بيروت – نهلا ناصر الدين: تستمر في الشارع اللبناني الاحتجاجات الشعبية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، منذ أسبوع، في وضع أصاب البلد بالشلل، عبر استمرار إغلاق المصارف والمدارس والجامعات، مع قطع الطرقات الرئيسية من شمال لبنان إلى جنوبه وبقاعه.
مع ارتفاع سقف المطالب بإسقاط الحكومة والنظام، تتزايد مخاوف من الفراغ والفوضى، وصولاً إلى تغيير النظام القائم بأكمله، في ظل تفلت الشارع من أية سيطرة سياسية.
النظام السياسي الحالي، أو وثيقة الوفاق الوطني (الطائف)، وضع بين الأطراف المتنازعة في لبنان بوساطة سعودية، في مدينة الطائف يوم 30 سبتمبر/ أيلول 1989، وتم إقراره بقانون في 22 أكتوبر/ تشرين أول 1989، منهيا حربا أهلية اندلعت عام 1975، وأسقطت أكثر من 120 ألف قتيل.
وتوجد ثلاث رئاسات في لبنان، هي رئاسة الجمهورية ويتولاها مسيحي ماروني، ورئاسة الحكومة ويتولاها مسلم سُني، ورئاسة مجلس النواب (البرلمان) ويتولاها مسلم شيعي، وهو ما يعتبره منتقدون ترسيخا للطائفية.
لا ينكر محللون سياسيون وجود هاجس الفوضى، وصولا إلى تغيير النظام، مع استمرار الاحتشاد الشعبي المليوني في الشارع ممزوجا بسقوط الخطوط الحمر، إذ لم يسلم أحد من الطبقة السياسية من شعارات وشتائم المحتجين.
وتتواصل الاحتجاجات رغم إقرار مجلس الوزراء، الإثنين الماضي، حزمة إصلاحات إنقاذية، تضمت إقرار موازنة عام 2020 بعجز 0.6 في المئة ومن دون ضرائب جديدة على المواطنين، ومساهمة مصرف لبنان المركزي والمصارف اللبنانية بخمسة آلاف ومئة مليار ليرة (3.3 مليار دولار) لخفض العجز في تلك الموازنة.
كما تتضمن الحزمة خفض رواتب الوزراء والنواب الحاليين والسابقين إلى النصف، وإقرار مشروع قانون العفو العام، وإقرار ضمان الشيخوخة قبل نهاية العام الجاري،
وتخصيص عشرين مليار ليرة (أكثر من 13 مليونا و200 ألف دولار) إضافيّة لدعم برنامج الأسر الأكثر فقرا، و160 مليون دولار لدعم القروض السكنية.
قال سيمون أبو فاضل، محلل سياسي وناشر موقع “الكلمة أونلاين”، إن “الخوف من الفوضى في هذه الأوضاع هو خوف مشروع، لا سيما وأن الفوضى في لبنان من دون آفاق، لكن لم يتبين حتى الساعة أن المطالب تخطت السقف الاجتماعي والمعيشي، ولم تصل لمرحلة الفوضى التي تتطلب إعادة النظر بالنظام”.
وأضاف أبو فاضل: “الحكومة لم تسقط، وهناك رئيس جمهورية ومجلس نواب يجتمع، لكن المشكلة اليوم هي أن هذه الوجوه غير قادرة على إقناع الشارع بجدية تطبيق الإصلاحات التي أقرّتها”.
وتابع: “لذلك لا بدّ من تشكيل حكومة بديلة من اختصاصيين بوجوه جديدة تحوز ثقة الشارع بطريقة سريعة استدراكا للوضع”.
واستطرد: “حتى الآن يبدو أن المتظاهرين لن يخرجوا من الشارع إلا بتقديم هذا البديل الحكومي”.
وأردف أبو فاضل: “لا مرجعية سياسية اليوم لهذا الشارع وإن كانت بعض الأحزاب حاولت أن تركب موجة التظاهرات لغايات سياسية، لكن الحركة الاحتجاجية من شمال لبنان إلى بقاعه وشماله تتخطى قدرة أي حزب بأن يوجهها”.
رأى غسان جواد، صحافي ومحلل سياسي، أن هذه “التظاهرات المطلبية غير مسبوقة على الأرجح بتاريخ لبنان، وتعبّر عن مستوى القهر والوجع الذي وصل إليه الشعب، لكن ليس هناك قيادة واضحة للحراك أو مطالب محددة، بل سقوف عالية جدا، فالوجع كان كبيرا جدا ومتراكما وليس وليد اللحظة، وهناك فقدان ثقة بمعظم الطبقة السياسية”.
واستبعد جواد، أن تصل المطالب لدرجة إسقاط النظام؛ “لأن النظام اللبناني واحد من أقوى الأنظمة في المنطقة بسبب خلفيته الطائفية، حيث تتشارك فيه الطوائف بمعظمها، ما يمنحه المناعة والقوة”.
وتابع: “التعويل على وعي الناس بأن يعمل المتظاهرون على مكتسبات مدنية تدريجية، ونبذ كل من يريد تنفيذ مشاريع سياسية على ظهر هذا الحراك، وتطوير الصيغة السياسية لتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي كالنموذج التونسي، بدلا من الوصول إلى الفراغ والفوضى كالنموذج الليبي، لا سيما وأن تغيير الأنظمة في لبنان مرتبط بالفوضى والدم”.
فيما فرق واصف حركي، محام وعضو المرصد الشعبي لمحاربة الفساد، بين إسقاط النظام وإسقاط المنظومة السياسية القائمة.
وقال حركي إن “مطالب الشارع اليوم هي إسقاط السلطة، باعتبارها منظومة متكاملة فقد الشعب الثقة بها، فارتفعت الشعارات بإسقاط النظام الذي حرم المواطنين من أدنى مقومات العيش الكريم”.
وأردف: “المستهدف اليوم هي السلطة بمفهومها المنظومي، هذه المنظومة السياسية التي جاءت بعد الطائف، وليس الطائف نفسه، والذي هو مع ملاحظاتنا عليه (اتفاق الطائف) لو أنه طبق لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، كونه حدد مهلا لإجراء انتخابات خارج القيد الطائفي، وتشكيل مجلس شيوخ، وإلغاء الطائفية السياسية”.
وشدد على أن “أي مؤتمر تأسيسي أو نظام جديد لا يمكن طرحه في ظل انفجار الشارع، بل بهدوء ونقاش مطول”.
وعن مطالب المتظاهرين قال حركي: “نحن باقون في الشارع حتى إسقاط حكومة الضرائب والسرقات ومنظومة الفساد والمحاصصة الطائفية التي أفلست لبنان، ونعول على وعي المتظاهرين؛ فالفوضى في حال حصلت ستكون مفتعلة من قبل أفرقاء في السلطة متضررين من الحراك”.
وختم بالتشديد على أن “لبنان بلد ليس مفلسا ولا فقيرا.. لبنان بلد منهوب، والمشكلة في النظام الاقتصادي الذي تديره منظومة من الفساد”. (الأناضول)