إن هجوم الجيش التركي في شمال شرق سوريا، حملة “نبع السلام” التي بدأت في 9 تشرين الأول/أكتوبر، هو الهجوم الثالث الذي تنفذه تركيا في شمال سوريا، ويشكل الخطوة الأكثر طموحا لها حتى اليوم في سوريا بل والهجوم الذي أثار الانتقاد الدولي الأكبر. فالخطوات التي أدت إلى الهجوم ونتائجه هامة اقليميا ودوليا وتخرج عن المعركة المحددة.
إن القرار التركي للدخول إلى شمال شرق سوريا كان متوقعا في ضوء التهديدات المتواترة من جانب أنقرة لعمل ذلك، والتي بلغت ذروتها في خطاب ألقاه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، امام الجمعية العمومية للأمم المتحدة في شهر أيلول/سبتمبر.
عرض اردوغان في حينه خريطة تضمنت ترسيم ما تسميه تركيا “منطقة آمنة” تتطلع لاقامتها في شمال شرق سوريا. فمنذ الهزيمة الاقليمية لتنظيم داعش، وجدت إدارة ترامب صعوبة في أن تبرر مواصلة دعمها للحزب الديمقراطي الموحد، الذي يتماثل مع التنظيم السري الكردي الذي يعمل في تركيا، حزب العمال الكردي. وكان الحزب الديمقراطي المعروف باسم قسد حليفا للولايات المتحدة في القتال ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) ومسؤولا عن هزيمة القوات الإسلامية في القتال البري.
وفي المباحثات بين الولايات المتحدة وتركيا، والتي جرت في محاولة للوصول إلى توافق حول “المنطقة الامنية”، بدت فجوة هامة في تصميم الطرفين وكذا في الأهمية التي يولياها للموضوع. صحيح أنه في مداولات سابقة حاولت الإدارة الأمريكية أن تضمن حدا ادنى من المس بحلفائها، ولكن الرئيس ترامب الذي فاجأ مرة أخرى حتى مؤيديه الأقربين، أمر بعد مكالمة هاتفية مع اردوغان بانسحاب القوات وهكذا مهد التربة لبدء الحملة التركية.
بالنسبة لتركيا، هذا موضوع مركزي ذو أهمية سواء في الجانب الأمني أم في الجانب الداخلي. من ناحية أمنية رأت تركيا كتهديد نشوء الكانتونات الكردية ذات الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا وعملت على منع نشوء تواصل اقليمي بينها. وبواسطة الحملة الحالية تسعى تركيا لإعادة الدولاب إلى الوراء، بمعنى السيطرة الكردية الذاتية على هذه المناطق.
من ناحية داخلية، يتضح في تركيا ضجيج متصاعد ضد تواجد نحو 3.6 مليون لاجيء من سوريا في الدولة. ولمواجهة هذه المشكلة تخطط أنقرة لإعادة اللاجئين إلى ارض تسيطر عليها هي في المستقبل في سوريا. وبزعم محافل تركية رسمية، وإن كانت الأعداد لا تبدو دقيقة، فإن نحو 350 ألف لاجيء عادوا منذ الآن “طوعا” إلى المناطق التي احتلتها تركيا في حملاتها السابقة في الاراضي السورية.
تطور آخر كان يمكن حصوله مسبقا، كان خيار الحزب الديمقراطي التوصل إلى اتفاق مع نظام بشار الاسد في ضوء تنفيذ التهديدات التركية. في هذا السياق يذكر أنه في التسعينيات من القرن الماضي كان تعاون وثيق بين التنظيم السري الكردي، حزب العمال الكردستاني، وبين نظام الاسد الاب، وأدى هذا التعاون بتركيا وسوريا إلى حافة الحرب إلى أن استسلم الطرف السوري للضغوط التركية. في ضوء الوضع غير المستقر القائم اليوم في شمال شرق سوريا، ينبغي التحفظ والقول إنه لا تزال هناك شكوك حول قدرة الطرفين على التمسك بهذا الاتفاق على مدى الزمن.
وبالنسبة للجوانب الأكثر مفاجأة في الحملة – قرار قسد الاتفاق مع دمشق جاء بعد أربعة ايام فقط من بدء الهجوم التركي. وقدر كثيرون قبل الهجوم أن القوات الكردية ستصمد لزمن أطول أمام الأتراك قبل وصولهم إلى هذا القرار. ولكن في إطار الاتصالات السابقة بين الأمريكيين والاتراك، والتي كان هدفها منع عملية تركية من طرف واحد في شمال شرق سوريا، طلب الأتراك أن يفكك الأكراد التحصينات التي بنوها على طول الحدود مع تركيا. تفكيك التحصينات، والذي بدأ به الأكراد، ساهم في دونيتهم امام الجيش التركي في الهجوم الحالي.
الهجمات التركية على التجمعات الكردية ليست ظاهرة جديدة، ولكن الهجوم التركي الحالي نال انتقادا دوليا واسعا نسبيا. وقد وجد هذا تعبيره بفرض حظر سلاح من جانب دول اوروبية وعلى رأسها المانيا، فرنسا وايطاليا. ويشار إلى انه حسب زعم تركيا، فإن نحو 70 في المئة من احتياجات الجيش التركي تتم ذاتيا منذ الآن. ومع ذلك، لا تزال تركيا بحاجة إلى منظومات متطورة وقطع غيار بشكل يمنح حظر سلاح كهذا تأثيرا معينا.
