الناصرة- “القدس العربي”:
في ذكرى اليوبيل الفضي لتوقيع اتفاق وادي عربية بين الأردن وإسرائيل في 25 أكتوبر/تشرين أول 1994 والتي تحل اليوم تبدي أوساط إسرائيلية أيضا خيبة أملها وقلقها من جودة العلاقات الثنائية بينهما وتنوه للفجوة الكبيرة بين مستوى التعاون الأمني وبين التعاون في مجالات مدنية كما يتجلى في مشاريع اقتصادية كثيرة بقيت حبرا على ورق وبرفض أردني لطلبات وتوسلات إسرائيلية ملحّة لتمديد فترة استئجار مساحات زراعية في الباقورة والغمر.
في واحدة من الصور التاريخية الخاصة بـ”وادي عربة” يبدو العاهل الأردني الراحل الملك حسين يشعل سيجارة لرئيس حكومة الاحتلال الراحل اسحق رابين ووقتها ظنت بعض الأوساط في الطرفين أن العلاقات ستكون دافئة، وبعد ربع قرن يبدو تماما أن نار السيجارتين خبت وتحولتا لرماد، والسلام بارد ويقتصر على المستوى الرسمي فقط.
في افتتاحيتها، أكدت صحيفة “هآرتس” أمس أنه في ظل هذه ذكرى توقيع اتفاق وادي عربة بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والعاهل الأردني الراحل الملك حسين ورئيس حكومة الاحتلال الراحل اسحق رابين فإن العلاقات بينهما صارت وما تزال تصير أكثر تعقيدا. منوهة إلى أن التنسيق الأمني- الاستخباراتي تطور مع السنوات لكن مشاريع مدنية تطلعت لرعاية وتعزيز السلام بين الشعبين بقيت عالقة”.
وقالت الصحيفة الإسرائيلية في افتتاحيتها إن عمان تنتظر منذ 20 عاما أن تفي إسرائيل بوعودها ببناء مطار ومشاريع بنى تحتية كـ”قناة البحرين” بين البحر الأحمر والميت. كما تقول إن مشروع “بوابة الأردن” لبناء منطقة صناعية مشتركة تقدم قليلا في السنة الأخيرة لكن ما زال ينقصه شارع قصير بكلفة نحو 17 مليون دولار، موضحة أنه لا توجد وزارة إسرائيلية واحدة مستعدة لتمويله، ومما يزيد الحالة تعقيدا عدم وجود حكومة مستقرة تصادق عليه.
وسبق أن كشفت قبل أيام الصحيفة ذاتها أن الوحدة الخاصة التي أقامها رئيس مجلس الأمن القومي مئير بن شبات، “معوز” لمراقبة العلاقات الأردنية الإسرائيلية، وضعت أخيراً تقريرها السنوي عن الوضع الاستراتيجي للعلاقات بين الطرفين مع وصف هذه العلاقات بأنها “ثابتة وقوية”.
بالمقابل تشير إلى أن أجهزة أمنية أخرى في إسرائيل تشكك بهذا الجسم ودوره. وتشير هذه الأجهزة الإسرائيلية إلى علاقة وثيقة وتعاون بين إسرائيل وبين الأردن في تأمين الحدود المشتركة، وإحباط عمليات من الجانب الأردني وصولاً إلى تعاون سري في مجالات الطاقة والطيران. وتؤكد “هآرتس” على غطاء السرية في علاقات إسرائيل والأردن في مجال الأمن في ظل تردي وتضعضع هذه العلاقات في تجلياتها السياسية المعلنة والمستوى الشعبي. وتشير إلى أن الجانبين يفضلان إبقاء عمق هذه العلاقة الأمنية سراً وطي الكتمان، مقابل سعي إسرائيلي على الأقل لإشهار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية الشعبية للعلاقات مع الأردن.
معهد دراسات الأمن القومي
وينضم معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب لانتقادات “هآرتس” ويذكر أن هذه العلاقات جلبت فوائد ومنافع متنوعة للبلدين في مجالات المياه، الغاز، البُنى التحتيّة، السياحة، البيئة، الأمن والاستقرار، إلا أن التعاون بين البلدين لم يحقق حتى الآن كل الإمكانات الكامنة فيه. وفي الشهر المنصرم عقد معهد دراسات الأمن القومي مؤتمرا بهذه المناسبة تداول من جملة القضايا المطروحة فيه، تأثير القضية الفلسطينيّة ومكانة القدس على العلاقات بين الدولتين، والطرق الممكنة لدعم السلام. وفي بيان باللغة العربية دعا المعهد وقتها “جيراننا الأردنيين لمشاركتنا من خلال إرسال أسئلتهم من خلال التعليق هنا أو من خلال رسائل على الإنبوكس الخاص لصفحتنا. أسئلة مختارة سيتم طرحها على المشاركين في المؤتمر” لكن مثل هذه الأسئلة لم تصل.
هكذا يبدو السلام
وأوضحت محررة الشؤون العربية في “هآرتس” نوعا لانداو، أنه لا يوجد حتى الآن أي برنامج لإجراء احتفال رسمي لإحياء ذكرى تأسيس العلاقات التي فترت جداً منذ ذلك الحين، وذلك في ظل الأزمة بين الدولتين حول انتهاء موعد إعادة المناطق في “مجامع النهرين” جنوب طبريا، ومنطقة الغمر في وادي عربة لسيادة الأردن، وأيضاً الإعلان الأخير لرئيس الحكومة نتنياهو أنه ينوي ضم غور الأردن وشمال البحر الميت.
ونوهت أنه في مؤتمر معهد دراسات الأمن القومي الذي شارك فيه عدد من الأشخاص رفيعي المستوى في وزارة الخارجية الإسرائيلية، لم يُسجل حضور لممثل رفيع المستوى من حكومة إسرائيل أو السفارة الأردنية، عدا عن موظفين ونواب فقط. واستذكرت أن اللقاء جرى بروح متشائمة تركزت بشكل كبير على التحديات والعقبات منذ التوقيع على الاتفاق.
سلام بارد
في الدعوة للمؤتمر، اعتبرت العلاقات “سلاماً بارداً للدولتين مصالح كثيرة من أجل استمرار التعاون، ولكن الجمهورين في الأردن وإسرائيل لا يدركان الفائدة المتبادلة منه، ولكن الرمز البارز جداً في درجة برودة السلام مع الأردن هو لقاء سري في المؤتمر، لم يعلن عنه مسبقاً في الدعوة. وشارك فيه مواطنون من الأردن بينهم جنرالان سابقان أرادا عدم ذكر اسميهما أو اقتباس أقوالهما أو بثها”. كما قالت إنهما وصلا إلى إسرائيل بدون ختم جوازات سفرهما في المعبر الحدودي معتبرة أن هذه الحقيقة تعكس جيداً الوضع الذي وصلت إليه العلاقات السياسية بعد 25 سنة على إقامتها.
وتابعت: “حيث يخشى المواطنون الأردنيون من القدوم بشكل علني إلى إسرائيل”. يشار أن خبراء مختلفين شاركوا في اللقاء حاولوا الإشارة إلى بؤرة المشكلة، منهم من ركز على النزاع مع الفلسطينيين الذي يلقي بظله على زيادة الدفء المحتملة، والبعض ركز على مشكلة الحرم القدسي الشريف.
اعتداء السفارة
ونوهت إذاعة جيش الاحتلال في هذا المضمار، أن العلاقات بين إسرائيل والأردن مجمدة منذ زمن طويل. وقالت إنها اصطدمت بجرف صخري آخر في أعقاب الحادثة التي أطلق فيها حارس إسرائيلي في السفارة الإسرائيلية النار على مواطنين أردنيين في يوليو/ تموز 2017. موضحة أنه حسب شهادة الحارس، فقد هاجمه أحدهما بمفك. وقد حظي الحارس باستقبال دافئ من نتنياهو في إسرائيل، الأمر الذي أغضب الأردنيين. أما عودة السفارة للعمل تمت بعد أن اعتذرت إسرائيل عن الحادثة ووافقت على دفع التعويضات لعائلتي القتيلين.
وفي نطاق الانتقادات الإسرائيلية الذاتية، جدد رئيس المجلس الإقليمي عيدان غرينباوم “غور الأردن” انتقاداته لحكومة الاحتلال. وقال إنها لم تهتم بقضية العلاقات مع الأردن ولم تكترث كفاية لتجديد استئجار الأراضي في الباقورة والغمر، تاركة المزارعين في أزمة خطيرة. وكشف أن العاهل الأردني لم يرد على مذكرة أرسلها له قبل شهر طالبا اللقاء معه متوسلا له تمديد اتفاق الاستئجار.
