بيروت-“القدس العربي”: لأن الثورة تولد من رحم الأحزان، انتفض لبنان الشعبي بكلّ أطيافه احتجاجاً على الفساد المستشري واستفحال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي وصلت إليها البلاد على خلفيّة “الضريبة على الواتساب” التي كانت الشرارة التي فجرّت الاحتقان الشعبي الذي نزل إلى الشارع وملأ الساحات والشوارع بالاحتجاجات والتظاهرات التي عمّت لبنان من اقصاه إلى أقصاه وصولاً إلى عواصم ومدن العالم.
وخطفت الأنظار أحجام المتظاهرين التي فاقت التوقعات محلياً وخارجياً بعد نزول الشعب عفوياً متغلّباً على الانتماءات السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية التي تحكمّت بيد من حديد بمفاصل حياته، فانتفض على هذا الواقع عبر التسلّح بهويته الوطنية ونزل إلى الشارع للتعبير عن وجعه وحاجاته ومطالبته بإسقاط النظام والطبقة السياسية الحاكمة من دون استثناء “كلن يعني كلن”. كما أخذ تحرّكه حيّزاً متقّدماً لم يكن يتوقعه أحد ولاسيما بعد الرهانات السابقة للطبقة السياسية على أنّ الشعب لن يتحرك ولن ينتفض على الواقع.
وكان لافتاً للغاية مشاركة المرأة في هذه الاحتجاجات والتظاهرات حيث كانت هي الحدث الأبرز ولفتت أنظار العالم إليها عبر مطالبتها بحقوقها وحقوق أولادها ووقوفها جنباً إلى جنب مع مطالب المعتصمين والمحتجين بإسقاط النظام السياسي وإعادة الأموال المسلوبة إلى الشعب الذي كفر بالجوع والعوز وبفرض الضرائب التي لم تعد مقبولة. وعلا صوت المرأة اللبنانية ضد البطالة والطائفية وضدّ انقسام الشعب والطبقة السياسية الحاكمة وضدّ الاستهتار بحقوق ومطالب الناس، ويمكن القول إنّ مشاركة المرأة كانت شاملة، فرأينا المرأة الفنانة والعاملة والأم والطالبة وسيدّة المجتمع ومربية الأجيال والقانونية وربّة الأسرة في الاعتصامات والتحركات ودعوتهّن للآخرين للنزول إلى الشارع رفضاً للقمع والظلم والفقر والجوع ومحاربة الفساد وتغيير الطبقة الحاكمة وتأمين أفضل فرص العيش الكريم لأبناء الوطن. وبدت المرأة واثقة من أهمية دورها الذي لم يعد يقتص كما كان يراهن السياسيون الذكوريون، على البيت والتربية حسب ما أكدّت إحدى المشاركات في الاعتصامات والتي أثنت على الحركات النسائية التي تحمل على عاتقها حماية كلّ مواطن مقهور ومظلوم.
وتلاقى موقف محتجّة أخرى مع زميلتها السابقة، واعتبرت أنّ مشاركة المرأة هي أساسيّة وفعاّلة، ورأت انه لا فرق بين الرجل والمرأة في التحرّكات والاحتجاجات. وقالت نحن كلّنا واحد ونريد حلاًّ جذريّاً للمواطن اللبناني ولا نريد ان يذّلنا أحد، ومشاركتنا هي للتأكيد أننا نريد أن نعيش بكرامة مع أولادنا.
ورأت إحدى المشاركات في الاعتصامات أنّ من حقّها القانوني أن تتظاهر وتعبّر عن رأيها بكلّ حريّة وأن تثور لنيل المطالب والحقوق، مشدّدة في الوقت عينه على أهمية دور المرأة في صنع القرار السياسي.
وحرصت المرأة اللبنانية على المشاركة بشكل واسع في الاعتصامات لأنّها تعدّ بطبيعتها داعية ًأساسية للأمان والسلام وترجمت هذا الأمر عبر وقوفها مرّات ومرّات درعاً بين المعتصمين والقوى الأمنية لعدم التصادم معهم، كما رأيناها توزّع الورود على الجيش اللبناني الذي وضع في مواجهة المعتصمين لفتح الطرقات.
كما حرصت المرأة عبر مشاركتها في التظاهرات على حضاريّة الثورة من خلال إطلاق دعوات لتنظيف الساحات التي حصلت فيها أعمال الشغب مع بداية التحركات فدعت الشباب إلى حمل الأكياس وتجميع المخلّفات التي نتجت من أعمال تكسير وشغب.
وردّاً على ما تمّ تداوله من صور ومقاطع الفيديو لعدد من المتظاهرات اعتبرهن البعض رموزاً للحب في زمن الثورة وطالبهنّ بمزيد من الاحتشام، أكدّت متظاهرة أنّ “تاريخ النساء اللبنانيات بالنضال أكبر من الرد على هذه التعليقات الذكورية والسطحية” وأكدّت في الوقت عينه إلى أن “ما نشهده اليوم هو ولادة وطن قائم على شراكة حقيقية بين كل من النساء والرجال”.
وحول مشاركة المرأة في هذه الثورة الشعبية التي يشهدها لبنان للمرة الأولى استطلعت “القدس العربي” رأي المحامية أنديرا سمير الزهيري وهي ناشطة حقوقية وباحثة في قضايا وحقوق الإنسان والمرأة والطفل، شاركت ولا تزال في التحرّكات الشعبية، فرأت أنّ مفهوم الانتفاضة ليس بجديد انما يتطور مع كلّ مرحلة، ونحن لا نخفي دور المرأة في مناصرة الرجل في القضايا المحقة وقد أثبت جدارتها وقدرتها على انجاح الثورات والقيادة وتحدّي التقاليد في مجتمعنا الذكوري الذي لطالما حدّ من طموحها ومقدرتها على التقدم.
وفي المطلق، أكدّت المحامية انديرا أنّ المرأة بدأت ثورتها على نفسها وكسرت القيود فخلعت ثوب التبعية المعدمة واتخذت منهجاً لنفسها كإنسان ومن حقها في التعبير والعمل والتعلم والترشح والقيادة والكفاح في سبيل القضايا المصيرية لعائلتها وبلادها والحدّ من العنصرية والتحقير بشأنها، وهذا طبعا لم يكن سهلا ولكن بعزيمتها واصرارها ومثابرتها كسرت هذا الجدار، ولفتت إلى أنه في الثورات نجد المرأة كيف تتحدى الاستعمار والاحتلال وتناضل وتكافح من أجل أبنائها من ظلم بعض القوانين بحقهّا وتطالب بحق منح الجنسية لأطفالها وغيرها.
واعتبرت انه على صعيد التحرّكات الشعبية اللبنانية أثبتت المرأة من بيروت والشمال والجنوب والبقاع وجبل لبنان قوتّها وجرأتها وجدارتها وحكمتها وحسن إدارتها بوقوفها إلى جانب الرجل وهي لفتت أنظار المجتمع المحلي والعربي والدولي واعتبرت “أيقونة” ولم يعد دورها يقتصر بمطالبتها في ان تتمثل في البرلمان بـ30 في المئة كوتا نسائية. وقد أثبتت أن المرأة اللبنانية هي الأم والموظفة والمعلمة والممرضة والطالبة الجامعية والتلميذة والمناضلة والسياسية والمكافحة والمثابرة والقائدة وصمام الأمان لمنع الفتن والتصادم.
وأضافت المحامية أنديرا كان لي شرف المشاركة في هذه الحالة التي لم يشهد لها لبنان مثيلا، حيث رفرف علم لبنان وزّين الساحات وكانت لصرخة النساء صوت جوليا وماجدة وفيروز، من قلب الثورة.
وأكدّت “انّ المرأة التي نزلت إلى الساحات وجعلت منها مكانا أفضل وأنظف واعترضت على حرق الدواليب من أجل صحّة المعتصمين ومن أجل البيئة فقامت بتحضير الأطعمة ووزعتها على المعتصمين وصرخت بالثورة ونادت بجانب الرجل بالحقوق المطلبية المحقة نادت بلبنان فقط من أجل لبنان. المرأة اللبنانية اختصرت كلّ شيء وكانت بيروت ست الدنيا الجمال والحضارة والنضال ووقفة عز. إنها أيقونة الساحات”.