إن قرار الرئيس ترامب اصدار الأمر مرة أخرى بانسحاب القوات الأمريكية من سوريا، حتى وإن كان من ناحية تكتيكية فاجأ الجهات الاقليمية والدولية، كان في خلفية المداولات التي جرت مع أنقرة وطرحت ايضا في محادثات سابقة بينه وبين اردوغان. والدينامية التي نشأت في العلاقات الأمريكية التركية منذ القرار الأمريكي بالانسحاب وبدء الحملة التركية، بما في ذلك نشر رسالة ترامب إلى اردوغان في 9 ايلول – التهديد بفرض عقوبات “ثقيلة” على تركيا – إلى جانب اعادة انتشار القوات الأمريكية في سوريا وفي العراق وزيارة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس إلى أنقرة، وفي أعقاب ذلك الاعلان في 17 تشرين الأول/اكتوبر عن التوصل إلى اتفاق لوقف النار لـ 120 ساعة، هي نتيجة مباشرة لحاجة الإدارة للتصدي للنقد الحاد الموجه للولايات المتحدة، بما في ذلك من جانب مشرعين جمهوريين كبار. وأكد هذا النقد المعاني الأخلاقية والعملية لهجر الحلفاء الذين قاتلوا إلى جانب الولايات المتحدة، على قدرتها على تجنيد حلفاء في المستقبل وعلى مكانة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وقدرتها على الردع في وجه تهديدات متصاعدة ولا سيما من جانب إيران.
مخاوف أخرى ناشئة تركز على إمكانية التفكيك المتوقع لقوات سوريا الديمقراطية، والتي سادت فيها القوات الكردية، مما سيزيد احتمال اعادة نهوض تنظيم داعش ككيان يسيطر على اراض اقليمية. مسألة اخرى بقيت حاليا بلا جواب هي حل الرئيس ترامب يعتزم الأمر أيضا بإنهاء تواجد القوات الأمريكية المتواجدة في جنوب سوريا، في منطقة معبر تنف، التي لها مساهمة هامة في الجهود لتصعيب الأمور على ايران وحلفائها من حيث العبور من اراضي العراق إلى اراضي سوريا.
بالنسبة للاتفاق بين الأكراد ونظام الاسد، يثور السؤال ما الذي سيتبقى للأكراد من الحكم الذاتي الذي نجحوا في خلقه لأنفسهم بعد اندلاع الحرب الأهلية في الدولة.
وسؤال مرتبط: حتى لو حقق الأكراد تنازلات من النظام، فهل سيتحترم الاتفاقات على مدى الزمن، وهل يمكنه بالفعل أن يفرض حكمه في هذه المناطق. سؤال حاسم آخر هو إلى أي حد ستضغط موسكو على الأسد للسماح بالتواجد التركي القائم منذ الآن وذاك الجديد ايضا، على مدى زمن طويل، و/ أو ستدفع النظام السوري لأن يسمح بعودة اللاجئين إلى المناطق التي اعاد سيطرته عليها.
من ناحية تركية، حتى الآن حققت الحملة أهدافا عسكرية وسياسية هامة. فضلا عن ذلك، في نظر أنقرة، مثلما أيضا من ناحية لاعبين إقليميين ودوليين آخرين فان القرار الأمريكي بالانسحاب، مثل تصريحات الرئيس ترامب ايضا، تشدد على اهتمامه بوضع حد للتدخل العسكري الأمريكي في النزاعات الاقليمية. يعزز هذا المفهوم الفهم بأنه يجب الاستعداد سياسيا وعسكريا لواقع استراتيجي مختلف، سواء في سوريا أم في المجال الاقليمي، مع التشديد على مجالات المناورة، لاتخاذ خطوات أكثر جرأة للدفاع عن المصالح، أو كبديل، العمل على خطوات استراتيجية اخرى، تقدم جوابا للتهديدات. من المتوقع لهذا أن تكون معان ايضا بالنسبة لإسرائيل ولمنطقة شرق البحر المتوسط، حيث شددت تركيا جدا نشاطها هناك وتتخذ سياسة في التأكيد الذاتي.
إن مظاهر العطف في إسرائيل تجاه الأكراد على خلفية الهجوم التركي الحالي جاءت سواء من اليمين أم من اليسار. وبينما الانتقاد على تركيا ولا سيما على اردوغان، بات موقفا متواترا في إسرائيل، يتضح أيضا تماثل أساسي أكثر مع الشعب الكردي. رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، شجب الهجوم التركي وأطلق وعدا إسرائيليا بتقديم المساعدة الانسانية للأكراد، رغم أن قدرة إسرائيل على الوصول إلى تلك المنطقة محدودة. من ناحية أنقرة، وبالتأكيد من ناحية الجمهور التركي، يعد هذا تعبيرا عن التأييد للتنظيم السري الكردي، والذي يماثل المس بالأمن القومي.
في السطر الأخير، إن قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا ضعضع جدا الاستقرار في هذا الجزء من الدولة. وهجر الشراكة الكردية في إطار قوات سوريا الديمقراطية، والتي كانت القوة الحاسمة البرية ضد داعش، هو اشارة تحذير لشركاء آخرين للولايات المتحدة.
إن انصراف القوات الأمريكية، وبالشكل الذي تم فيه، يمنح انتصارا سهلا أكثر من المتوقع لخصوم الولايات المتحدة، ولا سيما لإيران. وهو من المتوقع أن يسهل بقدر كبير على إيران تفعيل المحور البري الشيعي على العراق إلى سوريا وإلى لبنان، ويترك إسرائيل وحدها عمليا في المعركة ضد تثبيت التواجد الايراني في المنطقة.
بقلم: غاليا ليندنشتراوس والداد شافيت
نظرة عليا 24/10/2019