وقال في مذكرته: “أكتب لك مباشرة وأقول إن القرار يعني كارثة بالنسبة لنا، وأن نتعاون كجيران”. في تفاصيل القلق الإسرائيلي على مصير الاتفاق، دعا وزير الخارجية الأسبق يوسي بيلين حكومة الاحتلال لإنقاذ اتفاق السلام مع الأردن، والتوقف عن النظر للمملكة على أنها دولة ضعيفة، بزعم أن موقعها الإقليمي في الشرق الأوسط ليس جوهريا، في حين أن المطلوب هو استغلال اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل للدفع قدما إلى الأمام بالمبادرة العربية لعام 2002، والانطلاق في مفاوضات على أساسها.
وأضاف في مقال جديد نشرته “يسرائيل هيوم” إنه “ليس مفاجئا أن يوم الـ26 أكتوبر الحالي لن يشهد إقامة حفل لإحياء الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتوقيع اتفاق السلام بين البلدين، لأنه ببساطة لن يقام مثل هذا الحفل، لا بصورة فردية في العاصمتين، ولا بصورة مشتركة”. مؤكدا أن مقتل المواطنين الأردنيين في حادثة السفارة، وتهريب الحارس إلى إسرائيل وحفاوة الاستقبال التي حظي بها من نتنياهو، كل ذلك أضر كثيرا بالعلاقة مع المملكة الأردنية، وأسفر عن أزمة عميقة في علاقات الجانبين، وبعد أن وافقت عمان على استقبال سفير إسرائيلي جديد، جاء إعلان نتنياهو بضم غور الأردن في حال انتخابه، ما أثار ردود فعل أردنية غاضبة”.
واعتبر بيلين أن استمرار اتفاق السلام الأردني الإسرائيلي يوفر الأمن للجبهة الشرقية لإسرائيل في ظل العلاقات الأمنية والاستخباراتية العميقة بينهما، مقابل معارضة النقابات المهنية الأردنية التي تقاطع إسرائيل، وزيارات المسؤولين الأردنيين إليها غير قائمة منذ سنوات، والبرلمان الأردني يشهد صدور تصريحات معادية لها، ودعوات للحكومة الأردنية لإلغاء اتفاق السلام معها.
خطر كبير
كذلك أكد على هذا التخوف رئيس الموساد الأسبق، إفرايم هليفي، صديق العاهل الأردني الراحل الملك حسين، بقوله: “إننّي أرى خطرا كبيرا على اتفاق السلام مع الأردن، ولا أتهِّم المملكة بذلك، بل أُوجِّه أصابع الاتهام لإسرائيل”.
وأضاف الرجل، الذي قاد المحادثات والمفاوضات السريّة مع الأردنيين، والتي أدّت لتوقيع الاتفاق عام 1994، أنّه “في السنوات الأخيرة ابتعدت الحكومات الإسرائيليّة على اختلافها عن المملكة الهاشميّة، بالإضافة إلى احتقار الأردن والتقليل من وزنه والاستخفاف به”.
وكشف هليفي النقاب عن أنّ إسرائيل تنظر إلى الأردن على أنها دولة لا مفر لها إلا الاعتماد على غيرها، مؤكدا أن هذا خطأ، وأن التصرّف يُهدِّد بشكلٍ خطيرٍ اتفاقية السلام المُوقعّة مع الأردن، مُشدّدًا على أنّ إعلان نتنياهو نيتّه ضمّ غور الأردن يُشكِّل عمليا تهديدا وجوديا على الأردن، وعلى استقرار النظام الحاكم فيه.
ورأى هليفي أن الوصاية الأردنيّة على المقدسات الإسلاميّة والمسيحيّة ليست واردةً في “صفقة القرن” مؤكدا أنّ هذا الأمر خطير للغاية، مُشيرا إلى أن حقيقة قيام إسرائيل بمد يد العون لإخراج هذا المُخطط إلى حيّز التنفيذ هو أيضا يمس مسّا سافرا بالمملكة الهاشميّة، لأنها عمليا تخرق خرقا فاضحا وواضحا اتفاق السلام.