إسطنبول – «القدس العربي»: تسود حالة من الارتياح الأوساط السياسية في تركيا نتيجة القرار الأمريكي بالإبقاء على جانب من قوات الجيش التركي في سوريا وذلك على الرغم من أن أنقرة كانت الضاغط الأكبر على الإدارة الأمريكية وساعدت في طرد القوات الأمريكية من الشريط الحدودي السوري مع تركيا.
وقال مصدر إعلامي مقرب من الرئاسة التركية رفض الكشف عن اسمه في تصريح لـ»القدس العربي» إنه علم بأن الأوساط السياسة في أنقرة كانت تخشى انسحاباً أمريكياً كاملاً من سوريا، وأن إعلان وزير الدفاع الأمريكي الإبقاء على جانب من القوات الأمريكية شرقي سوريا كان محل ترحيب وارتياح كبير في أنقرة.
وقال المصدر: «أنقرة لم تكن يوماً ضد التواجد الأمريكي في سوريا، وإنما كانت ضد الدعم العسكري للولايات المتحدة لوحدات حماية الشعب الكردية وحمايتها من العمليات العسكرية التركية»، مضيفاً: «ولكن ومع انسحاب القوات الأمريكية من الشريط الحدودي إلى عمق الأراضي السورية فإن أنقرة لا مصلحة لها بانسحاب أمريكي كامل من سوريا». ويفسر المصدر ذلك بالقول إن أي انسحاب أمريكي كامل من سوريا يعني اختلال موازين القوى الدولية في سوريا لصالح روسيا بشكل كامل وهو أمر يضعف الموقف التركي بشكل كبير جداً ويقوى موقف روسيا وإيران والنظام ضد تركيا والمعارضة السورية.
وقال: «أنقرة تعلم جيداً أن (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين لن يكافئ تركيا على مساعدته في طرد القوات الأمريكية من سوريا وإنما سوف يعمل على التفرد في الساحة السورية وممارسة مزيد من الضغوط والابتزاز ضد تركيا وإنهاء المعارضة السورية ولاحقاً ربما الضغط على تركيا لسحب قواتها من كافة الأراضي السورية»، مضيفاً: «بالنسبة لتركيا لم يكن هناك خطر أكبر من إقامة كيان إرهابي على الحدود بدعم أمريكي، ولكن طالما انسحبت أمريكا من الحدود وتراجع خطر الكيان الانفصالي فإن بقاءها بالداخل أمر جيد يخدم الأجندة التركية».
وتأمل تركيا أن يساهم بقاء القوات الأمريكية في شرق سوريا في الحفاظ على موازين القوى هناك والمساعدة في إجبار روسيا والنظام على التجاوز مع مسار الحل السياسي وتقديم تنازلات للمعارضة ولجنة صياغة الدستور واجبار الأسد على تقاسم الحكم مع المعارضة، حيث تخشى من إمكانية قدرة النظام على حسم المعركة عسكرياً بشكل كامل في حال انسحبت القوات الأمريكية قبيل التوصل إلى حل نهائي للأزمة السورية.
أنقرة تخشى أن يؤدي الانسحاب الأمريكي الكامل لـ«تفرد روسي» بسوريا
والاثنين، أكدت مصادر أمريكية وسورية أن القوات الأمريكية انسحبت من أكبر قواعدها العسكرية في شمال سوريا، تنفيذاً لقرار واشنطن الأخير بسحب نحو ألف جندي من تلك المنطقة، وتم رصد أكثر من سبعين مدرعة وسيارة عسكرية ترفع العلم الأمريكي وتعبر مدينة تل تمر في محافظة الحسكة، بينما كانت مروحيات برفقتها تحلق في الأجواء.
وتم التأكد من إخلاء القوات الأمريكية قاعدة لها في مطار صرين على بعد نحو ثلاثين كيلومتراً من مدينة عين العرب/كوباني التي تسعى تركيا لضمها ضمن حدود المنطقة الآمنة. وعقب الانسحاب من أربع قواعد رئيسية في شمالي سوريا، ما زالت القوات الأمريكية تمتلك قواعد عسكرية كبيرة في محافظتي دير الزور والحسكة، بالإضافة إلى قاعدة التنف جنوباً.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، الاثنين، أن انسحاب القوات الأمريكية سيستغرق «أسابيع وليس أياماً»، وأثار احتمال بقاء بعض القوات في البلدات القريبة من حقول النفط كوسيلة لمنع داعش وغيره من التنظيمات من الاستيلاء عليها. وقال إسبر: «لدينا قوات في بلدات في شمال شرقي سوريا تقع بجانب حقول النفط. القوات في تلك البلدات ليست في المرحلة الحالية من الانسحاب»، مضيفاً: «لم أتخذ قراراً فيما يتعلق بالعديد من الخيارات. هذه أمور يتعين علينا تقديمها إلى الرئيس في الوقت المناسب».
وتقول تركيا إن خطتها للمنطقة الآمنة تشمل المنطقة الممدتة من جرابلس غرب الفرات وحتى الحدود العراقية بطول 444 كيلومتراً وبعمق 32 كيلومتراً، لكن الجيش التركي تمكن حتى الآن من السيطرة على منطقة بطول 120 كيلومتراً وهي المنطقة الواقعة بين تل أبيض ورأس العين.
ولتحقيق هذا الهدف تأمل تركيا التوصل إلى تفاهمات مع روسيا حول باقي المناطق التي باتت واقعة تحت سيطرة روسيا والنظام وذلك خلال اللقاء المقرر، الثلاثاء، بين بوتين واردوغان الذي أكد الاثنين أنه سيبحث التطورات الأخيرة مع بوتين وبعد ذلك «سيتخذ الخطوات المناسبة»، حيث يتزامن اللقاء مع انتهاء المهلة المحددة لسحب الوحدات الكردية من المنطقة الآمنة بموجب اتفاق أمريكي – تركي.