البطل المجهول!

حجم الخط
0

خيري منصور

ودّع شاعر عراقي شعبي الثورة في أشدّ أبعادها رومانسية بقصيدة يقول فيها: هوشي منّه مات وجيفارا انقطعت أخباره.

ولأن الشاعر من جيل الستينيات الذي حظي بعقد لعله الفريد في القرن العشرين، فقد تشكّل وعيه في فترة كان البطل فيها خلاصة أمة او رحيقا تقطّر من ايديولوجيا او فكرة، وفي تلك الآونة ثار سجال عنيف حول مفهوم البطل في التاريخ وهل هو ضرورة ام اختراع، بحيث تقترضه الجماعات في لحظة ما من الماضي او من المقابر التي طالما قيل عنها أنها تزخر بالابطال، والذين سمّاهم ادغار الن بو العائدين من المستقبل، ورأى مؤرخون ماركسيون ان البطولة ليست كما يتصورها الناس حالة فردية خالصة او انبثاقا شيطانيا من التاريخ بحيث لا تعود هناك جاذبية بين الأرض والكائن الذي حلّق عاليا وأصبح يتقدم نحو تخوم الاسطورة، ومنهم من رأى اسم البطل مجرد يافطة على حدث جسيم او اسم مستعار لكتلة بشرية، لم تكن البطولة في حقيقتها الا حاصل جمع جهودها، وسوف يستمر هذا السجال في التاريخ رغم وداع الابطال حتى في النصوص الأدبية حيث حلّ الشيء مثلا مكان البطل في الرواية المضادة كما في تجارب روب غرييه وآخرين، ممن تأثروا بمناخ الفلسفة الظاهراتية التي ترى بأن الاشياء موجودة رغما عنّا، لهذا حلّ المكان ايضا بديلا للزمان، فالبطل في رواية قد يكون محبرة جاثمة على طاولة في الغرفة المجاورة التي يفصلنا عنها جدار، وقد يكون اصابع لاعب الروليت وليس اللاعب نفسه كما صوّره ستيفان زفايج في رواية بعنوان ‘أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة’، رغم ان زفايج ليس مدرجا في قائمة اصحاب الرواية المضادة، ولو عدنا قليلا الى الوراء لوجدنا ان السرير هو بطل احدى قصص موباسان بما يدخره من ذكريات وما يرشح من صريره عن اسرار من ناموا عليه!

ان ما يدفعنا مجددا الى اثارة السؤال القديم حول مفهوم البطل هو الحراك السياسي الراهن الذي يتشكل من موجات بشرية قد يتقدمها الشبّان عبر وسائل اتصالاتهم الاثيرة والأرشق من اية وسائل تقليدية، فليس هناك ابطال محددو الاسماء والملامح لهذه الموجات. لهذا يملأ الناس فراغ البطولة بمعناها الجديد باسماء وصور الشهداء الذين كانوا سباقين الى المجابهة بصدور عارية، وقد كتب الكثير في عصرنا عن تفكيك البطل مفهوما وصورة تاريخية او اختراعا فرضته الحاجة الى خلاص، لكن معظم تلك الكتابات راوحت بين مقتربات تقليدية لمفهوم البطولة، وامكانية ان تصبح مبثوثة في الجموع، بحيث يكون هناك بطل مجهول موازيا لما سمي الجندي المجهول في الأدبيات العسكرية، وذلك لأن كلمة الجيش قد تشمل مليون شخص او اكثر او اقل، وجميعهم بلا اسماء بالنسبة للمراقب الذي يرصد الحرب التي يخوضونها، تماما كما ان نشرات الأخبار بعد ان اصبح الموت مألوفا ويوميا وأقل اثارة للاهتمام من النشرة الجوية او الرياضية تكتفي بذكر عدد الضحايا لكن بلا اسماء.* * * * * * * * ما من شعر بلا قائل، اللهم الا اذا كان المقصود بالشاعر المجهول حكمة شعبية متوارثة عبر الأجيال، لكن ليس من المعقول ان تكون هناك ثورات بلا ثوار، فمن هم هؤلاء؟ وكيف يمكن الاستدلال على روادهم والقطفة الاولى منهم؟

