فيلم «أريد أن أعيش» وجدل حول عقوبة الإعدام

يعتبر القتل من أسوأ أنواع الجرائم في جميع المجتمعات، وعقوبته في الكثير من البلدان هو الإعدام الذي هو أيضا عملية قتل مع اختلاف واحد، ألا وهو أن من ينفذها هو الدولة التي تمثل المجتمع. وهناك ستة وخمسون بلدا تنفذ أحكام الإعدام فيه في الوقت الحاضر، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي الصين في مقدمة الدول المنفذة لأحكام الإعدام، تليها إيران. ولكن هل الإعدام عقوبة مناسبة؟ وكيف يتم تحديد هذه العقوبة ضد المتهم؟ وهل قام المتهم بارتكاب الجريمة أصلا أو مدى اشتراكه في تنفيذها؟ وهل قامت الدولة بإثبات التهمة بطريقة صحيحة؟ كل هذه الأسئلة تجعل من الإعدام موضوعا مثيرا للجدل في جميع أنحاء العالم وعلى مدى التاريخ. وكان هذا هو الموضوع الذي تناوله فيلم «أريد أن أعيش» (1958) الذي أثار ضجة عند إنتاجه في الولايات المتحدة الأمريكية. ومثلت الدور الرئيسي فيه النجمة الحسناء سوزان هيوارد (1917 ـ 1975) وأخرجه روبرت وايز.

أحداث الفيلم

تدور أحداث الفيلم حول امرأة شابة تدعى «بربارة غراهام» عاشت في دار الأيتام وأحيانا في كنف عوائل رعتها لفترات قصيرة. وحسب النظام الذي كان معمولا به في الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك، تركت الميتم وهي فتاة مراهقة لتعمل لدى إحدى العوائل خادمة، إلا أنها سرعان ما تختلط برجال أشرار وتجرفها حياة العالم السفلي في المدن الأمريكية، على الرغم من بعض المرات التي حاولت فيها أن تترك هذه الحياة، حيث تزوجت أكثر من مرة وأنجبت. وتحولت إلى امرأة قاسية تعاشر المجرمين وتستمتع بحفلاتهم الصاخبة. وتشترك في عمليات الاحتيال الرخيصة والخطرة عن طريق خداع الرجال للاشتراك في ألعاب قمار غير مستقيمة. وكانت «بربارة» تعتقد أنها ذكية وقوية وقادرة على حماية نفسها من أذى المجرمين المحيطين بها، وسلطة القانون، ولكنها لم تدرك أبدا مدى خطئها، حيث ألقي القبض عليها بسبب مساعدتها لهم مرتين، وسجنت على أثر ذلك. ومع ذلك فإن الظروف استمرت في قيادة «بربارة» نحو الهاوية، وساعد على ذلك سوء حالتها المادية. وانتهى بها المطاف إلى أن تسكن مع اثنين من المجرمين المعتوهين، سبق أن عملت معهما. ولم تدرك «بربارة» أن مسيرتها ستنتهي بكارثة، حيث أحاطت الشرطة الأمريكية بالمسكن وألقت القبض عليهم جميعا، بتهمة السرقة المسلحة والقتل. وقامت الشرطة باتهام «بربارة» والرجلين ورجل ثالث باقتحام مسكن امرأة عجوز لسلب أموالها وقتلها بضربها على رأسها بمؤخرة المسدس. وعرضت الشرطة على المقبوض عليهم أن أول من يقدم اعترافا كاملا ستسقط التهم الموجهة إليه، وهو العرض الذي رفضته «بربارة» بشدة لإنكارها الاشتراك في الجريمة أصلا، ولكن أحد المتهمين يقبل به ويدعي أنها كانت من ضرب الضحية بمؤخرة المسدس بعد أن رفضت الإفصاح عن مكان مالها ومجوهراتها. وتبدا محاكمة «بربارة» وتكتشف سريعا سوء موقفها، فيتغير رد فعلها وتشعر باليأس، حيث أنها لم تستطع إثبات مكان وجودها بعيدا عن موقع الجريمة عند وقوعها. وتعرض عليها إحدى السجينات عرضا وجدته «بربارة» أكثر من إنقاذ لها، حيث ادعت تلك السجينة أن هناك رجلا على استعداد أن يشهد في المحكمة أنه شاهدها في مكان آخر إن دفعت له المبلغ المناسب.

تدور أحداث الفيلم حول امرأة شابة تدعى «بربارة غراهام» عاشت في دار الأيتام وأحيانا في كنف عوائل رعتها لفترات قصيرة.

