لندن- “القدس العربي”:
كتبت النائبة الديمقراطية عن ولاية مينسوتا، إلهان عمر مقال رأي في صحيفة “واشنطن بوست” وصفت فيه أنظمة العقوبات التي باتت سلاحا حادا يلوح بها الرئيس دونالد ترامب ضد أي دولة بأنه جزء السياسة الخارجية الفاشلة ويجب التوقف عن استخدامها.
وقالت إن الرئيس ترامب تحدث قبل أقل من ثلاثة أسابيع عبر الهاتف مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فاتحا الطريق أمام سلسلة من الأحداث المتتالية التي أحدثت الفوضى وعرضت الأمن القومي الأمريكي والشرق الأوسط والعالم للخطر.
وتقول إن ما حدث بعد الغزو التركي لشمال- شرق سوريا كان كارثة أجبرت عشرات الآلاف من المدنيين على النزوح، وأدت إلى فرار مئات من مقاتلي تنظيم “الدولة الاسلامية”(داعش) فيما اتهمت المعارضة المسلحة التي تدعمها تركيا بارتكاب جرائم ضد الأكراد.
وتقول إن محاسبة المجرمين ودعم الأكراد ضرورية ولكن في نقاشات الكونغرس للتوغل التركي، طالب النواب الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء، بشيء واحد: العقوبات القاسية. وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر قال ترامب في بيان عن تركيا “أنا مستعد لتدمير الاقتصاد التركي وبشكل حاسم لو واصل القادة الأتراك طريقهم الخطير والمدمر” وفرض عقوبات قبل أن يرفعها يوم الثلاثاء ليعود ويهدد بعقوبات تشل تركيا.
وترى عمر أن تصريحات ترامب تعكس وبدون شك استراتيجية الولايات المتحدة الفاشلة ضد إيران وفنزويلا والقائمة على فرض “أقصى العقوبات”، وكما في نظام العقوبات على هاتين الدولتين فلو حدث مع تركيا فهناك كارثة إنسانية وجيوسياسية بالانتظار. وتقول إن السياسة الخارجية باتت في معظمها تعتمد على الذاكرة المفتولة التي لا أدوات لديها لاتخاذ القرار الصائب. وفي معظم الأحيان فإن العقوبات يتم فرضها بدون تفكير وبدون انسجام وتترك آثارا عكسية. وتكشف الدراسات أن العقوبات عادة ما لا تحقق أهدافها المرجوة. وفي السيناريو الأسوأ تضر بشعوب الدول وهم الناس الذين ندعي مساعدتهم، ولا تترك أي أثر على تصرفات الدولة. وتكشف الدراسات أيضا أن الدول تقوم بانتهاكات لحقوق الإنسان في ظل العقوبات أكثر من المعدلات التي تمارسها بدون عقوبات. وتقول إن العقوبات ليست نهاية في حد ذاتها، و”لكننا نستخدمها كورقة ضغط بدون خطة لما بعدها، سواء حققت أهدافها المنشودة أم لا”.
وتضيف أن العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على إيران دمرت الطبقة المتوسطة وزادت من العداء لأمريكا وزادت من التوتر بين البلدين بحيث وصلت لدرجة خطيرة، وكل هذا بعد سنوات من محاولة تحسين العلاقات بين أمريكا وإيران. وتضيف أن العقوبات زادت من قوة النظام الإيراني في الداخل ووحدت ما بين جماعات حقوق الإنسان والقيادة الإيرانية لمعارضة الإستراتيجية الأمريكية.
ومن الآثار المباشرة للعقوبات، نقص الأدوية التي تمنع الأمراض وتحمي الأرواح. وأشارت لما كتبته مجموعة من الناشطات الإيرانيات عن العقوبات “في الوقت الذي يزعم فيه دعاة العقوبات أنها للعناية بالشعب الإيراني إلا أن سياساتهم خلفت أمة خائفة ويائسة وبدون أمل لأن العقوبات والضغوط الإقتصادية لا تستهدف إلا النسيج الاجتماعي”. وتم تطبيق نفس السياسة المتخلفة على فنزويلا، حيث تحاول إدارة ترامب الضغط على حكومة نيكولاس مادورو والإطاحة به. وفرضت عليه عقوبات قاسية شملت شركة النفط الوطنية والمصرف المركزي على أمل إخراجه سريعا من السلطة لتجد الإدارة نفسها أمام أزمة مستعصية قد تؤدي إلى حرب أهلية. وبلا شك فالمشاكل في فنزويلا هي من صنع حكومة مادورو التي ورثت كما من المشاكل التي يمكن حلها لكنها تجاهلتها. ولكن العقوبات الأمريكية زادت من الكارثة الاقتصادية في البلد وقدمت لمادورو نصرا دعائيا. وحمل أمريكا مسؤولية الأزمة الاقتصادية واستمر في الحكم.
وتقول عمر إن إيران وفنزويلا تشيران لمشكلة أكبر وهي أن صناع السياسة الأمريكية يسارعون في فرض العقوبات على الأنظمة التي يختلفون معها دون التفكير بالعواقب الإنسانية وإمكانيات النجاح. وتؤكد أنها لا تنتقد نظام العقوبات بشكل كامل، فقانون ماغنستكي العالمي الذي يستهدف الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات في مجال حقوق الإنسان يمكن أن يكون آلية مهمة للمحاسبة لو استخدمت بطريقة صحيحة ولم يوجه فقط ضد الأعداء الجيوسياسيين.
كما أن حملات المقاطعة مثل تلك التي استخدمت ضد نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا يمكن أن تترك أثرها والتوصل لحل سياسي. إلا أن العقوبات الاقتصادية عادة ما تضر بالمدنيين ولا تقويهم. فالعقوبات على كوبا مفروضة منذ عقود ولكنها لم تؤثر على الحكومة الكوبية بل على ملايين الكوبيين. واستطاع الرئيس باراك أوباما تحقيق تقدم معها عبر الدبلوماسية والحوار.
ونفس الأمر كان يجب عمله في سوريا، بحيث قامت الولايات المتحدة بالتفاوض على المنطقة الآمنة لكي يعيش فيها المدنيون خارج نظام الأسد وليس منح ضوء أخضر أدى لقتل الأكراد كما تقول. وربما فرضت حظرا على تركيا يحد من قدرة أردوغان على شن الحرب كما يفكر الكونغرس حاليا. إلا أن معالجة المشكلة تحتاج إلى سياسة خارجية لا تفضل الحرب، عسكرية كانت أم اقتصادية.
وهذا يعني سياسة خارجية متجذرة بتجارب الناس الذي تضرروا من العقوبات وصادقة في معالجة انتهاكات حقوق الإنسان.
ومن هنا فمسألة الاعتماد المفرط على العقوبات يتوافق مع دعم المصالح القومية والدفاع عنها. ولهذا فقد حان الوقت لوقف الاعتماد على السياسة الفاشلة من فرض العقوبات.