الناصرة- “القدس العربي”:
يرجح عدد من المراقبين والمحللين أن إعلان رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو فشله بتشكيل حكومة جديدة للمرة الثانية في غضون شهور يقربها من جولة انتخابات ثالثة في مطلع العام القادم، بخلاف رغبة الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين ممن يخشون من التورط بأزمة سياسية بنيوية عميقة تستدعي تغييرات جذرية بالنظام السياسي الانتخابي الراهن.
وفي يوم ميلاده السبعين وقبل يومين من انتهاء المدة القانونية المعطاة من قبل رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين، أعاد نتنياهو كتاب التكليف بتشكيل حكومة لريفلين وقال إنه فشل بمهمته، مما يعني نقل المهمة لرئيس الحزب المعارض “أزرق- أبيض” بيني غانتس الذي قال مقربون منه أمس إنه سيحاول تشكيل حكومة وحدة وطنية مع “الليكود” ومع حزب “يسرائيل بيتنا” وحزب “العمل”.
وأمس الإثنين أعلن نتنياهو عن إعادة كتاب التكليف بتشكيل حكومة جديدة، قبل 48 ساعة من انتهاء المدّة القانونية. وبموجب أنظمة القانون فإن رئيس الدولة رؤوفين ريفلين سينقل كتاب التكليف إلى المرشح الثاني بيني غانتس، رئيس تحالف “أزرق أبيض”، الذي ستكون أمامه مدة 28 يوما فقط لتشكيل الحكومة، وسط احتمالات ضئيلة جدا لنجاحه، ما يعني أن إسرائيل باتت أقرب إلى انتخابات برلمانية ثالثة خلال عام واحد.
وهذه هي المرّة الأولى التي يعيد فيها نتنياهو كتاب التكليف، ولكنها المرّة الثانية التي يفشل فيها في تشكيل الحكومة؛ إذ كانت الأولى بعد انتخابات أبريل/ نيسان الماضي، إلا أن نتنياهو سارع حينها إلى مبادرة حل الكنيست بعد 50 يوما من تلك الانتخابات، دون أن يعيد كتاب التكليف.
أفيغدور ليبرمان
وهذه المرّة الثالثة التي يتم فيها إعادة تكليف بتشكيل حكومة منذ العام 1949، وكانت الأولى لشيمون بيريز في العام 1984، والثانية لتسيبي ليفني في خريف العام 2008. وقد تنازل نتنياهو عن طلب التمديد لمدة 14 يوما إضافيا يجيز له القانون بها، وكما يبدو بعد أن رأى الباب مسدودا أمام احتمال انضمام كتلة “أزرق أبيض” إلى حكومته.
وقد اقتصرت المفاوضات مع كتلة “يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا)”، بزعامة أفيغدور ليبرمان، على جلسة قصيرة واحدة بين نتنياهو وليبرمان، لم يتمخض عنها شيء، إذ يصر الأخير على تشكيل حكومة واسعة، تضم الليكود و”أزرق أبيض” وحزبه “يسرائيل بيتينو”، وهو ما يرفضه الليكود، الذي يصر على انضمام كتلتي اليمين الاستيطاني، وكتلتي المتدينين المتزمتين “الحريديم”، وهي كتل شريكة فورية لليكود، وتضم مع الليكود 55 نائبا.
والعقبة الأساس التي وقفت بين الليكود و”أزرق أبيض” هي رفض هذه الكتلة الأخيرة أن يتولى نتنياهو رئاسة الحكومة أولا، كونه يواجه احتمال تقديمه للمحاكمة بقضايا فساد، لا سيما أنها وعدت ناخبيها بذلك قبيل الانتخابات. كما رفضت “أزرق أبيض” أن يكون الليكود ممثلا لكل الكتل الأخرى الشريكة له، بمعنى أن يفاوض باسم 55 نائبا. ولم تصدر عن كل جلسات المفاوضات التي جرت بين الكتلتين الكبريين أي خلافات على المستوى السياسي العام. في المقابل، فإن أفيغدور ليبرمان بقي متمسكا بموقفه الذي أعلنه بعد انتخابات نيسان، وهو تشكيل حكومة من دون كتلتي “الحريديم”، وزاد على هذا رفضه ضم نواب التيار الديني الصهيوني المتشددين دينيا، ويقصد كتلة “البيت اليهودي- الاتحاد القومي”، وطالب بإقرار القانون الذي يفرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشبان الحريديم”.
تقاسم الحكم
وترجح صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن يوجه غانتس دعوة لنتنياهو لتأسيس حكومة وحدة وطنية يتناوبا فيها على أن تكون الفترة الأولى من الولاية برئاسته، فيما يخطط نتنياهو أن يكون هو الأول كي يستعين برئاسته للحكومة في إدارة محاكمته الوشيكة بتهم فساد. ونوهت الإذاعة الإسرائيلية العامة الثلاثاء أن خطة عمل “أزرق- أبيض” تتوقع ألا ينجح غانتس بشق طريق جديد في أول أسبوعين وأن يشهد الأسبوع الأخير واحدا من خيارين: ضغط داخل “الليكود” يدفع بعض نوابه للتعاون مع “أزرق- أبيض” لتشكيل حكومة برئاسة غانتس أو تأسيس حكومة ضيقة مع “يسرائيل بيتنا” و”ميرتس” ودعم من الخارج من قبل القائمة العربية المشتركة ولكن دون أحد مكوناتها – “التجمع الوطني الديموقراطي”.
وتعتبر أوساط داخل كتلة “أزرق- أبيض” أن مثل هذه الحكومة الضيقة ستكون مؤقتة ريثما يتم استبدال نتنياهو في رئاسة ” الليكود”، منوهة إلى أن نتنياهو لن يبقى رئيسا لليكود بحال فقد رئاسة الحكومة ومن شأن ذلك أن يشق الطريق لحكومة وحدة وطنية واسعة.
وهذا ما أكد عليه رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود براك الذي قال للإذاعة العامة الثلاثاء إن هناك فرصة لحكومة وحدة وطنية مع اليمين بدون نتنياهو، داعيا غانتس لتشكيل حكومة ضيقة مؤقتة بدعم يسرائيل بيتنا والمشتركة ريثما يتم التخلص من نتنياهو وعندئذ إقامة حكومة وحدة واسعة مع الليكود أيضا.
وكان نتنياهو قد خرج في شريط فيديو للإسرائيليين قال فيه إنه واصل الليل بالنهار محاولا تشكيل حكومة وحدة وطنية يريدها الإسرائيليون وتقتضيها حاجة إسرائيل التي تقف إزاء تحديات أمنية متصاعدة من ساعة لساعة. ووجه نتنياهو اتهامات لكتلتي “أزرق – أبيض” و”يسرائيل بيتنا” بأنهما يفعلان عكس ما يقولان ويرفضان فكرة الوحدة في الواقع. كما اتهم نتنياهو “أزرق- أبيض” بمحاولة تشكيل حكومة ضيقة بالتحالف مع القائمة العربية المشتركة التي وصفها بـ”مؤيدة للإرهاب” ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية.
نتنياهو فشل في مهمته وجدد التحريض على فلسطينيي الداخل الذين ساهموا بإسقاطه
وعقب رئيس القائمة المشتركة النائب أيمن عودة على تحريض نتنياهو المتجدد على المجتمع العربي والقائمة المشتركة بالقول إن “الساحر نتنياهو فقد منذ زمن حيله فعاد ليستل ورقة التحريض. وتابع عودة في بيانه: “نتمنى أن تكون هذه المرة الأولى التي يحرض فيها نتنياهو ضد المواطنين العرب كـ”رئيس الحكومة”. وتبعه النائب الشيوعي اليهودي دكتور عوفر كسيف معقبا: “الحمد لله الذي خلصنا من نتنياهو الذي كان أسوأ رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل، مشددا على كونه محرضا عنصريا كاذبا ديماغوغيا وعبدا أسيرا لأصحاب رؤوس المال الشركاء في جرائم الرأسمالية الخنزيرية”، منوها أنه بحال كانت هذه نهاية نتنياهو السياسية فعلا فعلينا أن نكون مستعدين لسنوات طويلة في نضال لتصحيح أضرار تسبب بها نتنياهو”.
العقبات أمام غانتس
لكن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) يرى ووفقا لكل المواقف المعلنة، حتى الآن، أن احتمالات نجاح بيني غانتس في تشكيل حكومة ضئيلة جدا، ولا مخاطرة بالقول إنها صفرية، ما يعني أن إسرائيل ستتجه على الأغلب نحو انتخابات ثالثة، قد تجري في نهاية الشتاء المقبل.
وفي ما يلي أبرز العقبات التي تقف أمام غانتس التي يشير لها “مدار”: من المستبعد جدا أن يقبل بنيامين نتنياهو بالانضمام إلى حكومة برئاسة غانتس، بعد أن رفض الأخير حكومة يترأسها أولا نتنياهو. ويتابع “مدار” في تقريره: “رغم أن كتلة (أزرق أبيض) تتفق مع ليبرمان بخصوص قانون تجنيد اليهود المتزمتين (الحريديم)، وتخفيف قوانين الإكراه الديني، إلا أن ليبرمان سيطالب بحكومة واسعة مع الليكود”.
وفي كل الأحوال، فإنه إذا اعتبرنا أن كتلة حزب العمل شريكة فورية لكتلة “أزرق أبيض” ولها 6 مقاعد، وحتى لو قبلت كتلة “المعسكر الديمقراطي” بالانضمام إلى حكومة تضم ليبرمان، فإن هذه التشكيلة ستضم 52 نائبا لا أكثر، كون أنه من المستبعد جدا، ولدرجة التأكد، أن تقدم كتلة “القائمة المشتركة” دعما خارجيا لحكومة تضم ليبرمان وشخصيات اليمين الاستيطاني في كتلة “أزرق أبيض” مثل موشيه يعلون وغيره.
كما يستبعد “مدار” أن يطلب “أزرق أبيض” دعما كهذا من “المشتركة “، وأنه سيكون من الصعب جدا انضمام كتلتي “الحريديم” إلى حكومة علمانية تضم ليبرمان من جهة، وحزب “يوجد مستقبل” برئاسة يائير لبيد الشريك في “أزرق أبيض” من جهة أخرى.
ويضيف: “إذا كان هناك احتمال ولو كان ضئيلاً أن تقرر كتلة “شاس” التي لها 9 نواب الانضمام، فإن الكتلة الثانية، “يهدوت هتوراة”، سترفض كليا الانخراط في حكومة كهذه، ما سيضطر “شاس” للتمسك بموقف الرفض.
بالنسبة لكتلتي اليمين الاستيطاني، المنشقتين عن بعضهما حديثا، بعد أن خاضتا الانتخابات بقائمة تحالفية “يمينا”، فإن ما سيقرر بشأنهما هو برنامج الحكومة، ولربما أن الحلقة الأسهل كتلة “اليمين الجديد” برئاسة أييليت شاكيد ونفتالي بينيت ومعهما نائب ثالث، ولكن الانضمام الافتراضي لكتلة كهذه إلى حكومة برئاسة “أزرق أبيض” سيبعد بالضرورة كتلة “المعسكر الديمقراطي” (5 نواب).
أما كتلة اليمين الاستيطاني الثانية “البيت اليهودي- الاتحاد القومي”، (4 نواب) فإن فرص انضمامها لحكومة برئاسة غانتس هي أيضا صفرية.
احتمالات منع الانتخابات
وعليه يرى “مدار” أن احتمال منع انتخابات ثالثة كلها ضعيفة، وفق الوضع القائم حالياً، وهو يتطلب أن يقرر بنيامين نتنياهو الاستقالة من عضوية الكنيست ورئاسة الليكود، وإجراء انتخابات داخلية لرئاسة الليكود وحال تم انتخاب رئيس جديد لليكود، فإن القانون يجيز لرئيس الدولة، بعد الفشل المتوقع لغانتس، بأن يعرض على الكتل البرلمانية اختيار شخص ثالث لتشكيل الحكومة خلال 21 يوما، وفي هذه الحالة، وفق تقارير متعددة، فإن “أزرق أبيض” على استعداد للتناوب على رئاسة حكومة برئاسة شخص آخر من الليكود.
كما أن هناك احتمالا ثانيا لمنع الانتخابات يكون ممكنا بحال انشقاق في واحدة من الكتلتين الأكبرين، الليكود و”أزرق أبيض”، وهذا أيضا احتمال غير منظور، ولا مؤشرات له أن تنقلب إحدى الكتل على مواقفها المعلنة.
وينبه المحلل السياسي الأبرز في إسرائيل نحوم برنيع إلى أن الورطة السياسية داخل إسرائيل ستبقى على حالها طالما أن المستشار القضائي للحكومة لم يحسم أمره ويتخذ قرارا حول ملفات الفساد المنسوبة لنتنياهو. ويتابع في مقال نشرته “يديعوت أحرونوت” أمس: “احتمال إلغاء جولة انتخابات ثالثة زائدة ومكلفة ومثيرة للغضب مرتبط برجل واحد، المستشار القضائي للحكومة الذي إن قرر توجيه التهم لنتنياهو سيكون أكثر سهولة تشكيل حكومة وحدة وطنية بدون نتنياهو”.