توفيق رباحي
بحثتُ عن سبب يجعل مراسل قناة العربية بعمان (الاردن) يتحدث بثقة مفرطة عن مخططات الجماعات الاسلامية المتشددة (لنقُل الارهابية) لتخريب الاردن، فلم اجد.
من المفروض ان سعد السيلاوي يلتزم مسافة معينة بينه وبين السلعة التي يبيعها للمستهلكين/المشاهدين، غير انه في كل مرة يلصق نفسه بها فلا يترك فرقا او هامشا يري من خلاله المشاهد بقعة ضوء.
في اخر التقارير، قبل اسبوعين، عن تفكيك الامن الاردني شبكة وُصفت بالارهابية قيل انها خططت لضرب اهداف مدنية ومصافي بترول، كان السيلاوي يخرج متحدثا للمشاهدين كأنه حضر اجتماعات اعداد مخططات التخريب.
لن ازعم ان المعلومات التي سوّقها المراسل بهذا الصدد خاطئة او غير دقيقة. ولا اميل كثيرا لنظرية المؤامرة. لكن اخاف فقط ان يكون في الامر الاعيب مخابرات وحرب نفسية واعلامية اكبر منا جميعا تحاول الوصول الي اهداف ابعد واكبر بالمنطقة ككل.
يبدو ان المراسل تشجع بمحاولة الاعتداء علي مصفاة بقيق بالسعودية وكذلك بالوضع في العراق، فجرّه الكلام باتجاه يخدم توجه العربية الذاهب نحو ان السعودية مستهدفة من القاعدة لكن اجهزتها الامنية واقفة بالمرصاد. لذا لم يكترث احد بتنبيهه، ذلك ان ما يبدر منه يخدم كثيرين: يخدم الاردن وينتهي بخدمة السعودية. فالموضة الجديدة عنواناها نحن كذلك مستهدفون من الارهاب الاسلامي و نضحي لحماية انفسنا وحماية الاخرين، ويا ريت امريكا تسمع.
ماذا يضير سعد السيلاوي ان ينسب ما يسرد من معلومات في تقاريره الي مصادرها؟ لماذا يقول بثقة غريبة كانت الجماعة تخطط لضرب مصافي النفط وشل الاقتصاد بدل يقول المحققون ان الجماعة خططت لضرب مصافي النفط وشل الاقتصاد؟ لماذا لا يقول فلان الذي تعتقد اجهزة الامن انه سافر الي كذا وعاد بتاريخ كذا، بدل ان يتكلم بثقة مطلقة عن تواريخ وامور دقيقة لا يعلمها الا الله.
يا خويا سعد، الاختلاف لا يفسد للود قضية: منطقتكم تلك تغلي بعملاء المخابرات والجواسيس، وهي حقل مثالي لكل انواع التآمر، ألا تري معي ان حدا ادني من الحذر مفيد لك كصحافي؟
افهم ضعف حال مراسلي القنوات الاجنبية في عواصم اشبه بالسجون تديرها انظمة قمعية واخري شبه قمعية (الاردن ليس استثناء)، خصوصا والامر يتعلق بمرتبات تقارب الفين وثلاثة الاف دولار شهريا في بلدان عملتها في الحضيض (فضلا عن المكانة المعنوية والحظوة الشخصية).. وافهم توجه هذه المؤسسة الاعلامية او تلك باتجاه معين، او موقفها من قضايا مثل الارهاب، لكن يا اخي الدنيا دخلت بعضها حتي اصبح الواحد منا يشك في ظله. نعم، المخابرات والاجهزة الاردنية من الاكثر نشاطا بالمنطقة بسبب وقوع البلد بين فكي كماشة، فلسطين من جهة والعراق من الجهة الاخري، ناهيك عن سورية التي لم تعرف علاقاتها بالاردن غير التوتر والتآمر. لكن (مرة اخري)، المخابرات والمحققون ليسوا ملائكة بلغت الكمال، وكلامهم ليس تنزيلا. إن لهم، ككل استخبارات الدنيا، اجندة وحسابات تتضارب هنا او هناك مع الحياد الاعلامي والموضوعية وغيرها من الكلام البريء.
هؤلاء تصلح معهم تماما حكمة ديكارت: انا اشك فانا موجود.
هراء متبادل! عن العربية وعن المراسلين مرة ثانية. حزب الاستقلال المخزني المغربي يحتج علي تغطية القناة السعودية لاحتفالات جبهة البوليزاريو بمرور 30 عاما علي قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية الشعبية (اين الاشتراكية العظمي) من جانب واحد بين خيم متهالكة وكثبان رملية لا تستقر بمكان، يقودها ـ منذ 30 عاما ـ رجل يفرض نفسه مدي الحياة وخصومه يقولون انه اصبح يشبه ياسر عرفات في ايامه الاخيرة.
