لندن – “القدس العربي”:
تحت عنوان “خطة بوتين للسيطرة على الشرق الأوسط“، نشر موقع “أويل برايس” مقالا لسايمون واتكينز، الكاتب المشارك في الموقع، تحدث فيه عن طموحات روسيا في المنطقة، فبعد حصولها على مكاسب اقتصادية وسياسية في العراق بالأشهر الأخيرة، وكذا سوريا وإيران ودول أخرى مثل لبنان والأردن واليمن، يبدو أن روسيا على حافة إكمال المجموعة.
وشهد الأسبوع الماضي عددا من العقود المبرمة وأخرى سرية وكلها تشير لاستفادة روسيا من فراغ السلطة الذي نشأ بسبب انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة على حساب الوعد للأكراد بإنشاء دولة مستقلة لهم مقابل دعمهم في هزيمة تنظيم الدولة، مما منح إشارة عن قدرة روسيا فعل ما تريده بالمنطقة، حسبما قال محلل للمخاطر في لندن.
وكانت أول نقطة اهتمام روسي هي الإمارات العربية المتحدة التي تعد آخر الدول ذات العلاقة القوية مع الولايات المتحدة بالمنطقة. فقبل شهر زارت مساعدة وزير الخزانة الأمريكية لشؤون مكافحة الإرهاب والأمن المالي سيغال ماندلكر الإمارات للاجتماع مع المصرفيين الكبار ورؤساء شركات الملاحة لبحث طرق تضييق العقوبات على إيران.
وقال مصدر بارز يعمل قريبا من وزارة البترول الإيرانية: “ظلت دبي المصدر الموثوق للتمويل والبنوك لتوصيل الموارد النفطية والغاز من بين أشياء إلى إيران، ولهذا كانت الولايات المتحدة تريد وقف كل هذا”. وقبله حصل اجتماع تم تجاوزه في طهران بين قادة الحدود وخفر السواحل بين الإمارات وإيران، وهو الأول الذي عقد منذ ستة أعوام. ووقع البلدان على اتفاقية تفاهم حددت التزام كل طرف ولقاءات دورية لبحث الملاحة في مضيق هرمز والتهديدات الأمنية عليه.
وبالكاد غادرت ماندلكر الإمارات إلا ووقعت سلسلة من العقود تتعلق بالنفط والغاز. وكان أحدها مهما للغاية وهو إعلان شركة أبو ظبي الوطنية للبترول عن موافقتها على بيع حصص من مشروع غاشا إلى شركة الغاز الروسية لوكيول، وهذه أول مرة تقوم فيها شركة روسية بالتعاون مع شركة النفط الوطنية، وهو أول مشروع للوكيول في الإمارات العربية المتحدة. كما أعلنت الشركة الإماراتية عن توقيع إطار اتفاق إستراتيجي مع غازبروم نيفت للتعاون في مجال التكنولوجيا.
وقال مصدر إيراني: “لوكيول وغازبروم نيفت هما أهم شركتين روسيتين للتعاون التجاري ولكن يجب ألا يكون لديك شك في أنهما تعملان بناء على إستراتيجية الكرملين الجيوسياسية”. ويرى الكاتب أن هاتين الصفقتين وإن كانتا مهمتين إلا أنهما جزء صغير من إستراتيجية روسيا في مناطق الاهتمام التي تم فيها التوصل لاتفاقيات تعاون واسعة.
وأحد ملامح الاتفاق الجديد حسب وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك هو التعاون في مجال الطاقة النووية بالإضافة للنفط والغاز والغاز الطبيعي المسال والكهرباء ومشاريع نقل مختلفة. وبالتأكيد قالت وزارة الطاقة إن شركة روساتوم وقعت مذكرة تفاهم مع مؤسسة الإمارات للطاقة النووية. وقال المصدر الإيراني: “ما لم يفصح عنه البيان هو أنه كجزء من التعاون في مجال الطاقة النووية، عمل خبراء صناعة الطاقة النووية الروس والأمن في عدد من المنشآت النووية الإماراتية، بالإضافة إلى عدد من مشاريع النقل المتعلقة بحركة المواد المتعلقة بصناعة الطاقة النووية من روسيا وإيران والإمارات العربية المتحدة”.
ولو افترضنا أن اتفاقيات روسيا لم تشتمل على عنصر نووي فإنها ستكون مثار قلق للغرب لأنها ستضيف وبشكل عملي أرصدة الغاز الإماراتية إلى احتياطات الغاز الروسية الهائلة، والتي تمارس من خلالها تأثيرا كبيرا على أوروبا. وقبل عدة أعوام كان لدى روسيا خطة كاملة لتعزيز التعاون مع عدد من الدول الأعضاء في منبر الدول المصدرة للغاز والذي يضم الجزائر وبوليفيا ومصر وغينيا الاستوائية وإيران وليبيا ونيجيريا وقطر وروسيا وتايلاند وتوباغو والإمارات وفنزويلا. واعتقدت روسيا ولا تزال تعتقد أنها تستطيع مع قطر وإيران تشكيل “كارتل غاز” قادر على تشكيل سياسات الطلب وأسعار الغاز العالمي وممارسة تأثير أكبر من ذلك الذي كانت تمارسه منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط- أوبك.
تعرضت العلاقة الأمريكية- السعودية للتشرذم منذ قرار الرياض عام 2014 تدمير صناعة الزيت الصخري الأمريكي، وزاد تدهورها منذ ذلك الحين
وقال المصدر الإيراني: “مع زيادة اعتماد الولايات المتحدة على العقوبات كسياسة وليس كأداة في السياسة كما في الماضي، باتت قوى معدودة في مجال الغاز والنفط تشعر بأنها منبوذة، ومن هنا فالزخم للتعاون فيما بينها زاد أضعافا مضاعفة وهذا يضم الإمارات الآن”. وتعرضت العلاقة الأمريكية- السعودية للتشرذم منذ قرار الرياض عام 2014 تدمير صناعة الزيت الصخري الأمريكي، وزاد تدهورها منذ ذلك الحين. وحاولت السعودية تحصين نفسها من مخاطر تخلي الولايات المتحدة عنها وبناء علاقات حذرة مع روسيا. وبدأ التعاون في كانون الأول (ديسمبر) 2016 من أجل خفض إنتاج النفط فيما عرف بأوبك+، وتزايد التعاون منذ ذلك الوقت.
وأكد الرئيس فلاديمير بوتين والملك سلمان بن عبد العزيز بداية هذا العام تعاونهما المستمر في مجال الطاقة الدولية. وأكد المسؤولون استمرار التعاون بالمستقبل في مجال إنتاج النفط الخام والغاز الطبيعي المسال بالإضافة لعدد من مشاريع البتروكيماويات. وفي الحقيقة كان بيان الكرملين هو ما ينتظره صناع النفط العالميون، وهو تأكيد العلاقة المبدئية بين المنتجين الثاني والثالث للنفط في العالم، حيث يستطيع البلدان إنتاج 20 مليون برميل يوميا بينهما أي ربع الإنتاج العالمي، خاصة أن عمل السعودية بمفردها على أسعار النفط لم يكن فاعلا.
ويرى الكاتب أن الإعلانات الأخيرة تتساوق مع التحول والاصطفاف الجديد حسب الطريقة الروسية التي يتم من خلالها التلاعب بكل الخيوط بما فيها زيارة بوتين للرياض، وهي الأولى منذ أكثر من عقد. ويرى الكاتب أن روسيا قد تستفيد من الخطة التي أجلها الأمير محمد بن سلمان لطرح أسهم شركة أرامكو في السوق العام. ففي الأسبوع الماضي قال رئيس صندوق الاستثمار المباشر كيرل ديمترييف إن عددا من شركات الاستثمارات الروسية مهتمة بالطرح العام لأرامكو.
وبالتزامن مع هذا أعلن نوفاك أن شركة غازبروم الروسية مهتمة بالتعاون مع الشركات السعودية في مجال الغاز الطبيعي والذي يعد ضرورة لوجيستية داعمة لخطط روسيا لإنشاء منظمة للغاز على شكل أوبك. ولم يتوقف التعاون عند النفط والغاز والبتروكيماويات، بل للتعاون بين أرامكو والهيئة العامة للاستثمارات السعودية والصندوق الاستثماري الروسي، حيث وافقت الأطراف على شراء 30.76% من شركة الخدمات نوفوميت من روسنانو. وأنشأت السعودية وروسيا لجنة اقتصادية لقيادة التطوير الاقتصادي والتجارة بين البلدين.