لقد شغل هذا السؤال علماء اجتماع وباحثين منذ اندلاع الثورات البرتقالية والمتدرجة في ألوانها في اوروبا الشرقية، وبالتحديد بعد الحرب الباردة وانحسار خوذة الايديولوجيا عن الجغرافيا السياسية، بحيث خرجت إثنيات وقوميات من قماقم كانت من قارة المسكوت عنه، وهكذا دشّنت تلك الثورات حقبة جديدة من الحراك الانساني تنقطع الى حد كبير عن كلاسيكيات الثورات الكبرى في التاريخ. وما يقال عن ثورة بلا رأس ليس معناه انها مجرد حراك أعمى وبلا بوصلة، لأنه لو كان كذلك لانكفأ على نفسه واندحر منذ الخطوة الاولى، خصوصا في بلدان ذات دروع أمنية مبالغ فيها وبأعداد من يسخّرون لخدمتها… والرأس المرتقب لجسد الثورة مفارق تماما لمفهوم البطل بالمعنى التقليدي، وفي المثال المصري تحديدا يتّضح لنا هذا ميدانيا لدى أية مقارنة بين ثورة يوليو 1952 وثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، ففي تموز (يوليو) بدأ الجيش ثم لحقه الناس، وفي كانون الثاني (يناير) بعد ما يقارب من ستة عقود كان الذي بدأ هو الناس ولحق بهم الجيش، لهذا بقي الجيش مصطلحا عسكريا بدلالات بالغة العمومية، ولم يختزل باسم لواء او فريق او حتى وزير دفاع، واستعاض عن الفرد بما سمي المجلس العسكري الأعلى، وقد تبدو هذه التسمية مرادفة لمجلس قيادة الثورة بعد تموز (يوليو)، لكن الفارق كبير وحاسم بين الاسمين لأن مجلس قيادة الثورة تجسّد جملة وتفصيلا بشخص واحد، سواء كان محمد نجيب لفترة من الوقت او جمال عبد الناصر لما تبقى من الوقت.* * * * * * * * * الظاهرة اذن لا تزال في طورها البكر والتجريبي حتى لو كانت مسبوقة بمسوّدات اولى في الثورات البرتقالية او مسيرات الشموع، لهذا فهي بحاجة الى تحليل أعمق من هذا المتداول فضائيا، حيث لا بد من أن تغيرا بنيويا قد جرى لعالمنا ونحن آخر من يعلم، سواء تعلّق الامر بأنماط الانتاج السّائدة او بوسائل الاتصال التي اسند اليها ‘ماكلوهان’ في ستينيات القرن الماضي دور البطولة في الانتصار الفيتنامي، وسماها بعده بعقود ‘جان مودريار’ ‘الميديا النووية’، لأنها غيّرت ساحات الحروب ونقلتها من ميادينها في الجغرافيا الى غرف النوم. واذا كان مفهوم حتمية التاريخ قد تعرض لشكوك جذرية في الاطروحات المضادة للماركسية فذلك لأن هؤلاء يقولون مع هيغل بأن للتاريخ مكره ومباغتاته غير المحسوبة، لهذا قد لا يكون دقيقا القول بأن البيان الشيوعي او ما يماثله تماما كان سيصدر حتما في اواسط القرن التاسع عشر سواء كان صاحبه ماركس او أي شخص آخر.. وهناك مثال آخر هو أن حتمية التاريخ كانت تقضي بأن يكون اهم حزب شيوعي في العالم داخل امريكا، لكن ما حدث هو غير ذلك تماما بعد ان صادرت فلسفة مجتمع الوفرة كما عالجها هربرت ماركيوز وآخرون هذه الحتمية او ما كان يتصوره الناس كذلك!* * * * * * * *الحنين البشري الى الرومانسية سواء تعلقت بالحب او العلاقات الانسانية او مفهوم البطل قد لا يتلاشى في ذروة البراغماتية المعاصرة، وقد يكون هذا الحنين ضربا من النوستالجيا الجمعية الى زمن ذهبي ولــّى اذا قبلنا تقسيم هزيود الشهير للأزمنة على انها أربعة معادن، هي الذهب والفضة والنحاس والقصدير… وبمعنى من المعاني فالحقبة التي تعيشها البشرية الآن قصديرية بامتياز، لهذا ليس مستغربا ان تعود قليلا الى الناي المهجور، وهذا ما يفسر الانتشار الواسع لرواية رومانسية امريكية في زمن ازدهار الواقعية الكونكريتية وموسيقى الجاز والتوحش الرأسمالي هي رواية ‘قصة حب’ لإريك سيغال!

الأرجح ان هناك تبدلا جذريا طرأ على العالم لم ترصده الحواسيب الذكية ولم تستطع حتى الثقافة ان تضبط خطاها على ايقاعه، فالبطل الان بلا اسم، وهو مبثوث في جماعات، ومضى الزمن الذي تتحول فيه الشعوب الى ارامل تنتحب في جنازة البطل او الزّوج السياسي الى الأبد، وقد تنتقل عدوى غياب البطل بالمعنى الكلاسيكي الى الرواية والمسرح.. فيقتسم الشخوص جميعا بطولة لا تنسب الى فرد واحد وهذا ما جرى تجريبه الى حد ما في السينما الجديدة!!!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية