لوغاريتمات بريكست: معارضة ترفض الانتخابات المبكرة ورئيس حكومة يهدد بمقاطعة البرلمان

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

النظام السياسي البريطاني في حال شلل، الحكومة عاجزة بدون أغلبية في مجلس العموم، والمجلس عاجز بسبب انقسامه على نفسه. هذا الحال من المستحيل أن يستمر. بوريس جونسون أعلن أنه سيطلب من البرلمان الموافقة على الدعوة لإجراء انتخابات عامة مبكرة، مقابل منح النواب مهلة حتى 6 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لمناقشة تفاصيل القانون التنفيذي للانفصال. بذلك يكون جونسون قد أسقط تلقائيا الوعد الذي قطعه على نفسه، بأن يأخذ بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي نهاية تشرين الأول/أكتوبر الحالي. زعيم حزب العمال المعارض رد على الدعوة واصفا إياها بأنها مؤامرة مرفوضة، وقال إن موقف الحزب منها سيتحدد على أساس شرطين، الأول هو ضمان عدم انفصال بريطانيا بدون اتفاق، والثاني هو المدة الزمنية للمهلة التي سيوافق عليها الاتحاد الأوروبي لتمديد تاريخ الانفصال. الاتحاد الأوروبي زاد الأمور تعقيدا، وبدلا من أن يمنح بريطانيا مهلة زمنية محددة، أعلن أنه يوافق من حيث المبدأ على مهلة لغرض الانتهاء من إجراءات التصديق على الاتفاق، لكن المدة الزمنية ستتوقف على تصويت النواب في مجلس العموم على طلب الحكومة إجراء انتخابات مبكرة.

عملية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، عادت من جديد إلى المربع الأول، بسبب موقف البرلمان، الذي رفض من قبل اتفاقين تقدمت بهما تريزا ماي رئيسة الوزراء السابقة، مما تسبب في رحيلها. الآن يقول زعيم حزب العمال وغيره من قيادات المعارضة أن اتفاق ماي الأخير كان أفضل من اتفاق جونسون الحالي. حزب الأحرار الديمقراطيين يعارض اتفاق جونسون، ليس لأنه يعارض شروطه، وإنما لأنه يعارض الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. بينما الحزب القومي الإسكتلندي، يعارض الاتفاق، لأنه يريد الانفصال عن المملكة المتحدة، والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كدولة مستقلة بعد استفتاء عام.

أبعاد جديدة

الأزمة السياسية الحالية في بريطانيا، تعود إلى سببين، الأول هو عدم الثقة بين الأطراف المختلفة، الأمر الذي أدى عمليا إلى شلل الحكومة والبرلمان. والثاني هو صراع الهوية الذي يتجلى في الانقسام الحاد بين تيار مضاد لأوروبا، وآخر يميل إليها. هذه الأزمة اتخذت أبعادا جديدة بعد أن أعلن بوريس جونسون أنه سيطلب من مجلس العموم تأييد اقتراحه بالدعوة إلى إجراء انتخابات عامة مبكرة في 12 كانون الأول/ديسمبر المقبل. هذا التاريخ يعني أن البرلمان يجب أن ينتهي من إقرار بنود قانون الانفصال بأكملها بحلول 6 تشرين الثاني/نوفمبر، بما يمنح الأحزاب الوقت الكافي للحملة الانتخابية (5 أسابيع). لكن أحزاب المعارضة اتفقت على أن هذه المهلة غير مقبولة وأنها ستصوت ضد الاقتراح. الحكومة لا تستطيع وحدها اتخاذ قرار بإجراء انتخابات مبكرة، لأن ذلك يحتاج إلى أغلبية الثلثين، وهي لا تملك هذا العدد بدون تأييد عدد كبير من نواب حزب العمال.

التعليقات على اقتراح جونسون أظهرت التالي:

أولا، أن حزب العمال ليس منقسما حاليا ليس إلى تيارين ولكن إلى ثلاثة تيارات، الأول يؤيد الانفصال على أساس اتفاق بوريس جونسون، وقد صوت هؤلاء بالفعل لصالح الاتفاق. الثاني، وهو الأغلبية، يؤيد البقاء ويرفض الانفصال. والثالث يدعو إلى طرح الاتفاق على الناخبين للتصويت عليه في استفتاء عام. أغلبية نواب الحزب، ترفض حاليا طلب الدعوة لانتخابات مبكرة. السبب الجوهري في ذلك أن شعبية العمال بين الناخبين منخضة جدا، حسب استطلاعات الرأي العام الأخيرة، التي تظهر أن العمال يتخلفون وراء المحافظين، بما يتراوح بين 10 إلى 15 في المئة من أصوات الناخبين. وعلى أساس هذه المعطيات، فإن تمديد أجل المناقشات في مجلس العموم لاجدوى منه، لأنه الحزب رفض الاتفاقات السابقة، بسبب أن أغلبيته لا تريد على الإطلاق أن تنفصل بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. جونسون يتهم قيادات الحزب بإضاعة الوقت، وإعاقة انفصال بريطانيا، والإنقلاب على نتيجة الاستفتاء. زعيم الحزب يطلب ضمانا بألا تنفصل بريطانيا بدون اتفاق.

ثانيا، حزب الأحرار الديمقراطيين، يعتبر اتفاق جونسون سيئا. لكن هذا الموقف ينطوي على نفاق سياسي، حيث أن الحزب في مؤتمره الأخير، تبنى قرارا برفض الانفصال، والإبقاء على عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي؛ فإذا كان الموقف كذلك، فلماذا يطلب الحزب تمديد أجل مناقشة قانون الاتفاق؟ ولماذا لا ينضم إلى الحزب القومي الإسكتلندي، والعمال في التصويت لصالح إجراء انتخابات عامة مبكرة، للفوز وتحقيق السياسة التي يدعو إليها؟ حزب الأحرار هو في حال تناقض مع نفسه، وكل ما يريده هو استفزاز بوريس جونسون والتصويت ضد أي اقتراح يقدمه رئيس الوزراء. ما يقال عن الأحرار ينطبق أيضا على الحزب القومي الإسكتلندي، وبقية أحزاب المعارضة التي ترفض انفصال بريطانيا، وترفض في الوقت نفسه إسقاط حكومة بوريس جونسون.

ثالثا، إزاء هذا الاستقطاب ضد اقتراح إجراء انتخابات عامة مبكرة، قال بوريس جونسون، إنه إذا صوت مجلس العموم برفض الاقتراح، فسوف يتخذ قرارا بعدم التعاون مع البرلمان فيما يتعلق بمناقشة بنود قانون الانفصال، وسوف يلجأ إلى تجميد هذه المناقشة تماما، ويستمر في الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة. هذا يعني من الناحية العملية تعطيل أعمال البرلمان، فيما يتعلق بموضوع بريكست. وليس في إمكان أحزاب المعارضة في هذه الحالة إلا الاستسلام لموقف الحكومة، أو مساءلة رئيس الوزراء، وتقديم اقتراح بسحب الثقة من الحكومة. في حال الفوز بالتصويت، سيكون البرلمان أمام خيارين، الأول هو تشكيل حكومة بديلة، يصر جيريمي كوربن زعيم حزب العمال على رئاستها، فإذا فشل في ذلك خلال أسبوعين، يكون الحل الأخير هو إجراء انتخابات عامة مبكرة، وهو ما يريده جونسون. حزب الأحرار الديمقراطيين يعارض من حيث المبدأ وجود كوربن على رأس الحكومة، بينما الحزب القومي الإسكتلندي أعلن أنه على استعداد لتأييده، بشرط أن يقدم تعهدا بمنح اسكتلندا حق إجراء استفتاء عام في العام القادم، للتصويت على اقتراح بالانفصال عن المملكة المتحدة. عمليا، لا يستطيع كوربن تقديم مثل هذا التعهد. كذلك فإن طموح الحزب القومي الإسكتلندي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، هو طموح بعيد المنال، لأن إسبانيا على الأقل، ستستخدم حق الفيتو ضد الطلب، لأن ذلك يتعارض مع مصالحها في عدم انفصال إقاليم كتالونيا.

رابعا: بذلك يكون الموقف حتى الآن معلقا على قرار التمديد الذي سيتخذه الاتحاد الأوروبي. وقد وافق مجلس الاتحاد على طلب التمديد، وبذلك ينكسر وعد جونسون بالخروج في نهاية تشرين الأول/أكتوبر. لكن الآراء تتضارب بين الداعين إلى منح بريطانيا مهلة تمتد حتى 31 كانون الثاني/يناير 2020 وبين الذين يريدون مهلة قصيرة لا تتجاوز 15 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. ويتردد أن الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون يميل إلى الرأي الأخير، بينما تفضل دول أخرى نهاية كانون الثاني/يناير. وسط هذا التضارب في الآراء، اقترح رئيس الوزراء الإيرلندي ليو فارادكر حلا وسطا، يتمثل في منح مهلة مرنة بحد أقصى نهاية كانون الثاني/يناير، مع إمكان الانفصال في أقرب وقت ممكن. وربما يكون ذلك هو الحل الأخير، إلا إذا هدد ماكرون بالاعتراض على التمديد إلى نهاية كانون الثاني/يناير. حزب العمال البريطاني الذي أعلن تعليق موقفه حتى يتضح القرار الأوروبي أصبح في مأزق حاليا. في حال الموافقة على تمديد قصير، سيكون موقف جونسون أقوى، نظرا لأن البديل سيكون خروج بريطانيا بدون اتفاق، وهو ما لا يمانع فيه جونسون ويرفضه البرلمان. أما في حال التمديد حتى نهاية كانون الثاني/يناير فهذا ربما يمنح أحزاب المعارضة فرصة للتشدد ورفض الانتخابات المبكرة إلا بضمانات.

خامسا، من الواضح أيضا أن بعض قيادات حزب المحافظين، بمن فيهم كينيث كلارك، القيادي المخضرم وأقدم عضو في البرلمان، يشعر بالتململ من نمط قيادة جونسون وتسرعه في تحديد مواعيد مسبقة لإجراءات قد تستغرق وقتا أطول مما يعتقد. ويتردد أيضا أن أعضاء هيئة مستشاري جونسون أنفسهم منقسمون بشأن الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 12 كانون الأول/ديسمبر. سبب الانقسام هو خشية إجراء انتخابات عامة في فصل الشتاء، قبل أعياد الكريسماس والسنة الميلادية الجديدة، حيث يغلب الاهتمام بالأعياد على ما عداه. وكانت آخر انتخابات عامة في فصل الشتاء قد جرت في عام 1910 واسفرت عن برلمان مشلول تقريبا، لم يحصل فيه حزب على أغلبية لتشكيل الحكومة. المراقبون السياسيون أيضا، يحذرون جونسون من هذا الاحتمال.

ويبدو أن الوضع سيبدو معلقا حتى تصويت مجلس العموم على الانتخابات المبكرة. إذا فازت الحكومة سيعود الدفء إلى الحياة السياسية من جديد. وإذا خسرت، فستعود بريطانيا إلى حالة من القلق والتوتر وعدم اليقين. لكن بوريس جونسون، يعمل بكل قوته من أجل انتخابات عامة مبكرة، يضع فيها البرلمان موضع الاتهام أمام الناخبين، ويحمله مسؤولية تأخير تنفيذ إرادتهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية