ُحبّ في اللوكسمبورغ

حجم الخط
0

أحمد المديني

جلستُ كالعادة في الجهة الوسطي من الدائرة المحيطة بالبِركة. فوق الكرسي الحديدي ذي المتكأ المنحني إلي الخلف. أرتاح حين أعثر علي واحد مثله، يساعد ظهري، بل جسمي كله علي الارتخاء. يسمح لي، أيضا، بمدّ رجليّ علي هواي. لا شيء أفضل عندي لممارسة التعطل، وللتخفف من أعباء الوقت، مثل القدوم إلي حديقة اللوكسمبورغ، الممتدة بين شارع فوجيرار وشارع سان ميشال في الدائرة السادسة لباريس.

علاقتي بهذا المكان عمرها ثلاثون عاما تقريبا، ومع ذلك لم َتقدُم. أحس بها تتجدد كلما شعرت بالحاجة إلي المجيء، وهو ما يبدأ عندي مع رعشات الربيع الأولي في باريس، بداية نيسان (أبريل). أعرف من شمّ لحمي ومن شمس تهتك بياض السحاب أن الدفء سري، سيسري، والفرنسيين سيهبّون إلي الحدائق العامة التي تزخر بها مدينتهم للتمتع بخيوط شمس وضّاءة. أنا أقصد الفرنسيات، الفتيّات منهن خاصة، تراهن مقبلات بمرح ليستلقين علي عشرات الكراسي المبعثرة في أرجاء الحديقة الخمس وعشرين هكتارا، شعرهن مرسل إلي الخلف، وصدورهن شبه عارية بعد أن تخففن من أغلب ما عليهن من ثياب خفيفة، أصلا. رغم فارق السن بيننا، لا نجد غضاضة في الجلوس متجاورين، متقاربين، فنحن علي الأغلب لا نحفل ببعضنا أو قليلا، غرضنا جميعا، أو تقريبا، أن تدغدغ شمس الربيع وجوهنا وكل واحد يفكر بما يدور في رأسه، وهذا ما كان. ما يدور برأسي أنا كثير، يدوّخ أحيانا، وسأذكر منه علي سبيل المثال فقط: 1ـ بمجرد ما أجلس يذهب بصري يمينا، أي جهة القصر، لأننا في حديقة ما كان بالأمس قصرا، وأمسي اليوم مبني لمجلس الشيوخ، أتطلع إلي دركييْ الحرس الجمهوري المناوبين علي المدخل الخلفي، بهندامهما المنسّق، ووقفتهما المهيبة، وأتعجب، أنا الكسول، كيف لا يتعبان. 2ـ أتخلي عن القصر، أقصد المبني، لأسرع عائدا إليه، وعوض الدركيين أري الملك وعشيقته ساعة الغروب، في هندام القرن الثامن عشر، وهما يتساقيان الغرام، وخلفهماوصيفات وحاشية. 3ـ أقول الله يلعن الشيطان، إن خيالي يلعب بي، وأفكر: لو أن ما أري حقيقي لما كنت جالسا، أنا وهؤلاءالعزباوات والمتزوجات وغيرالمحصنات منشرحين، متعطلين في هذا المكان، هه!4ـ أفضل استرداد بصري لكي لا يشطح خيالي أكثر، وألقي به عبثا، كحصاة في الماء، هناك، نحو ذات الذراعين البضين، والنحر الأبيض المرتمي إلي الخلف، بشعر دغليّ حنّائي، ويقول لي رأسي ماذا لو ذهبت إليها وخللت أصابعي فيه، ثم نزلت إلي النحر، ومنه أتدحرج إلي. . 5ـ عندئذ أوقن أن رأسي تدور في الخواء، فأحول اتجاه عيني لتقعا علي البركة يشقشق فيها ماء النافورة الصغيرة تتوسطها، وحولها البط يسبح، وقوارب مصغرة يرميها الأطفال علي سطحها، والبط يغطس رأسه ومنقاره، ويسترجعهما، ثم، ثم يطير بدَعَة، فأتمني أن أطيرمثله. 6ـ عندئذ أعرف أني سأدخل في التوله الذي إما يحملني إلي كوكب النوم، أوعلي العكس سوف يحفز حواسي لتجرّب دونجوانية لم ُأشفَ منها بعد، فأطرد الصور والذكريات قبل المرورإلي الجد والشروع في التركيزعلي واحدة، أقول مع رأسي هذه ستكون لي حتما، وإلا. . 7ـ قبل الشروع في التطبيق تظن أن تلك التي طاح عليها ريالي من غير أن تراني خمنت هوسي، فسترت ُعريها، وجمعت فخذيها تغادر، تتركني مع رأسي الذي كان في منتهي دوخته! لكن ما حدث في الواقع كان مختلفا تماما، ولم أجد له إلا تفسيرا واحدا هو غلبة شبقيتي، أحيانا، علي رومانسيتي المستفحلة. خرجتُ من أهوائي وأنا أنظر إلي معصمي أتفقد الوقت. هي الخامسة، ياه طار الوقت!

