الدكتور نبيل شعث مستشار سياسي للرئيس محمود عباس، وأحد أعضاء القيادة التاريخية لحركة “فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية ومن مؤسسي السلطة الفلسطينية.
رافق الزعيم الراحل ياسر عرفات خلال خطابه الشهير في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 وشارك في مؤتمر مدريد للسلام، وترأس وفد فلسطين في مفاوضات غزة أريحا مع إسرائيل.
ولد نبيل شعث في الثامن من تشرين ثاني (نوفمبر) عام 1938 في فلسطين وما زال بيت عائلته قائما في مدينة يافا.
حصل على درجة الماجستير في التمويل والبنوك من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1961 وعلى درجة الدكتوراه في الاقتصاد والعلوم الإدارية من نفس الجامعة عام 1965 ثم دكتوراه فخرية في القانون من الجامعة نفسها عام 1996.
شغل عدة مناصب وزارية في السلطة الفلسطينية منها وزير التخطيط والتعاون الدولي، ووزير الخارجية، ونائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام وعضو في اللجنة المركزية لحركة “فتح” وانتخب عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني الأول للسلطة الفلسطينية بعد تأسيسها.
عمل محاضرا في إدارة الأعمال في جامعة بنسلفانيا بين عامي 1961 و1965 ثم أستاذا في المعهد القومي للإدارة العليا في القاهرة والجامعة الأمريكية في القاهرة وجامعة الإسكندرية بين عامي 1965-1969.
وخلال الفترة 1969-1975 عمل أستاذا ثم عميدا لكلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في بيروت.
صدر للدكتور شعث حديثا كتاب “حياتي من النكبة إلى الثورة” وهو كتاب مذكرات عرض فيه تجربته في العمل الوطني والسياسي الفلسطيني.
في حديثه لـ”القدس العربي” يقدم الدكتور نبيل شعث قراءة للواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية الآن، مستخلصا الحاجة الماسة إلى إجراء انتخابات عامة في فلسطين، باعتبارها طريقا لتحقيق الوحدة الوطنية. وفي ما يلي نص الحوار:
* أعلن الرئيس محمود عباس في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) الماضي عن عزمه إجراء انتخابات عامة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما فيها القدس. لماذا اختار الرئيس منصة دولية للإعلان عن انتخابات فلسطينية؟ وهل هو جاد في إجراء هذه الانتخابات؟ أم أن الأمر لا يعدو ان يكون رسالة طمأنة للعالم؟
**الرئيس اتخذ القرار قبل ذهابه إلى الأمم المتحدة، لكنه أراد ان يكون جزءا من خطابة أمام هذه المنصة العالمية من أجل التأكيد للعالم أننا نؤمن بالديمقراطية رغم الصعوبات.
نحن في حاجة ماسة إلى إجراء انتخابات عامة، إلى استعادة الديمقراطية الانتخابية في فلسطين، ونحن نرى في هذه الانتخابات طريقا لتحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهي طريق أكثر جدوى من الطريق السابق القائم على تأسيس وحدة تفاوضية بين القوى أولا ثم الذهاب إلى الانتخابات.
نريد أن نتوجه إلى الجمهور، والجمهور يقرر لمن يعطي ثقته، ثم نعمل على تشكيل حكومة ائتلافية استنادا إلى نتائج الانتخابات، فالحزب الذي يحصل على عشرة في المئة من الأصوات، على سبيل المثال، يحصل على مقعدين في الحكومة. نريد انتخابات تعمل على تحقيق الوحدة وفق مبدأ التمثيل النسبي، نريد بناء إطار لا يستبعد أحدا من خلال التصويت الشعبي، وهي فكرة متميزة وقادرة على تحقيق الوحدة الوطنية وتحقيق رقابة للجمهور على قرارات السلطة، وبناء علاقة أفضل بين السلطة والجمهور، واستعادة الديمقراطية الانتخابية. حكومة ائتلافية تنتج عن انتخابات عامة ستكون أكثر قدرة على إنهاء الانقسام وإعادة الوحدة.
الرئيس محمود عباس مصر على إجراء الانتخابات، ونحن في حاجة إلى موقف إيجابي من حركة “حماس” من أجل إجراء الانتخابات في قطاع غزة.
أما بالنسبة للقدس، فنحن نتوقع من العالم ممارسة ضغط على إسرائيل من أجل السماح بإجراء الانتخابات فيها كما حصل في الماضي، وسيكون من الصعب على إسرائيل منع إجراء الانتخابات في القدس في الوقت الذي تدعي فيه أنها دولة ديمقراطية.
العالم سيساهم في إنجاح الانتخابات الفلسطينية كما ساهم في ذلك عام 2006 (الانتخابات الأخيرة التي جرت في الأراضي الفلسطينية) حيث أرسل ألف مراقب دولي للرقابة على نزاهة تلك الانتخابات التي فازت فيها حركة “حماس” والتي لا يستطيع أحد ان يشكك في نزاهتها بدليل فوز حركة “حماس” فيها.
ولدينا لجنة انتخابات مستقلة ومعروفة بحيادها يقودها الدكتور حنا ناصر، وشكلت فريقا للذهاب إلى غزة والالتقاء مع مختلف الفصائل والعمل على تذليل العقبات وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تنتج عنها حكومة ائتلافية تحقق الوحدة وتنهي الانقسام.
العقبة الرئيسية أمام الانتخابات تبقى حركة “حماس” ونحن نأمل أن تستجيب لهذا المطلب الشعبي الفلسطيني، وتقبل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع وسيلة لإنهاء الانقسام وإعادة الوحدة.
*نتائج الانتخابات السابقة أدت إلى حدوث انقسام، فلماذا نتوقع نتائج مغايره هذه المرة؟
**لأن هذه الانتخابات مختلفة، نحن نذهب إلى انتخابات بهدف واضح وهو تشكيل حكومة ائتلافية تعمل على إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، هذه الانتخابات مختلفة لأنها تعني الشراكة وفقا للنتائج وليس قيام الطرف الذي يفوز بأكثر من 50 في المئة من الأصوات بتشكيل الحكومة لوحده والاستفراد بالقرار. نحن نقول لا نريد ان نستبعد أحدا.
* كانت لدينا حكومة وفاق وطني ولم تحقق الوحدة؟
** هذه المرة الأمر مختلف، فالهدف هو انتخابات تؤدي إلى حكومة وحدة، حكومة يختارها الشعب، بهدف تحقيق الوحدة، وهي مختلفة عن حكومة الوفاق التي جرت عبر تفاوض بين القوى. نحن نسعى هذه المرة إلى حكومة تأتي من الشارع وليس من المفاوضات بين القوى، وهذا أمر مختلف.
* وهل حركة “فتح” قادرة على توحيد ذاتها والذهاب إلى انتخابات في مواجهة حركة “حماس”؟ في الماضي قامت شخصيات ومراكز قوى في داخل “فتح” بخوض الانتخابات بصورة مستقلة عن الحركة ما أدى إلى تشتيت أصواتها؟
**الخلافات تظل داخل “فتح” ولن تخرج منها ولن تنعكس على المنافسة مع “حماس”. “فتح” ستكون موحدة في الانتخابات، وظاهرة دحلان (القيادي السابق محمد دحلان الذي يعيش في الخارج) لن تتكرر بعد التجربة الهزيلة التي قام بها في الانتخابات السابقة (شكل مع آخرين قائمة موازية لقائمة حركة فتح الرسمية لكنهم قاموا بحلها قبيل إجراء الانتخابات).
“فتح” جاهزة لانتخابات حقيقية ونزيهة وعادلة تهدف إلى تحقيق الوحدة.
* القيادة الفلسطينية قررت وقف العمل بالاتفاقات مع إسرائيل والانفكاك عنها. هل هذا هدف واقعي ممكن؟
**هناك صعوبات كبيرة، لكن الأخ رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية يعمل بدأب على تحقيق هذا الهدف. فقد ذهب إلى العراق ومصر والأردن والرئيس ذهب إلى السعودية من أجل الانفكاك عن إسرائيل.
ستعمل الحكومة على استبدال السلع المستوردة من إسرائيل بسلع مستوردة من الأردن ومصر، وإسرائيل لديها علاقات مع مصر والأردن وبالتالي لا تستطيع الاعتراض على الاستيراد منهما. كما ان استيرادنا من العراق سيكون عبر الأردن التي لدى إسرائيل علاقات دبلوماسية معها.
هناك خطوات حقيقية تقوم بها الحكومة من أجل الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل.
كما ان لدى الحكومة خطة تنمية مثل إعادة الإعمار التي وضعت لدى تأسيس السلطة عام 1994 والتي تضمنت إقامة مطار وميناء كي نتحرر من إسرائيل.
كانت لدينا في السابق اتفاقيات تجارية مع كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي وسويسرا وروسيا وسنعمل على إعادة إحياء مثل هذه الاتفاقات على طريق الانفكاك الاقتصادي مع إسرائيل.
لكن الخطوة الرئيسة المطلوب منا القيام بها في هذه المرحلة من أجل الانفكاك الاقتصادي هي مقاطعة البضائع الإسرائيلية. مطلوب حملة مقاطعة تبدأ من المدرسة والأسرة. علينا ان نستبدل البضائع الإسرائيلية ببضائع فلسطينية وعربية.
* إسرائيل صاحبة اليد العليا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعادة لا يجري شيء هنا الا بالتفاهم معها من خلال المفاوضات والاتصالات، فهل يمكن لنا وقف العمل بالاتفاقات التي لديها اليد العليا في تطبيقها مثل الاتفاق الاقتصادي والأمني وغيره. فهل يمكن العودة إلى المفاوضات والاتصالات من أجل قضايا من هذا النوع الحياتي وليست مفاوضات سياسية؟
**لا تفاهمات ولا مفاوضات مع إسرائيل بوجود هذه الحكومة اليمينية المتطرفة. وحتى لو راح نتنياهو فان البديل القادم سيكون من ذات النظام اليميني المتطرف. وفي ظل وجود رئيس مثل دونالد ترامب في البيت الأبيض فانه لا يمكننا الرهان على أية عملية سياسية لأنها ستكون منحازة للطرف الإسرائيلي بلا تردد.
الهدف الاساسي لنا في هذه المرحلة هو العمل على إعادة بناء الداخل الفلسطيني، إعادة بناء الإطار السياسي، ووضع خطة اقتصادية وفتح أبواب العلاقات الاقتصادية مع العرب.
مطلوب منا انجاز الوحدة الوطنية وتعزيز العلاقات الوطنية والتوجه نحو استقلال اقتصادي أكبر عن إسرائيل.
*راهنت القيادة الفلسطينية على الحراك على الساحة الدولية وتجنيد ضغط دولي على إسرائيل، لكن الواضح ان إسرائيل غير معزولة، وتزداد علاقاتها تطورا مع مراكز القوى المهمة في العالم.
** القيادة الفلسطينية لا تتوقف عن الحراك الدولي والعربي، لكن وجود نظام متعجرف في أمريكا التي ما زالت تحكم العالم يؤثر سلبا. لكن العالم متغير، وتوقعاتي انه خلال السنوات المقبلة فإن العالم سيكون متعدد الأطراف وليس محكوما من قبل طرف واحد هو أمريكا، عالم متعدد الأقطاب فيه الصين العظمى التي تتطور إلى عملاق اقتصادي وعسكري وسياسي، عالم فيه روسيا التي تنمو قوتها وتأثيرها وغيرهما وهذا يؤثر. الرئيس الروسي بوتين يزور السعودية، هذا جديد. التغيرات الجارية في المنطقة هزت ثقة الزعماء بالرئيس الأمريكي ترامب. العالم يتغير.
لكن ما زال العالم محكوما من قبل أمريكا الحليف لعدونا وهذا له تأثيره. قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير على أمريكا ضعيفة. الاتحاد الأوروبي يضغط ويحاول لكنه يواجه الصد. أمريكا تضغط على بريطانيا من أجل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وتضغط بوقاحة من أجل تحقيق هذا الهدف، والاتحاد الأوروبي يراقب وهو غير راض عن هذا السلوك.
علينا ان نستمر في الحراك على الساحة الدولية، علينا أن نقوم بواجبنا في تحقيق الديمقراطية، والإصلاح وتحقيق الوحدة من أجل مواصلة نضالنا بقدرة وكفاءة أكبر.
* كتبت مذكراتك “حياتي من النكبة إلى الثورة”. ما هي الدروس التي أردت تقديمها للأجيال الجديدة من السياسيين الفلسطينيين في هذه المذكرات؟
**علينا دائما أن نحقق الوحدة، ان نسعى بكل ما يمكن إلى ذلك. التمزق والانشقاق يؤديان إلى إضعاف قدرتنا على الاستمرار في النضال وتحقيق النجاح.
في عام 1948 واجهنا أكبر مصيبة في تاريخنا وهي النكبة، ولم تكن لدينا قيادة موحدة لمواجهتها، لهذا فإن وجود قيادة موحدة، يجري اختيارها بطريقة ديمقراطية مسألة مهمة. هذا درس تعلمناه جيدا.
ثانيا، هناك أهمية كبيرة للعرب رغم العجز الذي يتسم به العالم العربي، إلا ان الدعم العربي مهم لنا. وحدة العرب أيضا مهمة. لولا أن العرب توحدوا عام 73 لما تحقق النصر لهم. وحدة شعبنا ووحدة العرب أمر مهم جدا في نضالنا.
كما أننا في حاجة إلى اقتصاد قوي. لم يعد كافيا الاعتماد على قناعة الناس، يجب أن يكون لدينا اقتصاد قوي يعتمد عليه الناس في بقائهم وصمودهم، ويجب ان تكون لدينا حركة مقاومة شعبية تتبنى المقاومة الشعبية بكل أشكالها إلى جانب تحرك دولي فاعل.
* كيف ترى مصير خطة صفقة القرن الأمريكي التي يعدها الرئيس الأمريكي، هل هناك فرصة لهذه الخطة؟ هل ترى ان الإدارة الأمريكية قادرة على تجنيد ضغط عربي على القيادة الفلسطينية من أجل الانخراط في عملية سياسية من هذا النوع؟
**لا توجد أي فرصة لنجاح هذه الخطة، ولا قلق على شعبنا من هكذا خطة، فهو قادر على مواجهة هذه الخطة بصموده.
في العام 1948 كان عدد شعبنا 1.5 مليون نسمة، وجرى طرد وتهجير مليون وبقي في الوطن نصف مليون وهؤلاء صمدوا وبات عددهم اليوم 6.5 مليون وفي الشتات أيضا عدد مماثل.
هذا شعب صامد لا يتنازل عن أرضه ووطنه.
أما العرب فقد اكتشفوا مشروع ترامب للمنطقة، وعرفوا انه سيتخلى عنهم في أول موقف، لذلك لن يثقوا به ولن يسيروا وراءه.
كل مشروع ترامب قام على إيهام العرب ان عدوهم الحقيقي هو إيران وليس إسرائيل، وان مواجهة إيران تمر من خلال التحالف مع إسرائيل، لكن شاهد العرب كيف ان ترامب لم يتدخل عندما تعرض نصف احتياطي النفط السعودي للضرب، وشاهدوا أيضا كيف انسحبت القوات الأمريكية من سوريا وتركت الأكراد لوحدهم وسمحت للقوات التركية بالدخول. هذا وجه ضربة قاصمة لمصداقية ترامب وباتت كل وعوده هباء. الاقطار العربية تعلمت درسا قاسيا مفاده ان ترامب لن ينفعنا ولن ينفعنا سوى وحدتنا وتمكسنا بحقوقنا.
* الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها القدس لم يبقي أرضا لإقامة دولية فلسطينية متواصلة عليها. فهل يعني هذا انتهاء حل الدولتين؟ وما هو البديل عن حل الدولتين؟
** حل الدولة الواحدة أكثر صعوبة من حل الدولتين، وحل الدولة الواحدة يعني نهاية الكيان الصهيوني وتحول البلاد إلى دولة ذات أغلبية عربية، دولة تكون جزءا من العالم العربي، والمؤكد أن إسرائيل لن تقبل بدولة فيها حقوق متساوية للفلسطينيين وهي تعرف ان ذلك سيكون نهاية لها.
كنت صاحب فكرة الدولة الديمقراطية على كامل تراب فلسطين، وقد تبنى المجلس الوطني هذه الرؤية في العام 69 وأدخلها في الميثاق الوطني الفلسطيني.
لكن هناك توافقا عالميا على حل الدولتين، على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 67 وعاصمتها القدس، وعلى حقوق اللاجئين، وهذا ما زال مقبولا من قبل العالم لذلك لن نتخلى عنه من أجل هدف أكثر صعوبة.
مشروع الدولة الواحدة مشروع للمواجهة طويلة الأمد لأنها تعني نهاية الكيان الصهيوني واستبداله بدولة ديمقراطية تكون جزءا من العالم العربي.
* راهن الفلسطينيون كثيرا على محكمة الجنايات الدولية وعلى غيرها من المنظمات الدولية التي انضموا إليها في السنوات الماضية، لكن تبين ان إجراءات هذه المحكمة وغيرها من المنظمات الدولية بطيئة جدا.
**المنظمات الدولية تسير ببطء شديد مثل كل الإجراءات القضائية، لكن هذا فضاء عالمي نتابعه باهتمام. هذا أحد الأسلحة وليس السلاح الوحيد. علينا ان نواصل ملاحقة إسرائيل في المحاكم وفي المنظمات الدولية مهما أخذ ذلك من وقت وجهد.