لم يحتج المخزن، ولم تحتج الحكومة، ولا القصر الملكي، ولا وزارة الاعلام ولا الخارجية. بل حزب من الحرس القديم لا برنامج له سوي اطماع توسعية غير واقعية، كان الي وقت قريب ينكر وجود موريتانيا ويعتبر ان حدود المغرب شرقا تصل الي تخوم وهران.
هذا هراء يساويه تماما احتفاء جهات جزائرية بقيام الجمهورية الصحراوية اكثر من احتفال قيادات البوليزاريو ذاتها.
لن اخوض في السياسة فاُتهم بالجزائر بانني مغربي الهوي وفي المغرب بانني منحاز بسفور الي بلدي (كما تشير كثير من الرسائل الالكترونية التي تصلني). ابقي في حقل هذه الزاوية مستغربا رد فعل حزب الاستقلال، والمراسل الذي انتقل الي تيفاريتي لتغطية الاحتفالات سافر من الجزائر في ظروف وتسهيلات وفّرتها الحكومة الجزائرية بالتعاون مع البوليزاريو. ايها المخازنية، ماذا تريدونه ان يقول؟ ان يعيد موالكم عن الانفصال و جمهورية الوهم، و الاقاليم الجنوبية و وطن واحد من طنجة الي الصويرة؟
لو سافر مراسل اخر من الرباط لشاهدنا تغطية اخري في الاتجاه الاخر تماما. وبين السفر (الي تيفاريتي) من الجزائر والسفر اليها من الرباط، ضاعت الحقيقة والموضوعية والاستقلال المهني.
هذا حال المراسلين، وهذه حال الانظمة الحاكمة في استغلالهم، بدرايتهم او بدون.
قبل ان انتهي اقول ان علي حزب الاستقلال ان يسأل عن وضعية مكتب العربية في الرباط. ففي العادة، الاعلام السعودي حليف المغرب وقريب من مصالحه اكثر منه الي الجزائر، لكن حال مكتب الرباط فيه شوية تخربيق او تفشكيل، كما يقول اخوتي المغاربة، يبدو ان مصدره دبي. بيد ان موقع العربية في الجزائر يجب ان يؤخذ قياسا بموقف الحكومة من الجزيرة.
لا تراهنوا علي الفرنسيس عن العربية مرة ثالثة. حل فريق من القناة الفرنسية الاخبارية الدولية (التي ستري النور قريبا، حسب الحكومة الفرنسية) منتصف الاسبوع الماضي بدبي. الوجهة قناة العربية، والهدف، علي ما يبدو، الاستلهام منها والبحث عن نوع من التعاون. نصيحتي لجماعة العربية هي: خليكم.. هؤلاء الفرنسيس مضيعة وقت وفراغ في فراغ. عندما يتعلق الامر بعمل كهذا، يصبح العقم مرادفا لهم. انهم يتكلمون عن قناة تلفزيونية دولية منذ سنوات ولا زالوا في الخطوة صفر.
اسألونا نحن اهل شمال افريقيا، لم ينبنا من هؤلاء غير العُقَد والغرور!
ثم انهم قد يكافئوكم بسرقة بعض النجوم، خصوصا حمَلة جوازات السفر الاوروبية (عندي اسماء بعض المهتمين). ألغاز! قبل ايام، سمعت (او شاهدت، لا اعرف بالضبط) في قناة ابوظبي الفضائية كلاما عن مسابقة حول شعر بالدارجة المحلية الخليجية ضمن برنامج عنوانه دانات. يقترح البرنامج فك الغاز كلام محلي (من ثلاثة اختيارات) كي ينال الفائز جائزة بـ10 الاف دولار. نعم، 10 الاف!
ولاحقا سمعت (او شاهدت) علي قناة دبي الفضائية كلاما عن جائزة بـ100 الف دولار ضمن برنامج عنوانه زي النجوم لم استوعب قواعده وعلي ما يقوم.
صحيح ان الجائزة، في الحالتين، هي من اموال المغفلين المشاركين بالهاتف، لكن هذا ليس سببا لمنح 10 الاف او 100 الف دولار مقابل جواب عن سؤال تلفزيوني.
يا من فاضت عليكم الاموال الي هذه الدرجة، هناك، علي مرمي حجر منكم، في صوماليا والسودان، اناس يموتون جوعا وعطشا. لو صرفتم تلك الاموال رزا وطحينا لهم لنابكم اجر عظيم.
ہ كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]