أزمة كتالونيا تعيد الحلول المطروحة بين الاستقلال والحكم الذاتي

د. حسين مجدوبي
حجم الخط
0

تعيش إسبانيا على إيقاع الملف القومي لكتالونيا الذي اتخذ أبعادا جديدة بعد الحكم على زعماء الحركة القومية بالسجن في أحكام وصلت إلى 13 سنة، لكن الأحكام ما هي إلا مقدمة لغياب الاستقرار في كتالونيا بل ومجموع إسبانيا نظرا لتشعبات هذا الملف وتأثيره.

وكانت المحكمة العليا قد أصدرت أحكاماً قاسية وصلت إلى 13 سنة سجناً في حق نائب رئيس حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا أوريول جونكراس، بتهمة التحريض وتبذير أموال عامة في إجراء استفتاء تقرير المصير في تشرين الأول/اكتوبر عام 2017 بينما صدرت أحكام في حق آخرين تراوحت بين 9 سنوات و12 سنة.

وعمليا، يعتبر المراقبون أن هذه أحكام سياسية بامتياز بحكم أن الملف يتعلق بنزاع حول بقاء إقليم من عدمه ضمن الخريطة الوطنية الإسبانية. ويبدو أن القضاء الإسباني تفادى توجيه تهمة العصيان إلى المتابعين بهدف إلغاء الطابع السياسي عن المحاكمة. كما ألغت تهمة العصيان تحسبا لاستئناف القوميين أمام القضاء الأوروبي، وهو قضاء بدون شك سيلغي الكثير من الأسس التي اعتمدها القضاء الإسباني في الحكم.

وعاشت مختلف مدن كتالونيا وخاصة برشلونة منذ الأسبوع الماضي، تاريخ صدور الأحكام من طرف المحكمة العليا احتجاجات سياسية عنيفة لم تشدها منذ مدة طويلة، وهي مرشحة لمزيد من الاحتقان بسبب إصرار القوميين الكتالان على استغلال الأحكام للتعريف بقضيتهم أمام المنتظم الدولي.

وقضية كتالونيا ليست وليدة اليوم بل تعود إلى قرون مضت، وتحضر بين الحين والآخر وبشكل مأساوي في المشهد السياسي الإسباني، وتتعدد المواقف والحلول بشأنها بين التطرف والاعتدال، لكن أسباب الفراق عن إسبانيا تبقى ثابتة من جيل إلى آخر. ويعود الفصل الأخير من هذه الأزمة الحالية إلى سنة 2015 عندما قرر برلمان كتالونيا الذي يتمتع بحكم ذاتي التصويت على الاستقلال عن إسبانيا وعدم الاعتراف بالملكية، وطالب حكومة الحكم الذاتي بتنفيذ القرار خلال السنوات اللاحقة. وعمليا، هذا ما حدث عندما نظمت هذه الحكومة استفتاء تقرير المصير يوم أول تشرين الأول/أكتوبر من سنة 2017 وأعلنت قيام الجمهورية، وكان تدخل الحكومة المركزية في مدريد وتعليق الحكم الذاتي مؤقتا وقيام القضاء باعتقال أعضاء حكومة الحكم الذاتي بينما هرب رئيس هذه الحكومة كارلس بغيدمنونت إلى بروكسيل لاجئا.

ولم يعد الأمر يتعلق بموجهة بين الأحزاب القومية الكتالانية والأحزاب الوطنية أو بين حكومة الحكم الذاتي التي يسيطر عليها القوميون منذ سنوات طويلة والحكومة المركزية بل يتعلق الأمر أساسا بموقف ساكنة الإقليم التي لا تعتبر نفسها إسبانية نهائيا. إذ يؤيد قرابة 60 في المئة من الكتالان الاستقلال عن إسبانيا بينما قرابة 27 في المئة يرغبون في الحكم الفيدرالي، في حين أن نسبة المؤمنين بالوحدة مع إسبانيا ضعيفة للغاية. وقد نجحت الأحزاب القومية من تعزيز الشعور القومي الكتالاني خلال العشرين سنة الأخيرة، حيث أصبحت اللغة الإسبانية تقريبا ممنوعة في التعليم وإدارات الإقليم، وأرست الأحزاب ثقافة سياسية وهي اعتبار الوجود الإسباني استعمارا شبيها باستعمار إسبانيا لأمريكا الجنوبية والمكسيك ومنطقة الصحراء الغربية. ويستدل قادة الحركة القومية بهذه الأمثل بين الحين والآخر، ويعتبرون أن كتالونيا ستكون آخر مستعمرة إسبانية.

وهنا جذور لهذا النزاع يعود لقرون مضت وليس وليد اليوم. فقد ضمت إسبانيا منطقة كتالونيا بالقوة آخر مرة يوم 11 أيلول/سبتمبر من سنة 1714 ومنذ تلك الفترة حتى اليوم أقدمت كتالونيا على عصيان وتمرد ضد السلطة المركزية. ومن أبرز المحاولات الكبرى للانفصال عن إسبانيا خلال 150 سنة الأخيرة، نجد:

إعلان كتالونيا انفصالها عن إسبانيا خلال اذار/مارس من سنة 1873 في تلك الفترة سيتم الإعلان عن إلغاء الملكية مؤقتا وإعلان الجمهورية الإسبانية بعد أزمة عميقة عاشتها البلاد. ولكن الحكومة المركزية راهنت على الحوار السياسي والقوة لإقناع الكتالان بالبقاء ضمن إسبانيا لاسيما وأن البلاد أصبحت جمهورية. ومن ضمن ما قدمته حكومة مدريد للكتالان نظاما فيدراليا متطورا. وكان ذلك النظام الفيدرالي قد جعل كتالونيا مؤقتا دولة داخل دولة.

وبعد مرور قرابة سبعة عقود، وبالضبط يوم 14 نيسان/أبريل من سنة 1931 أعلنت كتالونيا الجمهورية الخاصة بها. ومن الصدف أنه في تلك الفترة جرى إلغاء النظام الملكي، وكان ألفونسو الثالث عشر هو الملك وقتها. وعادت الحكومة المركزية إلى منح الكتالان امتيازات سياسية كبيرة ليتخلوا عن حلم الجمهورية، وهو ما حدث. لكن الكتالانيين لم يتخلوا عن الحلم، وقاموا في شهر تشرين الأول/أكتوبر من سنة 1934 بإعلان الجمهورية الثالثة متهمين الحكومة المركزية بالتخلي عن ثوريتها والعمل من أجل إعادة النظام الملكي. وتدخلت الحكومة المركزية التابعة للجمهورية هذه المرة بالقوة معتقلة جميع زعماء كتالونيا وعلى رأسهم لويس كامباني، رئيس حكومة الحكم الذاتي. وكان الملف الكتالاني من أسباب اندلاع الحرب الأهلية سنة 1936 والتي دامت حتى 1939 وأتت بالدكتاتور الجنرال فرانسيسكو فرانكو إلى الحكم.

أما المرة الأخيرة فهو ما يحدث منذ 2015 تاريخ تصويت البرلمان على الجمهورية وإجراء استفتاء تقرير المصير يوم فاتح تشرين الأول/أكتوبر 2017 وإعلان الجمهورية، ثم تدخل الدولة المركزية لاعتقال زعماء الحركة القومية. وبدون شك لن تكون المحاولة الأخيرة بل هناك رهان جديد وهو أن يصدر إعلان الاستقلال عن عصيان مدني للكتالانيين بدلا عن المؤسسات. وكان تقرير للحرس المدني (الشرطة العسكرية) قد نبه إلى خطورة الشارع في كتالونيا بتزعم الاحتجاجات بدل القيادة السياسية. وبدورها كتبت جريدة “لفنغورويا” يوم السبت من الأسبوع الجاري عن الدور الكبير للشارع في الوقت الراهن في الدفاع عن هذه القضية.

وتوجد ثلاثة حلول لتجاوز الأزمة الكتالانية وهي حلول تلقى التأييد والرفض، مرتبطة بشكل كبير بنوعية الحكومة المركزية، هل هي يمينية ترفض الحوار وتراهن على تطبيق الدستور أم منفتحة.

في المقام الأول، حل يدافع عن استفتاء تقرير المصير وهو شعار ترفعه الحركة القومية الكتالانية. وتطلب من الحكومة المركزية أن تكون في مستوى باقي الحكومات الغربية مثل الكندية التي سمحت بإجراء تقرير المصير في كبيك إبان التسعينات وحكومة لندن التي سمحت بإجراء استفتاء مماثل في اسكتلندا منذ سنوات.

في المقام الثاني، موقف الأحزاب القومية الإسبانية مثل الحزب الشعبي وحزب فوكس الجديد المطالبة بتعليق الحكم الذاتي وإعلان حالة الاستثناء في كتالونيا والقضاء نهائيا على رموز الحركة القومية.

في المقام الثالث، وهو حل الوسط وتنادي به بعض الأحزاب اليسارية ومنها الحزب الاشتراكي الحاكم وهو الانتقال إلى النظام الفدرالي من أجل إيجاد خل للنزاع الكتالاني بل وذلك لنزاع بلد الباسك المرشح للانفجار في أي وقت. ويؤمن أصحاب هذا الحل بأنه الأنسب لنزاع استمر لقرون ويجب في يوم ما أن ينتهي.

ومن مؤشرات استمرار النزاع، قيام مجموعة من الأحزاب القومية من مختلف أقاليم إسبانيا الباسك وكتالونيا وجور الباليار وغاليسيا وفالينسيا يوم الجمعة من الأسبوع الجاري بالتوقيع على بيان مشترك يدعو إلى حق كتالونيا وباقي القوميات الإقليمية في تقرير المصير ويحمل عنوان “بيان لايوتخا” وتتوجه الأحزاب إلى الرأي العام الأوروبي والعالمي مشيرة إلى أنه 40 سنة بعد الانتقال الديمقراطي في إسبانيا ما زالت قضية القوميات معلقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية