لطالما اختلفتُ مع أصدقاء كثر في بعض الرؤى وأمور الدنيا المتنوعة، ولم أكن أر في ذلك الاختلاف ما يضر علاقتي الإنسانية بهم، لكنني اكتشفت مع مرور الأيام نوعية أصدقائي ومعارفي، اكتشفت أن بعضهم لا يتقبلني إلا إذا كنت نسخة طبق الأصل عنه، وأن البعض الآخر تنمو صداقتي به وتكبر كلما اختلفنا، وقد تساءلت في العديد من المرّات، لماذا يؤدي الاختلاف في الرأي إلى مقاطعة ولو بشكل غير علني بيني وبين بعض ممن أحببتهم؟ وكانت أجوبتي تصب في قالب المعنى الذي يقول إن « فاقد الشيء لا يعطيه»، وإننا أبناء بيئة اجتماعية تعتبر الاختلاف سببا لعداوات مقيتة، نحن لم نتلق تربيتنا في بيئة تحترم الاختلاف، نريد أن نكون نسخا عن بعضنا بعضا في اللباس والمأكل والمشرب والعادات والتقاليد والتفكير، وهذا بالضبط ما يجعل صعوبة الخروج من هذا القفص مغامرة غير محمودة، فأي اختلاف يُشعر الجماعة بأنّها في خطر، فيبدأ أفرادها بابتزاز المختلف عنهم بمعاقبته عاطفيا، هذا قبل بلوغ مراحل متقدمة قد تنتهي بالدعوة لتصفيته، والقضاء عليه تماما ليس فقط لإخفاء اختلافه، بل لإعطاء درس لكل من يحاول أن يسلك الطريق نفسها. ولأن مآسينا تبدأ من بيئاتنا الأسرية سأتذكر دوما مقولة أمي وهي تبارك اختلافنا، أخوتي وأنا، فتقول إننا بالنسبة لها «واحد» وإن اختلفنا. حكمة أمي ستصبح حكمة عظيمة تكبر معي، وسأكتشف في ما بعد أن الاختلاف قاعدة أساسية للتحصيل العلمي، وتحقيق النجاحات، والرغبة في اكتشاف الآخر، والتّقدّم خطوات نحو عوالم أفضل. ستنبت لي أجنحة وسأُبقي أخوتي تحتها حيثما ذهبت وحللت، وسترافقني أمومة أمي التي كانت مدرستي الأولى في كل علاقاتي. لا أعتقد أنني تغيرت في هذا الشأن بالذات، فقد رأيت المختلف عني جزءا من جماليات هذا العالم، حتى المختلف القبيح، كان له دور مهم لإبراز الجمال حيث يكون. نحن لا نعرف نعمة الدفء إلا بعد اختبار لسعة البرد، لا نعرف مذاق السكر الحلو إلا بعد اختبار مذاق المرارة اللاذع، وهذا يعني أن الأضداد ليست سيئة، بل إنّها خلقت لتصنع اتزان الحياة.
وأنا طفلة بكيت بحرقة، لأنني عوقبت مع مجموع زميلاتي مع أنني لم أكن مشاغبة، رفعت شكواي لأمي لتكفكف دمعتي بمقولة أخرى رسخت في ذهني الصغير، حتى أدركت معناها العظيم حين كبرت، «هذه مرارة الظلم، وهكذا يكون ظلم الأبرياء، فلا تكوني ظالمة ذات يوم»، تعاطفت بعدها مع كل المظلومين في الكتب والمسلسلات التلفزيونية وأفلام السينما، قبل أن أكتشف أن الظلم خيار لنصف الذين نعيش ونتعايش معهم، وأننا حين نعجز عن مواجهة من تعرّضنا لظلمهم نكتب الشعر والرواية، ونصغي للأغاني التي تنزل بردا وسلاما على قلوبنا، لنعبر خط الكراهية الذي قد نتعثر فيه، فنصبح أشرارا وقد نعبره غير آبهين بمغريات النقمة والكراهية التي إن توقفنا عندها تشوهت قلوبنا وفقدت نصاعتها إلى الأبد. يبدو اختيار الاختلاف صعبا، إذ أنّه ليس دائما تمردا على المألوف، بل قد يكون انتصارا للضمير، والأخلاق، في ظروف جد صعبة. يحدث ذلك مرارا ونحن نقف في مواجهة الشر بالخير، البشاعة بالجمال، الظلم بالتسامح، والكراهية بالمحبة، يحدث كثيرا أن تكون خياراتنا الجيدة هذه، سببا في خسارات مادية، أو خسارة أحبة، أو فقدان أبدي لهم، لكن من يتنازل عن ذاته من أجل مكتسبات تدمّر قناعاته؟ لقد عُيِّر فان غوغ بفقره في زمانه، فأجاب «لقد فهمت أنني حتى مع الفقر والحاجة في أعين العالم، يمكنني أن أكون ثريا بالله، وهذا كنز لا يمكن لأحد أن يسلبه مني».
الأدمغة المختلفة تهرب من مجتمعاتها المغلقة إلى فضاءات أكثر حرية في تقبل الآخر، لا لتعيش بل لتبدع، إذ أن سهولة العيش لا تتطلب أكثر من وظيفة بسيطة توفر الخبز لصاحبها
وظلّ متمسكا بزهده المبالغ فيه حتى أنّه زهد في استعمال الماء فكان يستحم مرة كل عدة أشهر، ورفضت بعض الفنادق الرّخيصة استقباله من شدة وساخته، ولعلني في عمر أبكر قد أسمي ذلك «قرفا» لكنني الآن أرى الأمر متعلّقا بشغفه الأول وترتيب اهتماماته، حسب أولوياتها عنده، فيبدو لي جليا أن الاستحمام لا يعنيه أمام حبه لمظهره وهو ملطّخ بألوانه، لم يكن يعنيه أن يأكل في مواعيد معينة، مثل أغلب الناس، بقدر ما يعنيه أن يشبع نظره بألوانه، وهي تسد جوعه تماما خلال انغماسه في الرّسم، لم يكن باستطاعته أن يهتم بشكل حذائه، وجواربه النتنة الممزقة، وفكرة إيجاد اللون المستحيل للوحته تسيطر عليه، كان مأخوذا بالفن، فعجز حتى عن رؤية نفسه، فهل كانت تلك الأسباب عقلانية لكره أحدهم، والنقمة عليه وفصله عن الجماعة؟ شخص مثل فان غوغ، عبّر عن إيمانه بأفكار معقدة، فرمي بالإلحاد، وقتذاك، لا يمكنه بالطبع أن يعيش في أوساطنا اليوم، لهذا يمكن طرح سؤال معقول جدا: كم من فان غوغ عربي وُجد بيننا وتم تدميره لأنه لا يشبه الجماعة؟ كم من مبدع فقدنا بسبب رفضنا للاختلاف؟
منذ الأزل، والأدمغة المختلفة تهرب من مجتمعاتها المغلقة إلى فضاءات أكثر حرية في تقبل الآخر، لا لتعيش بل لتبدع، إذ أن سهولة العيش لا تتطلب أكثر من وظيفة بسيطة توفر الخبز لصاحبها، وأدنى متطلبات الحياة له، أما المبدع فحياته مرهونة بإبداعاته، لذلك كثيرا ما نردد تلك الجملة الحمقاء «ها قد نجح لأنه خرج من هذه البلاد التي تقتل الأحلام»، في الحقيقة من يقتل الأحلام هو أنا وأنت وأولئك الذين يمثلون عائلته وأقرباءه وأصدقاءه وجيرانه وأبناء مجتمعه، الذين لم يتقبلوا اختلافه حين تفوّه به، أو بدا في مظهره أو سلوكه، نشارك جميعا في قتل موهبته حتى يصبح مشابها لنا، مستعملين كل وسائل الابتزاز حتى لا يشبه نفسه، في أعماقنا الهشة نصاب برهاب من اختلافه لأننا ندرس بحواسنا الخفية أن اختلافه سينتج شيئا ما، ونحن نعارضه ولا نحاول فهمه أو مناقشته بلغة خالية من التعنيف، لأننا خائفون من ثمار النقاش، فكل سجال ينشأ من التقاء فكرتين متضادتين، وهو في الغالب كملتقى سيلين خفيفين، بمجرد لقائهما سيشقان طريقهما معا وسط أعتى الحواجز، قبل أن يكونا بحيرة صالحة لكل أنواع الحياة في النهاية.
ثمة أشياء أخرى نجهلها، ففي الضفة الأخرى ليس النعيم، هناك حرب يشنها «عنصريون» أنجبهم العصر، هناك انتقادات من وسائل الإعلام، ومن جمهور يختلف في أذواقه عما ألفناه فيطلب الجديد المتميز لا ما يشبه ما لديه، هناك اضطهاد خفي هو المشترك بين البشرية جمعاء، لكن بحدة أخف، ما يجعل الأمر أسهل في مواجهته.
يُذكر بالمناسبة أنه خلال القرنين الماضيين، خاصة فترة ما بين الحربين، روائيٌّ من بين اثنين هجر كتابة الرواية إلى فنون أخرى، ورغم الانتقادات الحادة التي وجهت لبعضهم، لم يكن الأمر سيئا، فقد اتسعت دائرة الخيال، وانتعشت المؤسسات الإنتاجية، وبرز البعض كأبطال، مع أن المغامرة لم تخلُ من الخاسرين وشهداء الفن، إذ أن القطاعات الفنية تعززت بما يكفي لتصبح هذه الصروح التي نقف في ظلها فاغري الأفواه من شدة الدهشة.
٭ شاعرة وإعلامية من البحرين