أنا هنا منذ ساعة ونصف، وبعد ربع ساعة ستحضر فاليري، لا تحتاج إلا لخمس دقائق لتغادر مكتبها بجوار مسرح الأوديون وتصل إلي الحديقة. تأتي عادة من مدخل فوجيرار، أقول لها دائما إنها علي وصف الشاعر العربي تمشي الهوينا كما يمشي الوَشِي الوجِلُ فتصير تتغنج أكثر وقد أصبحت علي خطوتين، تتقدم، تتأخر، بإيقاع فالس خفيف، َخبِرتْ أن حركتها تثيرني، لا تعبأ بالمسترخين علي الكراسي، وهم بدورهم لا يعبؤون إلا بالشمس إذا ازورّت عن وجوههم، بل إنها، ولتزيد من حنقي تنأي عني فجأة لتدور حول البركة بخطوة أبطأ، تاركة عينيها تسرحان علي مائها ُيمَوِّجُه ريح مساء قريب، تدنو من الحواف وتبتعد، وأنا لم أعد أري إلاّها، وأنا أردد في سري يا لها ما أحلاها، وستزداد لو أكملتْ بسرعة دورتها وجاءت لتقتعد كرسيها لصقي، ونبدأ نتهامس، نتسارّ، نتباوس، نتباوس. . لكنها هذا اليوم، أكاد أقول التعيس، لم تحضر، بلي، ولكن متأخرة، فأفسدت علينا جلستنا، وجَنَانَا، أو تقريبا. كنت أظن أني تجاوزت حد القلق عليها، من أجلها، ولم أعد أتصور أني سأضطرب مثل. . مراهق، لنقل عاشق متيّم، غيور، تتأكله الوساوس، جراء ما لا يدري. كلما رنّ هاتف محمول حسبتُ رنينه من جوفي، ويكون لجالس قريب أو ناءٍ عني، وإن نقلت بصري إلي البركة سرعان ما يرتدّ إليّ ُيغوّل قلقي. لم أعد أري مجلس الشيوخ، واختفي الدركيان، والملك والعشيقة والحاشية، والبطّ ما سبح فوق الماء ولا طار، والساعةُ في معصمي أري ميناءها غيمة سوداء، والنساء البيضاوات الطريات الرشيقات الشهيات اللواتي تعسّل رضابُهن في فمي، من شدة ما نظرتُ إليهن من قبل ظهرن لي بين معجونة وعجفاء تعجبت كيف حلوْن في عيني قبلئذ. تذكرتُ ما تعلمته منذ دهر في القسم الابتدائي من أن حبكَ الشيء يعمي وَيصُمّ! ، وقلت:

إذن، هوالحب ثانية يا الزّغبي، أولا تعرف قدرك وتترك هذه الأمور لمن له القدرة عليها، والشغف بها، ماذا؟ وهل يوجد أشغفَ منك وأنت في حالتك هذه؟! جاءك الجواب لتغلي غضبا في صورة شاب وفتاتِه في عمر وزهو الورد وقفا قبالة الجميع كأنما نكاية بك، ضرباها بتعنيقة وغطسا في بوسة طويلة، طويلة، شفاههما ملتصقة تتقلب، تنكفئ وتنتفض، لم تعد تعرف كم مَضي يمضي من الوقت وهو لا يشبع من عسلها، وهي لا تترك شفتيه إلا لتزداد التصاقا به، وسطاهما يكادان يندمجان في قالب واحد من صنع نحات ماهر!

لم تنتبه لليد التي تربت علي كتفك وأنت ذاهل في ما تري. في مرة ثانية ضغطت اليد علي الترقوّة أحسست إثرها بألم خفيف عاد ينبهك إلي جسدك. رفعتَ وجهك استظلّ بقامتها الطويلة كقامتك، ورأتكَ تحدق فيها فاغر الفم فلم تفهم، وأنت لم تفهم، أيضا، لمَِ نسيتَ نفسَك، أم القلقُ من تأخرها، اعترف، الخوفُ، الغيرةُ، آه يا أوتللو الجديد!

، أخذاك كل مأخذ، أقِرّ ولا تكذب! لا، كلا، لم يكن لا هذا ولا ذاك، ولو حاولتَ أن تشرح لها ما وسِعك الأمر فلن تعيَ من كلامك الخِرف شيئا لأنك أنت نفسَكَ وقد تباعد الزمن كففت عن اليقين به، وراح يبدو لك مثل كابوس قديم يغيم معه الضوء أحيانا لينقشع بعد حين، ورغم أنها طفقتْ تهز ذراعيك، تحيطك بذراعيها تحسبك ذاهلا وإنك ذاهل، ولكن لِمَا لن تدركه هذه المرأة التي هي أمامك الآن ملء السمع والبصر والحس، وكل شيء، إلا أن تعي أنك تكاد لا تراها في وقفتها المائسة أمامك.

فردتْ أصابع يدها اليمني ورفعتها إلي مستوي بصرك ُتراقصها لعلك تفيق، كأنك عندها في غيبوبة، لم تلحظ أن علي عينيك غشاوة وأنت ذهبت إلي بعيد، بل عدتَ من حيث أتيت. كنت جالسا علي المقعد الخشبي الطويل، متعطلا عصر يوم جمعة، رأسك منحن إلي الخلف علي حافة المقعد تنظر إلي الأشجار العالية حولك تغمر بأغصانها الكثيفة المكان بظلال رطبة. في الجو نسمة بداية ربيع تنتعش هنا مبكرا في منتصف شهر مارس، والشمس ما تزال ترسل خيوطا تتكسر أشعتها بين التواء الأغصان وإسفلت الشارع العابر هناك، المقابل لحيث تجلس، هنا في ما يشبه خميلة تدير ظهرها للملعب الرياضي لحديقة الجامعة العربية بالدار البيضاء، يسميها قدامي البيضاويين لا كزابلانكيز. بيدك جريدة العلم تلقي مرة، مرة، نظرة علي عناوين ملحقها الثقافي الذي يصدرالجمعة، عادة. تطويه وتعود إليه ضجرا وقلقا في آن. أنت تعرف السبب وتلوب منه، تناوره. لا دخل للحديقة في الموضوع، بل إنها تسعفك. تسعف غيرك، أيضا. من حسن الحظ أن الفرنسيين مروا من هنا وإلا لبقيتْ هذه الأرض جرداء، فكرة من بين أفكار دارت في رأسك وتناسبك جدا. هذه طريقة للهروب من الموضوع، الورطة. تعبتَ في مطاردتها، وحين تجاوبت أخيرا مع غزلك لم يكن لكما مكان تذهبان إليه فواصلتما السير إلي أن بلغتما الحديقة، قريبا من خميلتك، وكان المغرب يقترب، وقالت أخاف أن أبقي، وزادت أعدك سأحضر الجمعة المقبل، نعم بين الرابعة والخامسة، أنا أسكن في درب السلطان، وحق الله العظيم سأحضر، وقلتَ إنها ستأتي وقد أشرتَ لها إلي الخميلة فلن تخطئها، وأنت الآن مشوش البال، مضطرب كمراهق، عنقك صار يؤلمك من شدة ما التفتَّ يمينا ويسارا، تتوقع قدومها من هذه الجهة، لا من هذه، لا. . َنفَسُك يعلو وينخفض. ما زلت تنفرد بالمقعد الخشبي الطويل بمفردك، تتمني أن لا يجالسك أحد. بخلوّه سيتسع لكما. ستجلسان جنبا إلي جنب. لا تعرف كيف بالضبط، إنما لا بد أن شبرا سيبقي بينكما، فهي المرة الأولي. ستستحي منك، وأنت؟ ليست الأولي، إنما هذا القلق هو، هو. وهل ستجرؤ عليها، ستمسك بيدها، ستمد يدك نحو.. تجاوزت العشرين وتخاف. وماذا لو لم تحضر، لعلها عبثت بك، ستعبث..! لكنها وقفتْ أمامك بقدّها وقديدها. أنت متحيرٌ هل ستأتي أو لن تأتي، وهي علي خطوة منك، إليك ناظرة. ربما توقعتْ أن تقفز من جلستكَ لمجرد رؤيتها قادمة، ربما خيبتَ أملها، فتعود من حيث أتت. كفي! ضممتَ يدها مدتها للسلام، وعادت سحبتْها في ارتباك وقد دعوتها للجلوس، فات هوسك. قطعتَ الصمت تطري لباسها الوردي، فتورّد وجهها، أيضا، وذهب نظرُكَ يمينا ويسارا، وفوق وجوه رجال يسيرون غير بعيد عنكما، تحسب أنهم ينظرون إليكما شزرا أو بنصف عين. تزحزحتَ تقترب منها تزيح الشبر الذي بينكما. ارتعش جسدها إذ صرت لِصقها تقريبا، وازداد وجهها تورّدا، فواصلت زحفك غير مبال، ترفع ذراعك أعلي المقعد خلف عنقها مباشرة، ويدك الأخري تتلمس يدها باقية عندك بسخاء، فتشجعتَ، درت يمينا ويسارا، تريد أن ترفعها إلي فمك لتلثمها، لمّا أحسست بيد خشنة تقبض علي ذراعك خلف المقعد تهزه هزا، وصراخ من بدا بلباس حارس الحديقة أن هذا منكر!

وأنها علامة الساعة!

، وأن عينيك اللتين كان عليهما غشاوة انسدلتا لما قررت فاليري أن توقظك علي طريقتها حين اقتعدتْ كرسيا وغطستْ شفتيها في شفتيك، ولسانها يسبح في بِركتك سباحة عوام ماهر، بينا جسدها كله مضموم بين ذراعيك، لوقت لا تذكره، لمّا أحسستَ بيدٍ تربت بخفة علي كتفك فأخذتك رِعدة، نظرتَ إلي صاحبها فِزعا، فقال: معذرة أيها العشاق، حان موعد الإغلاق. كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية