تحذيرات رئيس الأركان… بين المناورة والحقيقة الأمنية و”مفاهيم معبد دلفي” 

حجم الخط
0

أصوات الحرب المقتربة تتواصل. والتقارير والتحليلات المتعلقة بتحذير رئيس الأركان افيف كوخافي المتحدثة عن مواجهة “قريبة” مع إيران، بقوة كبيرة في جميع القنوات والمحطات. في عدد من التحليلات أكدوا أن الأمر يتعلق بـ “تهديد مهم وفوري”، وقيل إن إيران قد نفد صبرها مؤخراً إزاء الهجمات التي لم تعد سرية، وأنها تنوي محاسبة إسرائيل.

سارع نتنياهو في هذا الأسبوع إلى ربط نفسه بأقوال كوخافي وحذر في بداية جلسة الحكومة من أن “ما قيل على لساني ولسان رئيس الأركان ليس مناورة، بل رؤية واضحة لتحديات الحاضر والمستقبل القريب”.

 هل الأمور حقاً هكذا؟ في توجيه رئيس الأركان للمراسلين العسكريين لم أجد أي تهديد ملموس بشأن هجوم إيراني قريب. الجملة التي يتم تكرارها في التوجيه والتي استندت إليها التحليلات الحربية هي ” الوضع متوتر وهش في الجبهة الشمالية والجنوبية، ويمكن أن يتدهور ليصل إلى مواجهة رغم حقيقة أن أعداءنا غير معنيين بالحرب”. بعد ذلك أضاف كوخافي بأن “التحدي الاستراتيجي الأساسي يكمن في المنطقة الشمالية أمام تمركز قوات إيرانية وغيرها في سوريا ومشروع الصواريخ الدقيقة”.

 الحرب موضوع جدي، والحديث عن احتمال اندلاعها يحتاج إلى نقاش جدي. أولاً، يجب علينا تنظيف الطاولة والتوضيح بأن توجيه رئيس الأركان ليس حرفاً سياسياً لتقدير الاستخبارات لصالح الادعاءات التحذيرية لرئيس الحكومة (التي لا تستند دائماً إلى الوقائع)، بخصوص تهديدات إيران. رئيس الأركان يخضع في الحقيقة للمستوى السياسي، ولكن في كل ما يتعلق بتقدير الوضع فهو يستند إلى الجهات المهنية في الاستخبارات العسكرية، التي هي المقدر القومي حسب النهج الإسرائيلي وليس الموساد.

 من سياق تقارير وسائل الإعلام، يظهر أن ما يشغل رئيس الأركان، وهو السبب الأساسي لتوقيت التوجيه، هو الحاجة إلى أن يدفع إلى المصادقة في الميزانية على الخطة متعددة السنوات وعلى رؤية الجيش الإسرائيلي الأمنية. هذه المصادقة عالقة بسبب الأزمة السياسية وعدم اليقين المستمر. رئيس الأركان “أضاع” سنة تقريباً من ولايته وهو يريد إغلاق فجوات بسرعة وأن تبدأ الأمور بالسير في كانون الثاني 2020، خاصة إزاء صورة التهديد التي رسمها في التوجيه.

 بخصوص المضمون، لن يجد القارئ المجرب في أقوال كوخافي أي جديد بخصوص خريطة التهديدات ضد إسرائيل. هذه خريطة يعرف الجيش منذ زمن كيفية التعامل معها. إضافة إلى ذلك، لا يظهر أن رئيس الأركان أراد تبشيرنا بحرب على الأبواب. لقد تحدث عن وضع خطير يمكن أن يتدهور بطبيعته إلى مواجهة عسكرية. وبالأحرى، على خلفية الحرب السرية والأقل سرية مع إيران، لكن الموضوع فهم بأن هناك خوفاً من هجوم إيراني كبير. كل ذلك استند إلى جملة واحدة ووحيدة لرئيس الأركان وهي “وضع متوتر وهش”. تفسير ذلك قد يكون فلسفياً – ثقافياً. تحدث رئيس الأركان بمفاهيم اوريكان من معبد دلفي، وهي كاهنة في معبد أبولو في اليونان القديمة التي جاء الزعماء لسماع رأيها في مسألة الحرب والسلام، وحصلوا على إجابات غامضة وغير قاطعة. كل شخص كان يمكنه أن يجد في إجاباتها ما أراد أن يسمعه. وقد انضم إلى هذه الأعراض الحوار العام المعتاد في إسرائيل عن نوايا إيران “محو إسرائيل”. هذا خطاب غير صحيح نجح نتنياهو في غرسه في قلوب سامعيه وهو يستخدم كأرضية خصبة للتحليلات “الحربجية” التي حصلنا عليها.

اختار رئيس الأركان التصريح بحذر، لذلك من المهم أن نعرف ما لم يكن ولم يقل في ذاك التوجيه. كوخافي لم يذكر “نموذج السعودية” ولم يقارن الهجوم الإيراني المفاجئ على منشآت النفط السعودية بصواريخ كروز وطائرات مسيرة بـ “مفاجأة يوم الغفران”. يبدو أنه أخذ في الحسبان بأن المقارنة السائدة مع الحالة السعودية تتجاهل الفرق الكبير في تناسب القوة والقدرات الزائدة لإسرائيل عن تلك التي لدى السعودية، وأيضاً ميزان الردع مع طهران الذي يميل لصالح إسرائيل. وتعزيز ذلك نجده في المقابلة، التي يكثرون من اقتباسها، التي أجراها رئيس قسم البحث في الاستخبارات العسكرية، العميد درور شالوم، قبل أسبوعين من الهجوم على السعودية مع صحيفة “إسرائيل اليوم”. رغم أن العنوان “بدأنا نلمس الحرب”، النموذج السعودي لا يحظى بأي تطرق من جهة شالوم.

 صحيح أن إيران رفعت نسبة الرهان على ردودها العسكرية في الخليج الفارسي وضد السعودية. ولكنها فعلت ذلك في سياق الردود على جهود الولايات المتحدة في الوصول إلى التحطيم النهائي للاتفاق النووي من خلال فرض عقوبات “ضغط بالحد الأقصى” في مجال تصدير النفط والبنوك. وذلك لا يفسر بأنه يمكن مد خط مباشر بين نشاطاتها وقرارها مهاجمة أهداف في أرض إسرائيل السيادية بالصواريخ البالستية أو صواريخ كروز من أراضيها. معنى هذا الهجوم هو الحرب الشاملة طويلة المدى وباهظة الثمن. لذلك، فإن تحليل نوايا إيران يجب أن يتم كما هو متبع في عمل المخابرات والعلاقات الدولية على مستوى اتخاذ قرارات جديدة، في تحليل أهداف حقيقية، وليس في أهداف مسيحانية متخيلة، بالوسائل المتاحة لتحقيقها وليس بإحصاء صور شيطانية.

 توجيه رئيس الأركان لم يتطرق أيضاً إلى التهديد النووي. لم نسمع منه أي كلمة عن تهديد وجودي نووي، الذي حذر منه في افتتاح جلسة الكنيست. (“آخذ في التعاظم مؤخراً”، “يجب إعداد الجمهور لما سيأتي”)، يبدو أن هذا هو الأسلوب الهادئ لكوخافي في عدم التوافق مع رئيس الحكومة الذي يقول إن إيران صعدت مجدداً على المسار الخطير المتمثل بتطوير السلاح النووي. ويبدو أيضاً أنه لا يوافق على الافتراض السائد بأن تجاوزات إيران العلنية للاتفاق منذ أيار تشكل خروقات شديدة وتقصيراً سريعاً للوصول إلى القنبلة النووية، ليست كذلك، وقد ناقشت ذلك في منشور سابق على الإنترنت. أما العميد شالوم فكان حذراً من الانحراف نحو الحتمية في الموضوع النووي. حسب رأيه، الحديث يدور عن سيناريوهات مختلفة، أحدها اتفاق نووي جديد (يشبه أو يختلف عن الاتفاق السابق). وعلى أي حال، لم يحدث أي تغيير في التقدير الأساسي، والآن “دخلنا إلى المجال الرمادي الذي يتقدمون فيه ببطء”. وهذا الواقع يقتضي عملاً استخبارياً حثيثاً، لكن إسرائيل لم تبق وحدها أمام إيران التي جددت مشروعها للسلاح النووي. لأنها لم تجدد، وليس هذا هو الوضع الاستراتيجي.

 كوخافي يتذكر أن حرب الأيام الستة بدأت بشكل مفاجئ، وفعلياً ليس في حزيران. العد التنازلي لها بدأ في بداية نيسان 1967 عند الإسقاط الاستعراضي لست طائرات سورية من نوع ميغ في سماء دمشق في إطار “المعركة بين حربين” على فلاحة أراض زراعية في “المناطق منزوعة السلاح”. في الخلفية، كانت هناك إعلانات إسرائيلية عن الحاجة إلى ضرورة إسقاط النظام في دمشق بسبب دعمه للمنظمات الإرهابية الفلسطينية. “وضع هش” مع ضم نص تهديدي من جانبنا وأيضاً في الجانب الآخر، يمكن أن يكون وصفة لحرب غير مرغوب فيها. وهذه رسالة أراد كوخافي إظهارها في صياغاته الحذرة.

بقلم: شموئيل مئير

هآرتس 29/10/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية