“ثورة لبنان” مشهدية فرح و”سيناريوهات” غامضة

رلى موفّق
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”: كل المقدمات في لبنان كانت تُهيئ لثورة شعبية، لكن أحداً لم يظن أن اللبنانيين قد ينزلون إلى الساحات يوماً خارج عباءات الطوائف والمناطق والانقسامات العامودية والاصطفافات تعبيراً عن الغضب الذي يعتريهم نتيجة سياسة الاستهتار بحياتهم ومستقبلهم، واستشراء الفساد في سلطتهم الحاكمة لبلدٍ على شفير الإفلاس.

ما كان ضرباً من ضروب الخيال، تحقَّق في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر. ضريبة الـ6 دولارات المقترحة شهرياً على تطبيق الـ”واتس أب” المجاني هي عود الثقاب، لكن الناس كانت حُبلى بالضائقة المعيشية والاقتصادية، وتشعر بكثير من الذل الذي لم تعشه حتى في خضم الحروب الأهلية والعبثية، فكانت مشهدية غير مألوفة: ساحة غضب تنفجر فرحاً في وسط بيروت على مقربة من السراي الكبير – مقر رئاسة الحكومة – وامتداداً إلى ساحة الشهداء – رمز انتفاضة الاستقلال 2005 التي أخرجت جيش النظام السوري من لبنان – ترفدها ساحات لها رمزيتها في مختلف المناطق، تُقدّم مشهداً مختلفاً للصورة النمطية التي طبعتها.

عروس الثورة

هذه هي حال طرابلس عاصمة الشمال التي وُصفت ظلماً بـ”قندهار” فإذا بها تتحوَّل إلى “عروس الثورة” لوحة طغى عليها حب الحياة والفرح تُعبّر عن مكنونات هذه المدينة، الأشد فقراً بين المدن على ساحل البحر الأبيض المتوسط. وهذه هي حال النبطية وصور الجنوبيتان اللتان خرج أهلهما عن طوع قوى الأمر الواقع المتجسد بـ”الثنائي الشيعي” (حركة أمل وحزب الله) رغم العصي والرصاص لتنضما إلى ساحات التظاهر، وكذلك بعلبك ودورس في البقاع الشمالي، ما اعتُبر جرأة فعلية من هؤلاء نظراً إلى الإطباق الكليّ لـ”الثنائي الشيعي” على مناطق نفوذه.

والمشهد لا يقل أهمية في ساحل المتن وساحل كسروان، حيث الثقل المسيحي، ويُعتبران في الحسابات السياسية بأنهما معقلا “التيار العوني” الذي يُنهي زعيمه رئيس الجمهورية ميشال عون بعد أيام، وتحديداً في 31 تشرين الأول/اكتوبر 2019 نصف ولايته الرئاسية.

  وعلى اختلاف التسميات لما يعيشه لبنان منذ عشرة أيام متواصلة، بين “ثورة” و”انتفاضة” أو بين “حراك شعبي” و”حركة احتجاجية” فإن الأكيد أن ما قبل 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 ليس كما بعده، لجهة الحالة الوطنية الجامعة والعابرة للطوائف والمناطق، ولجهة الشعار الأكثر توحّداً وشعبية بين المتظاهرين في الساحات “كُـلّن يعني كُـلّن” في إشارة إلى رفض الطبقة السياسية التي أعادتها الانتخابات النيابية في العام 2018 إلى البرلمان ممثلة من جديد للشعب اللبناني.

المتظاهرون طرحوا مطالبهم. “السيناريوهات” هنا تراوحت بين حد أدنى تمثَّل بإسقاط حكومة سعد الحريري وتأليف حكومة اختصاصيين قادرة على أن تُعيد الثقة بين المواطنين والسلطة، وتعمل على محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة وتنتشل لبنان من القعر اقتصادياً واجتماعياً، وبين حد أقصى تمثل بإسقاط العهد وحتى إسقاط النظام، وما بينهما من دعوة لحكومة انتقالية تُعدّ قانون انتخاب جديداً وتُنظم انتخابات مبكرة لإعادة إنتاج سلطة جديدة.

غير أن الاستجابة لمطالب الحدَّين الأدنى والأقصى وما بينهما اصطدمت بـ”فيتو” وضعه الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله، في أول أيام الحركة الاحتجاجية، بحجة منع الفراغ في البلاد، وإنْ كان وصف ما أسماه بـ”الحراك الشعبي” بالعفوي وغير المُوجَّه من الخارج. وعليه، جاءت اقتراحات الحلول من الحريري تحت سقف التغيير الحكومي لتمنح شركاءه في مجلس الوزراء 72 ساعة للموافقة على ورقته الإصلاحية الاقتصادية، في وقت كان الشارع ينتظر الاستقالة.

ظنَّ نصر الله أن الشارع الثائر يتناغم معه، ولا سيما أنه بعد إيصاله عهداً محسوباً عليه، وبعد حصوله وحلفائه على أكثرية نيابية وحكومية، سعى إلى رفع شعار مكافحة الفساد، فإذا به يُفاجأ بردّ الساحات بعد خطابه الأول بشعار “كُـلّن يعني كُـلّن ونصر الله واحد منّن”.

الشعور بالمأزق

بدأ الشعور بالمأزق حين جرى التيقّن بأن ساحات التظاهر ليست “فورة ساعة” وأن إمكانية تفريغها من الداخل وتشتيتها أمر ليس سهلاً نتيجة لا مركزيتها والتي تشكل عامل قوة لها، ونتيجة تهيُّب الجيش والقوى الأمنية من الاصطدام بالمتظاهرين الذين يقطعون الطرق الرئيسية في غير منطقة، ويشلّون حركة التنقل والعمل في البلاد، فيما المدارس والجامعات مُغلقة، والمصارف مقفلة وسط مخاوف من التداعيات السلبية على الليرة مقابل الدولار.

 وحل الإرباك على خطاب نصر الله الثاني في اليوم التاسع من التظاهرات. عمل على شيطنة “الحراك الشعبي” الذي “بدأ عفوياً وصادقاً وغير مسيَّس، ولكن دخلت على خطه أحزاب وسفارات واستخبارات خارجية وجهات مموّلة”. وهو وإن سعى إلى الحديث بهدوء، لكنه أظهر الكثير من التوجُّس. يريد من قيادة الحراك أن تكشف عن وجهها ولا تبقى في الكواليس، وأن تُطمئن المقاومة. ربما هذه المرة الأولى التي تخونه الكلمات: فمنذ متى كان يطلب من الآخرين أن يُطمئنوا المقاومة؟

ببساطة، أعاد أمين عام “حزب الله” رفع لاءين: لا يقبل بإسقاط العهد ولا بانتخابات نيابية مبكرة. أبقى مسألة تأليف حكومة جديدة في المنطقة الرمادية بقوله إنه لا يؤيد استقالة الحكومة، واضعاً شروطه بأن أي حل يجب أن يقوم على قاعدة عدم الوقوع في الفراغ في مؤسسات الدولة والسلطة، لأن ذلك سيؤدي إلى الفوضى والانهيار. ولكن عن أي فراغ يتكلم؟

 في القراءة السياسية لمنطق “حزب الله” فإن أي تغيير في المنظومة السياسية القائمة يعني خسارته لسيطرته الفعلية على قرار الحكم. فالعهد عهده وهو يتحكَّم بغالبية البرلمان، كما الحكومة التي يُشارك في عدادها رغم تصنيفه كمنظمة إرهابية بجناحيه من كثير من الدول، ويتم وضع كوادره وكياناته والمقرَّبين منه على لوائح العقوبات الأمريكية.

لا شك أن لبنان يُشكّل الورقة القوية في يد “محور إيران” الذي يواجه حرباً شرسة من واشنطن وحلفائها في المنطقة، ما يستلزم من “حزب الله” الحفاظ على مواقع قوته الداخلية وعلى موازين القوى الراهنة التي نجح في إرسائها، مستخدماً سلاح الفراغ الرئاسي لإيصال مرشحه وشل البلاد والاقتصاد والتظاهر وقطع الطرق لتحقيق مشروعه، بعدما كان قد وجَّه سلاحه “المقاوم” إلى الداخل في أيار/مايو 2008 لتغيير قواعد اللعبة.

اليوم انقلب المشهد، وهذا السلاح يرتد عليه، بحيث يشعر أن هناك استهدافاً لعناصر القوة التي يتمتع بها، والتي كان يُراهن على أن التحولات في سوريا مع الخروج الأمريكي من شأنها أن تعزز سيطرة محوره من لبنان إلى سوريا فالعراق وتفتح الطريق إلى طهران.

منطق الثورات

مأزق “حزب الله” لا يأتي راهناً من الضغوط الخارجية عليه وعلى البلاد، بقدر ما يأتي من فشل تجربة العهد الحليف له، والذي باتت مهمة مدِّه بعناصر القوة وتشكيل رافعة له مسألة صعبة، نظراً إلى حالة الوهن التي تُصيب هذا الحليف ووضع “الوريث” المتهاوي داخلياً، إذ لم يسبق أن تلاقى اللبنانيون – على مختلف مشاربهم – على نبذ شخصية سياسية مثلما ينبذون صهر الرئيس الطامح إلى خلافه عمِّه في الرئاسة. باتت ورقة جبران باسيل “محروقة” بفعل لغته الطائفية الفجّة والمتعالية تحت شعار “الدفاع عن حقوق المسيحيين”، فيما الهدف هو تهميش الآخرين، والاستئثار من باب المحاصصة مع شركائه في التسوية السياسية، في وقت تسود غالبية دوائر القرار اللبنانية والغربية شكوك حول قدرة رئيس الجمهورية على مواكبة المرحلة الدقيقة والصعبة التي يمر بها لبنان.

“السيناريوهات” التي تنتظر لبنان لا يمكن الجزم بها. السلطة تطرح سيناريو التعديل الوزاري، وهو مرفوض من قبل الشارع. المتظاهرون كانوا حتى الأمس يعتبرون أن سيناريو إسقاط الحكومة وتأليف حكومة “نظيفة الكفّ” يلبي أدنى المطالب، ولكن كلما تأخر الوقت ارتفعت المطالب أكثر. فما كان مقبولاً بالأمس لن يعود مقبولاً غداً.

الشارع ثائر وهو في وادٍ، والسلطة في وادٍ آخر وتخسر مع كل شروق شمس. فيوم نزل مليون ونصف لبناني إلى الشارع، وأخذت قوى التسوية الثلاث (عون – باسيل والحريري ونصر الله) تغازله وتعتبره صوتها وحاملاً لشعاراتها، بدأ المسار التنازلي، وما عاد ممكناً وقفه. هذا منطق الثورات، إلا إذا كانت الوصفة هي القمع.

 إراقة الدماء في الشارع هي سيناريو مطروح عبر وضع “شارع مقابل شارع” أو اختراق التظاهرات وافتعال تصادم معها على غرار ما حصل في ساحة رياض الصلح والنبطية من قبل مجموعات مؤيدة لـ”حزب الله” وفي صور من قبل جماعات مؤيدة لـ”حركة أمل” الأمر الذي سيستدعي قراراً أمنياً مختلفاً. فثمة من يظن أنه يمكن أن “يُفرمل” السقوط أو أن يخلق نوعاً من التوازن بين ما هو مطلوب وما هو معروض.

ما هو أكيد أن “ربيع لبنان” أطلّ في الخريف، وليست كل الثورات متشابهة. ثورة لبنان لا تزال في بداية الطريق، وعُود أبنائها لا يزال طرياً ويافعاً!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية