘ أمية ‘ من تأويلاتٍ، وما وقع حولها من اختلاف، في التأويل. ما يعنينا، هنا، هو وضع القراءة، أو وضع ‘ الكِتَاب ‘، في الثقافة العربية الإسلامية، والمكانة التي أَوْلَتْها هذه الثقافة للقراءة، كشرط لفهم الدين، ولاستيعاب مضامينه، وكأساس لبناء ثقافة جديدة، في مقابل ثقافةِ اللِّسَان التي كان الشِّعر هو التعبير القوي عنها.
عبر تاريخ الثقافة العربية، كان الكِتابُ أحد المكونات البانية لمفهوم هذه الثقافة، وكانت المكتبات، وما ستعرفه فترة حُكم العباسيين من اهتمام بالنقل والترجمة، و العمل على جَلْب الكُتب من بلاد اليونان، في مختلف العلوم، وفتح أوراش الترجمة، بشكل غير مسبوق على عهد المأمون، بشكل خاص، إحدى أولويات بناء الدولة عند العباسيين. فبناء ‘ بيت الحكمة ‘، والاهتمام بمكتبات المدارس، وتشجيع الطُّلاب على القراءة، وازدهار المِهَن المرتبطة بالكِتَاب، مثل صناعة الورق، وحِرْفَة الورَّاقين، والنُّسَّاخ، صارت كلها من مظاهر ازدهار القراءة، وانتشارها، ومن مظاهر اهتمام الدولة بالقراءة، وبـ ‘ سياسة ‘ نشر المعرفة، أو ما نعتبره اليوم، من أُسُس بناء ‘ مجتمع المعرفة ‘. فـ ‘ للقراءة تاريخ ‘، كما في تعبير لروبرت دارنتون. هذا التاريخ الذي لا يَخُصُّ الثقافة العربية وحدها، فهو تاريخ إنساني، وتاريخ يعود بنا إلى الحضارات الإنسانية القديمة. فالآشوريون، وقبلهم السومريون والبابليون، في تاريخ بلاد الرافدين، أو العراق القديم، كانوا بين أقدم الحضارات الإنسانية التي وضعت القراءة ضمن أوَّل اهتماماتها، وكانت ‘ الدولة ‘، هي المُحَفِّز الأوَّل على القراءة، وعلى بناء وتأسيس المكتبات، رغم ما كانت تتطلَّبُه الكُتُب التي كانت عبارة عن رُقُم طينيةٍ، من جُهْد في إعدادها، وفي حَفْر المعطيات عليها، وفي تخزينها، أي قبل أن تظهر وسائط أخرى للكتابة والتدوين، كان أهمها الورق، الذي كان نَقْلَةً نوعيةً كبيرةً في تسهيل نقل المعارف وتداوُلِها، وسهولة حَمْلِها، وتخزينها.
فآشور بانيبال، كان من المُهْتَمِّين بنشر المعرفة، وببناء المكتبات، ما ساعد على انتشار القراءة، واختصاص الآشوريين بالمعرفة، أو بما أتاحته ّ الدولة ‘، من إمكانات لنشر الكُتُب وتداوُلها؛ خصوصاً عبر مكتبات المدارس التي عرفت انتشاراً وازدهاراً كبيرين في هذا التاريخ.
الاستقرار الثقافي والمعرفي، والخصوصية الثقافية للمجتمع، والتكوين الفكري والعقلي للإنسان، هو أحد التعبيرات القوية عن الاستقرار الأمني لهذه الأمم والحضارات التي أدركت، منذ وقت بعيدٍ، أنَّ المجتمعات التي لا تُولِي أهمية للثقافة والمعرفة، ولتكوين الإنسان وتثقيفه، هي أمة هَشَّةٌ، قابلةٌ للانهيار، في أية لحظة، لأنها، ببساطة، أُمَّة لا عقلَ لها، أو أمة لا تعرف ما يعنيه العقل، باعتباره مُنْتِجاً للقيم والأفكار، وبانياً للنُّظُم، وضامناً للاستقرار، بكل ما تحمله كلمة استقرار من دلالات، ومعانٍ.
هذا ما أدركته الحضارات القديمة، التي كانت تواجه غَزْوَ غيرها من الحضارات والثقافات المجاورة لها، وهذا ما أدركه المسلمون بانفتاحهم على الثقافات المجاورة، وبنقلهم لِنُظُم الإدارة، من الثقافة الفارسية، ولِنُظُم الرَّيِّ والهندسة والحساب، من خلال ما ترجموه من كُتُب يونانية وسُريانية. فما ذهب إليه القرآن، في الأمر بالقراءة، لم يكن قاصراً على القرآن وحده، أو على المسلمين دون غيرهم. قراءة الكتب السماوية الأخرى، مثل التوراة والإنجيل، تضعُنا في مواجهة أهمية الكلمة، التي كانت هي الْبَدْء. ألم يكن الخلقُ، في أصله كَلِمَةً؛ أن يقول للشيء كُن فيكون؟
فالأمر بالقراءة، هو دعوة لتأمُّل الوُجود، ومُوَاجَهَة لمعاني هذا الوُجُود، وما يَحْفَلُ به من أسرار ومَعَانٍ. فما وصل إليه الإنسان من عِلْم، ومن معرفة، هو حاصِل هذه المواجهة، التي كان بَدَأَها الإنسانُ بالتأمُّل، وبالتَّدَبُّر، وقبل أن يضع الإنسان يَدَهُ على الأبجدية، أو يكتشف الخط والكتابةَ، فهو كان يُجْرِي الكلام باللَّفْظِ، وحتى عندما أصبحت الكتابةُ شائِعَةً، في بعض الحضارات القديمة، مثل الحضارة الرومانية، فالقراءة الجَهْرِيَة، كانت أكثر انتشاراً، ولها تأثير كبير على المستمعين، ممن كانوا يُحِبُّون ‘ القراءة ‘، أو الإنصات.
كانت الكُتُب تُقرأ عَلَنِيَةً في البيوت، وكان من الشائع أن يقوم الكاتب نفسه بقراءة كتاب أمام أصدقائه، في بيوتهم الخاصة، أو في بيوت هواة الكِتَاب، وأصحاب النفوذ. الأشخاص الذين كانوا يقومون بالقراءة الجهرية في مثل هذه المناسبات، كانوا يُعْرَفُون بـ (l’ctores) أو (recitatores). ومعروف، كما يشير د.
ألكسندر ستيبتشفيتش، أن الشاعر فرجيل، قام بإلقاء مقاطع من ملحمة ‘ الإنياذة ‘، أمام الإمبراطور أغسطس وأصدقائه. وكانت هذه الطريقة تساعد في نشر المعلومات الأولى عن الكتب الجديدة، لأنَّ بيوت الأغنياء، كانت كثيراً ما تجمع العلماء والشعراء والفلاسفة. كما أن عادة الإلقاء، كانت منتشرةً في الأماكن العامة.
بالعودة إلى ما جرى بين سقراط والشاب فيدروس، الذي رَغِبَ في قراءة خطبة لوسياس على سقراط، وكان قد حفظها عن ظهر قلب، يمكننا أن نَسْتَشِفَّ، موقف سقراط من الكتابة، ودور الذاكرة في خدمة المعرفة.
قَصَّ سقراط على فيدروس رواية الإله المصري ثوث، مخترع النرد والشطرنج والأرقام وعلم الهندسة والفلك والكتابة، حين زار الملك المصري، وقدم له هذه الاختراعات، ليقدمها بدوره إلى الشعب المصري، لكن الملك، قبل أن يقوم بنشر هذه الاختراعات وتعميمها على الشعب، ناقش منافع ومضار كل واحدة منها، باعتبارها عطايا إلهية، إلى أن وصل ثوث إلى الكتابة، ‘ إنَّ هذا ‘ قال ثوث، ‘ فرع من التعلُّم سَيُحَسِّنُ ذاكرةَ شعبك، إنَّ وَصْفَتِي تخذم الذاكرة والحكمة ‘. كان اعتراض الملك على الكتابة، أنها ستزرع النسيان في قلوب الناس، وسَتُضْعِفُ ذاكرتَهُم، لأنهم سيكتفون بالاعتماد على ما هو مكتوب. يقول الملك للإله ثوث؛ ‘ إنَّ ما اخْتَرَعْتَهُ ليس وَصْفَةً للذَّاكرة، وإنما للتَّذَكُّر’. هذه الحكاية التي يرويها سقراط للشاب فيدروس، كان الغرضُ منها، في موقف سقراط من الكتابة، هو خيانة الكتابة للذاكرة، واكتفاؤها، بالتَّذَكُّر والاستعادة، أو الاسترجاع. فسقراط، كما هو معروف لم يَكْتُب، وربما ما خاطب به فيدروس، هو تفسير لاكتفاء سقراط باللفظ، وباللسان.
سَيتحفَّظُ سادن كاتدرائية آميان، في العام 1250 على هذا الموقف من الكتابة، ومن انتصار سقراط للذاكرة على حساب التَّذَكُّر، أي على حساب الكتابة، معتبراً أنَّ الإنسان يرغب في الاستعانة بالمعرفة التي جمعها الآخرون من أجل زيادة ثراء معارفه. وهذا ما يجعل، من الكِتَاب، ومن الكتابة، مَخْزَنَ أفكار، ومعطيات ومعارف، ما جعل الماضي الذي نعود إليه اليوم، حاضر في فكرنا، وفي معرفتنا، بفضل الكِتَاب، أو الكتابة، كوسيط، أتاح لهذا الماضي أن يبقى راسخاً، رغم ما طال الكثيرَ منه من تَلَفٍ.
لم يكن الكِتَابُ، شيئاً ثانوياً في حياة الحضارات والثقافات القديمة، بل إنَّ بعض هذه الحضارات، التي مازِلْنا إلى اليوم نستضيء ببعض معارفها، وما قدَّمَتْهُ من ابتكارات في مجلات العلوم والمعرفة، عُرِفَت بما تركته من معرف، وما وصلنا عنها من كُتُبٍ، ومن ملاحم، وعلوم مختلفة. وهذا ما كان المصريون القُدامى، على وَعْيٍ به، وهو ما سيختزله العجوز دوا أوف، في أمره لابنه، وهو يأخذه إلى المدرسة، بأن يُحِبَّ المدرسةَ كما يُحِبّ أُمَّه ‘ لأنه لا يوجد ما هو أثمن من الكتاب ‘. وقد كان المصريون يُقَدِّرُونَ الكتاب تقديراً يكاد يكون عِبَادَةً. في أحد النصوص المصرية القديمة، نقرأ:’ لقد ماتَ الإنسانُ وتحوَّلت جثته لإلى مسحوق، وأصبح كل معاصريه تحت التراب. إلاَّ أن الكتاب ينقل ذِكْرَاه من فَمٍ إلى فَمٍ. إذ كان الكتاب أنفع من البيت المبني، ومن الصومعة في الغرب، ومن القلعة الحصينة، ومن النُّصُب في المعبد ‘. لم تبق قيمة الكتاب محصورةً في جانبه التعليمي والمعرفي، ولا في قيمته التاريخية، بما يحفظه من معطيات، وما يقدمه من معارف للحضارات والثقافات اللاَّحقة عليه، فهو، أيضاً، ساهم في ازدهار هذه الحضارات، اقتصادياً، وثقافياً. فمهنة الورق والوَرَّاقين، ونُسَّاخ الكُتُب، كان لها دور كبير في خلق مِهَنٍ كانت مُرَافِقَةً لانتشار صناعات الكُتُب، ووسائط النقل والكتابة. فتاريخ الثقافة العربية لا ينفصل فيه تداول الكتاب عن صناعته، وعن الوُسَطاء الذين كانوا يقومون بدور الكَتَبة والنُّسَّاخ.
فصناعة الورق كان لها دور في ظهور الورَّاقين، الذين كانوا ينسخون الورق، ويقومون بصقله وتصحيحه وتهذيبه وتجليده. ما دفع إلى شغف الناس باقتناء الكتب وجمعها، وظهور المكتبات الخاصة، إلى جانب المكتبات العامة.
وبهذا الصدد، تقول المؤرخة الألمانية زيجريد هونكة ‘ بأن العرب أقبلوا على اقتناء الكُتُب إقبالاً لم يسبق له مثيل… وأن متوسط ما كانت تحويه مكتبة خاصة لعربي في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، كان أكثر مما تحويه مكتبات الغرب الأوربي مجتمعةً ‘. ففي هذه الفترة، انتشرت الكُتُب بشكل كبير، كما، عرفت سوق بيع الكِتَاب رواجاً اقتصادياً هاماً، إلى جانب ظهور حوانيت وأسواق الورَّاقة.
انتشار القراءة، والإقبال على اقتناء الكتب، يعود، أساساً، إلى الدور الذي تلعبه الدول في الاهتمام بقطاع النشر والتوزيع، وفي ما تنهجه من سياسات ثقافية واضحة، يكون إنشاء المكتبات العامة، ومكتبات المدارس والجامعات، وتغذيتها بأحدث الكتب والمراجع، ووسائط المعرفة الحديثة المختلفة، ضمن أولويات انشغالاتها، لأن التاريخ يُعَلّمُنا أن الحضارات التي عرفت انتشاراً وازدهاراً كبيرين، وما خَلَّفَتْهُ من تراكُم معرفي وثقافي، كان فيها دَعْمُ الدولة للكتاب، والدور الذي لعبه الحُكَّام، في إشرافهم على هذا القطاع، ما يُشير إلى انتشار المعرفة، وازدهار الصناعات المصاحبة لها، وهو ما ساعد، أيضاً، على خلق مجتمعاتٍ كان فيها دور الإنسان حاسماً في مجالَيْ التنمية والإبداع.
إننا، اليوم، في حاجةٍ إلى نداء القراءة، وإلى هذا الأمر الذي أصبح من مهام الدولة، ومهام الوزارات المعنية بالشأن الثقافي، مثل وزارتي التعليم والثقافة، وأيضاً، من مهام الجماعات المحلية، التي تمتلك ما يكفي من الإمكانات لدعم مكتبات المدارس والجامعات، وللعمل على دعم قطاع النشر والتوزيع، إما بشكل مباشر، أو من خلال عقد شَرَاكات مع الجهات التي لها صلة بهذا بقطاع الثقافة والنشر، وهذه إحدى شروط وُلُوجنا لما بات يُعْرَف بمجتمعات المعرفة.
اِقرأ، يعني انْهَضْ، وسِرْ، بما تعنيه الكلمة من سيرورة أو حركية، بدونها لا يمكن للمجتمع أن يخرج من نفق ما يعانيه من أعطاب في مجال القِيَم، وفي مجال البناء المعرفي الذي هو حجر الأساس في كل بناء حضاري عظيم.