في زمن يقاس به كل شيء بالأرقام، والحسابات البنكية، والفواتير المالية، أدهشتني رواية» هيا نشتر شاعرًا» للروائي البرتغالي أفونسو كروش، التي أخذتني طوعًا بين صفحاتها بحوارات مدروسة حول قيمة الثقافة بين الشراسة الاقتصادية.
تحدث كروش في فصول روايته بأسلوب روائي ساخر ساخن جدًا، عن قوة حضور الماديات والكماليات بشكل استهلاكي كبير، يقابله حضور طفيف للثقافة، التي أصبحت سلعة تشترى وتباع، فعندما قامت الأسرة بشراء شاعر تلبية لطلب ابنتهم، كأي سلعة من المتجر أسوة بالأسر الأخرى، لأنه لا يكلف شيئًا ولا يثير الضجة ولا يوسخ الأماكن والحيطان كما يفعل الفنان التشكيلي! كما حملت الرواية، على الرغم من بساطة فصولها الكثير من السخط والدروس حول العلاقات الاجتماعية التي ظهر فيها المزيد من التجاعيد المرهقة والندوب العاطفية، بنسب مئوية وفواصل عشرية. هذا الأسلوب الساخر الذي نقلنا فيه الروائي ليس بالهين، فهي علامة تساؤل فارقة، حول الثقافة واستهلاكها، ونظرة المجتمع لها، الذي صار يلهث وراء الشكليات باستمرار وإدمان مخيف، بعدة أسئلة كررها الكاتب في كل صفحة «أين نحن من الثقافة؟»، «هل ستغلق المتاحف وتلغى الأمسيات الشعرية وتُهجر الأماكن الثقافية؟».
كل تلك الأسئلة إجاباتها لا يُختصر عدد حروفها وإيجاز جملها في سطور تضعها الحكومات أو الأفراد، إنما هي حالة وعي سلوكي يتخذه الفرد اتجاه مجتمعه، من خلال ما يرسله ويستقبله ويتقبل وجوده، فعندما يقل مستوى ما تسكنه الأدمغة من أفكار وقيم، فنحن جميعنا بلا شك نقع في ورطة، وأي ورطة تلك؟ ورطة ثقافية تنذر بمشاكل واحدة تلد الأخرى بلا توقف أو رادع. تحدث ميشيل فوكو عن هذه الورطة بطرح تساؤلات تئن في عبارته «إن ما يدهشني هو أنه لم تعد للفن في مجتمعاتنا علاقة بالأشياء وليس بالأفراد والحياة، لكن ألا يمكن أن تكون حياة كل فرد تحفة فنية، لماذا تكون لوحة أو بيت ما أثراً فنياً ولا تكون حياتنا كذلك؟».
هذه العبارة تشرح واقعنا الحالي بلا هروب، ونحن نرى الحالة الثقافية تصرخ من المؤامرات التي تحيطها من كل جهة، فعندما تقوم أغلب الصحف اليوم، بتناسي الصفحات الثقافية بشكل متعمد، وتطبع آلاف النسخ من الكتب بدون فحص ورقابة، كيف يكون حينها إثراء للحياة بتجدد وشغف؟ كيف لنا أن نحمي أنفسنا من التعفن والتخلف والانحدار، ونحن نطل على نوافذ معتمة ومغلفة بالتراجع والزيف الفني؟ إن حالة التثاقف التي يعيشها المجتمع، لا تصنع مثقفًا أبدًا، بل تحيطه بحالة من الجمود والكسل الفكري، التي تجعله يدور في دائرة واحدة لا غير، نحن ما نحتاجه اليوم هو أشخاص يبتكرون من الخيال فلسفة وفنًا بهندسة أخلاقية وإنسانية صالحة للعيش، بعيدًا عن نمطية التفكير وضياع الأمل.
٭ كاتبة من البحرين