ويزور ذلك الرجل «بربارة» في السجن عارضا تلك الخدمة التي ستحدد مصيرها على شرط أن تقول أنها اشتركت في ارتكاب الجريمة، فقالت له ما أراد. ولكن «بربارة» اكتشفت مرة أخرى أنها لم تكن ذكية، كما كانت تعتقد، حيث فوجئت بأن ذلك الرجل لم يكن سوى شرطي وشهد في المحكمة أنها اعترفت له بارتكاب الجريمة. وانهارت «بربارة» في المحكمة وصرخت بأن يأسها دفعها إلى القيام بذلك. وعندما سئلت عن سبب سكنها مع المتهمين عندما ألقي القبض عليهم، قالت إنها لم تكن تملك إيجار غرفة كي تلجأ إليها. وفي هذه الأثناء كانت الصحافة تنشر مختلف الأخبار المختلقة عنها جاعلة الرأي العام مقتنعا بذنبها، حتى قبل أن تصدر المحكمة قرارها. وفي نهاية المطاف يحكم على «بربارة» بالإعدام بالغاز، وفشلت جميع محاولتها للاستئناف. وأثناء انتظارها في السجن لتنفيذ حكم الإعدام يقترح عليها مدير السجن أن تقدم طلبا إلى حاكم الولاية لعله يخفف الحكم إلى السجن المؤبد، وبهذه الطريقة فإنها ستبقى على قيد الحياة، ولكنها ترفض لأن ذلك سيكون اعترافا بالجريمة، وإنها لا تريد أن تبقى على قيد الحياة في السجن، بل أن تعيش حياتها حرة. وأثناء تنفيذ الإعدام يقوم السجانون بربطها بكرسي الإعدام وينصحها أحدهم بأخذ نفس عميق لتسهيل الأمر فردت عليه غاضبة «و ما أدراك أنت بهذا؟». ويتم تنفيذ الإعدام حيث تموت «بربارة». وهنا ينتهي الفيلم.

ملاحظات عن الفيلم

طغت سوزان هيوارد على الفيلم، ونجحت في جعل المشاهد لا يلاحظ جمالها، بل شاهد امرأة قاسية حولتها الحياة إلى وحش كاسر يعيش في عالم الإجرام، وتظهر احتقارها للشرطة، وكل من يحاول فرض إرادته عليها، وتتحول هذه المرأة تدريجيا إلى حيوان محطم، وهي ترى الموت يقترب منها ببطء. وكان تمثيلها للدور واقعيا وكأن المشاهد يشاهد فيلما وثائقيا. وتجعلنا هذه النجمة نغض الطرف عن الإخراج البارع لروبرت وايز، الذي أخرج كذلك «قصة الحي الغربي» و«صوت الموسيقى» اللذين يعتبران من علامات السينما الأمريكية والعالمية. وقد نالت سوزان هيوارد جائزة الأوسكار على أدائها الرائع.
ادعى منتجو الفيلم أنه فيلم واقعي، ولكن هذا ليس صحيحا تماما حيث كانت هناك بعض الاختلافات بين الفيلم والواقع، واختلف النقاد في مدى اختلافه عن الواقع. وكانت بربارة غراهام (1923 ـ 1955) الحقيقية عاهرة ومدمنة مخدرات، ووصفت شخصيتها بالقاسية والمتحجرة، وكانت والدتها تعمل عاهرة أيضا. وعلى الرغم من أن «بربارة» الحقيقية كانت جميلة، فإن الممثلة سوزان هيوارد كانت تفوقها جمالا بكثير وإن كانت أكبر منها سنا، حيث كانت سوزان هيوارد في الواحدة والأربعين، أي أكبر من «بربارة» بعشر سنوات، ولكن الاثنتين اشتركتا بشعريهما الأحمر. وقد ساعد كون الفيلم بالأبيض والأسود على تعزيز الأثر الدرامي على المشاهد.
اعتبر النقاد الفيلم بالغ التعبير في نقده لحكم الإعدام، ولكن الفيلم كان أكثر من ذلك حيث أنه انتقد أساليب الشرطة والادعاء العام في تحقيق إدانة المتهمين، حيث يُظهِر طريقة خداع الشرطة للمتهمين كي يعترفوا بارتكابهم لجرائم حتى وإن لم يقوموا بذلك، فالمهم هو التوصل إلى إدانة المتهم وليس الحقيقة. وطريقة الشرطة في محاولة انتزاع اعترافات من المتهمين، فيعرضون إسقاط التهم لأحد المتهمين مقابل أن يعترف، وفي الحقيقة أنه قد لا يقول الحقيقة، بل ما يرضيهم وما يخدم مصلحته. وفي نهاية المطاف أن بعض الشك المعقول من المفروض أن يكون كافيا لتجنب حكم الإعدام أو تبرئة المتهم، حيث يؤخذ الشك لصالح المتهم. اعتمدت الموسيقى التصويرية للفيلم على موسيقى الجاز. ولم يكن ذلك اعتباطا، حيث ميزت هذه الموسيقى الأفلام الموسيقية التي ركزت على الدعارة وعالم الإجرام، حيث كان الجاز الموسيقى المفضلة لدى العالم.

هناك دائما احتمال الخطأ في إصدار حكم الإعدام، فقد يكون المتهم المدان لا يستحق حكم الإعدام أو بريئا تماما من التهمة. وقد تمت تبرئة حوالي مئة وخمسين شخصا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحكم عليهم بالإعدام منذ أواسط السبعينيات.

عقوبة الإعدام

لا أحد يعلم متى نفذت أول عقوبة إعدام في تاريخ البشرية، ولكن محاولة التحديد منها أو جعلها أقل قسوة على المدانين كانت قديمة، ففي قوانين الملك البابلي حمورابي (1801 – 1750)، التي تعتبر أقدم قوانين متكاملة عثر عليها حتى الآن، نجد قوانين تحدد بشكل واضح الجرائم التي تعرض مرتكبيها لحكم الإعدام. وفي الصين ألغي حكم الإعدام لفترة قصيرة في القرن الثامن وكذلك في اليابان في القرن التاسع، وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية ألغت محكمة العدل العليا حكم الإعدام لبضع سنوات في فترة السبعينيات من القرن الماضي.
كانت بعض أساليب الإعدام في أوروبا تشمل تعذيب المدان حتى الموت، وكانت عمليات الإعدام العلنية، أي أمام الجمهور وفي مكان عام، تعتبر من أكثر العروض إثارة. وفي باريس مثلا كان السكان يتجمعون بكثافة غير عادية لمشاهدة عمليات الإعدام. وعندما استعملت الجيلوتين لأول مرة في باريس عام 1792 تذمر البعض من قلة الإثارة في هذه الطريقة الجديدة بسبب سرعتها، فرد عليهم أحد المسؤولين، أن هذه الوسيلة ستسمح بإعدام الكثيرين الواحد تلو الآخر، مما سيكون مثيرا جدا للحضور. وكانت من عادات سكان باريس، خاصة النساء منهم التدافع فور قطع رأس المدان بالجيلوتين باتجاه منصة الإعدام كي يغمسوا مناديلهم في دماء المدان. وقد استمرت هذه العادة حيث قام السكان بالعمل نفسه عندما تم آخر إعدام علني في باريس عام 1939.
إن المعادين لحكم الإعدام كثيرون، حيث يعتبره البعض خرقا فاضحا لحقوق الإنسان. وهناك دراسات كثيرة حول جدواه وأثره على معدلات جرائم القتل. وفي الولايات المتحدة تؤيد الدراسات التي يقوم بها اقتصاديون الحكم بوضوح، حيث تفيد بأن الإعدام يقلل من معدلات جرائم القتل، وأن للإعدام فوائد اقتصادية. وعلى الرغم من اعتقاد الخبراء القانونيين من أن الإعدام يؤثر كرادع ضد جرائم القتل بشكل عام، فإنهم ينتقدون تلك الدراسات، حيث يذكرون أن عوامل كثيرة تؤثر على معدل الجرائم العنيفة وجرائم القتل إذ أن المجرمين لا يفكرون مليا باحتمال إعدامهم عندما يرتكبون جرائم قتل، وإن حالات الإعدام نادرة، حيث أن هناك حالة إعدام واحدة لكل ثلاثمئة جريمة قتل، وهذا يجعل عامل الإعدام أصغر من أن يسبب تأثيرا حقيقيا. ويقول الخبراء القانونيون إن المحاكم تميل إلى التمييز في إصدارها لأحكام الإعدام ضد المتهمين المنتمين لأقليات معينة.
وهناك دائما احتمال الخطأ في إصدار حكم الإعدام، فقد يكون المتهم المدان لا يستحق حكم الإعدام أو بريئا تماما من التهمة. وقد تمت تبرئة حوالي مئة وخمسين شخصا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحكم عليهم بالإعدام منذ أواسط السبعينيات. وفي عام 2018 تمت تبرئة رجل بعد أن انتظر خمسة وعشرين عاما لتنفيذ حكم الإعدام. وليست محاولة إثبات براءة محكوم بالإعدام سهلة، بل إنها في غاية الصعوبة والتكلفة، فمثلا كلفت عملية إثبات براءة رَي كرَون عام 2002 الذي حكم عليه بالإعدام عام 1996 ثلاثمئة ألف دولار امريكي، دفعتها عائلته كاملة. ويعتقد أن أربعة في المئة من المحكومين بالإعدام وينتظرون تنفيذ الحكم في الولايات المتحدة في الوقت الحاضر لا يستحقون حكم الإعدام أو أنهم بريئون تماما من التهم التي أدينوا بسببها، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن عدد المحكوم عليهم بالإعدام وينتظرون تنفيذ الحكم في الوقت الحاضر قد بلغ الألفين وسبعمئة شخص، وتأتي ولاية كاليفورنيا في المقدمة. ولا نعلم كم من البريئين قد تم إعدامهم حتى الآن، حيث يتوقف الاهتمام بهم فور تنفيذ حكم الإعدام بهم.

٭ باحث ومؤرخ من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية