سؤال الهوية: من المتن إلى الهامش:
بقدر ما كانت تعاني الرواية العربية من إشكالية تمثيل الطبقات الاجتماعية التي لديها مجموعة من القيم المشتركة المتفق عليها اجتماعيا والانتماءات المتشابهة، ومعالجة المشكلات التي تواجه أفراد هذه الفئات الاجتماعية، التي كانت تنعم بالانسجام، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع، بزغت الآن في العشر سنوات الأخيرة من مراحل تطور الرواية العربية، ظاهرة الاختلاف والمغايرة والهويات غير المحظية بالاعتراف السياسي أو الاعتراف الاجتماعي، الرسمي أو غير الرسمي أو حتى التشريعي. اليوم بعد مرور فترة زمنية لا بأس بها، استطاع الخطاب الروائي أن ينوع في قضايا المختلفين، فظهر لنا عدد من الأعمال الروائية الخاصة بأدب البدون في الكويت، وهناك عدد لا بأس به من الروايات الكويتية، التي غطت الكثير من الموضوعات الإنسانية الخاصة بهذه الفئة. كما ظهر لنا أدب الأقليات والملونين: مثل رواية «لأني أسود» لسعداء الدعاس، ورواية «فرج: قصة الحب والعبودية» للكاتب القطري محمد علي عبدالله. كما ظهرت رواية تتحدث عن موضوع الهوية غير المشرعنة اجتماعيا وطرحت موضوعا يبدو لي أنه يطرح لأول مرة في الوطن العربي وهي رواية «حابي» للأديب الكويتي طالب الرفاعي. تعرض الرواية قضية من القضايا الشائكة في الوطن العربي، وهي قضية ازدواجية الجنسية. تناضل الرواية أدبيا في طرح الأفكار الجديدة والتصورات المختلفة لموضوع الهوية، وهذه واحدة من تحديات الرواية، بوصفها عملا من الأعمال التي تشارك في صنع ثقافة المجتمع، كما يوضح هومي بابا: «الحد الفاصل لعمل لثقافة يتطلب مواجهة مع الجديد، الذي ليس هو جزء من تواصل الماضي والحاضر. إنه يخلق فهما للجديد كأنه فعل متمرد للترجمة الثقافية» (هومي بابا).
لابد من القول إن الرواية العربية التي تنحو هذا المنحى من الأدب الذي يؤسس للاعتراف بالآخر، تقوم بدور لافت ومهم جدا في تاريخ الرواية العربية، بل إنها تستبق وتواكب المنظمات الحقوقية، في تمثيل معاناة الشرائح الإنسانية المقموعة والمحرومة من حقوقها الإنسانية، التي ابتليت بالاختلاف في فضاء لا يعترف بالمختلفين من أبنائه. إن هذا الاتجاه الروائي يعطي صوتا وحضورا لشخصيات تم تغييبها عن الفضاء الثقافي العام، عن سبق الإصرار والترصد من القوى الاجتماعية المتصلبة والمتمسكة بالعادات والتقاليد البالية، التي للأسف لم تحظ بأي رياح تغيير وفكر إنساني يلهمها ضرورة الاختلاف وتقبل الآخر.
نحن اليوم لا نتحدث عن تقبل الآخر المختلف، لأن الاختلاف مزية في حد ذاته، ولكن لأن هناك ذاتا محرومة من حقها في أن تحقق ذاتها ووجودها، وأخرى تعاني من التهميش وضياع حقوقها الإنسانية، وثالثة تعاني من العزل الاجتماعي، لأن الخطاب العام لم يعترف بوجودها بشكل مسبق. لذلك نجد أن الرواية اليوم تقوم بدورها الإنساني والتنويري تجاه هذه القضايا الإنسانية المستحقة، والفئات البشرية التي بدأت بكتابة وتحرير تاريخها الخاص، ولا أقول إعادة كتابته، لأنه لم يكتب بالأساس أو كتب من وجهة نظر السيد والمنتصر.
تنطلق هذه الرواية من معضلة حقيقية تواجه البطل/ة التي ولدت بعيب خلقي اتضحت مظاهره عليها في فترة مراهقتها، وبدأت بمشوار طويل من عمل الفحوصات اللازمة والتأكد من هويتها الجنسية.
كما هو معروف أن أدب «ما بعد الحداثة» هو أدب موضوعات هويات الأقليات العرقية والدينية، التي لم تأخذ حقها في التمثيل الكافي لها، وأيضا هو أدب الهوية الفردية وتحقق الذات، الهوية التي تريد شق طريق الاعتراف بها والتعايش معها بقبول وسلام وانسجام في المجتمع. وعند النظر إلى المجال المعرفي الذي ترتبط به الرواية، يتضح أن ضمن ما يسمى بأدب المهمشين والمنفيين في المجتمع. هناك في النقد الأدبي نظريات «Lesbian Theory» و«Queer Theory» وهما النظريتان اللتان تقاربان موضوعا مشابها ومختلفا لشخصية بطل رواية «حابي». تشتغل كل من النظريتين سابقتي الذكر على هوية الرجل والمرأة، التي شكلت بناء على الفهم الاجتماعي، وتراجعان بعض المسلمات والانطباعات المغلوطة التي حددت هوية المرأة والرجل من منظور اجتماعي. يقارب النقد الأدبي النصوص الأدبية، بناء على التوجهات العاطفية تجاه الجنس المماثل، والنفور من الجنس الآخر، مدافعين عن حق كل من الطرفين في الاختلاف. ولكن بطل رواية «حابي» (ريان) هنا يعاني من حالة مختلفة ناتجة عن خلل بيولوجي. وهذا ما جعله طموحا في الاعتراف بهويته الجديدة مثلما يوضح البطل: «أنا وأفكاري وذكرياتي. لم استمتع بأيام عمري كباقي البنات، منذ طفولتي وأنا أحيا بشخصيتين؛ الأولى ريان الطفلة، والثانية هاجس لا ينفك يلاحقني يهمس بي في كل لحظة: أنت لست أنت. كنت طفلة ولا أدري ماذا يعني هذا الهاجس، لكنني كنت أشعر أن جزءا مني يلبي نداء خفيا في روحي. لذا انسقت وراءه، تقربت من عالم الأولاد ودون أن أعرف تفسيرا لذلك».
تنطلق هذه الرواية من معضلة حقيقية تواجه البطل/ة التي ولدت بعيب خلقي اتضحت مظاهره عليها في فترة مراهقتها، وبدأت بمشوار طويل من عمل الفحوصات اللازمة والتأكد من هويتها الجنسية. واجهت ريان تيارا عنيفا من الرفض والإقصاء والتهميش من المقربين من أسرتها: والدها وشقيقاتها، ولم يتبق معها أحد سوى والدتها وصديقتها المقربة جوي. تكمل ريان مسيرة كفاحها من أجل التحول إلى هويتها الحقيقية، وتصبح ولدا بعد إجراء مجموعة من العمليات الجراحية. هنا، لا بد أن نذكر أن ريان ليست من النوع الأول ولا النوع الثاني في النظريات الغربية سابقة الذكر، بل هي حالة مرضية تستوجب التحول لأن هذا ناتج عن عيب خلقي وجد مع الولادة. وهذا ما يجعل ريان يحس بالمرارة لأنه تم رفضه مع أنه أمر مستحق ومتفق عليه قضائيا وشرعيا، لذلك استطاع الحصول على حقه الرسمي في التحول إلى رجل، بينما بقي الرفض الشعبي في المجتمع الكويتي يلاحقه في كل مكان، حتى قرر الانقياد خلف قرار المنفى القسري الذي زج به مجبرا على الرحيل إلى أمريكا ليبتعد عن المجتمع الذي لفظه بكل أعرافه وعاداته وتقاليده. هذا الرفض الذي تم التركيز عليه بشكل موسع في الرواية، تنقصه حقيقة توسيع دائرة الرفض، إذ اكتفت الرواية بسرد تفاصيل رفض المقربين منه: والده، وشقيقاته، وعماته، وزوج أخته. لو تم تسليط الضوء على شرائح المجتمع الأخرى لكان قدم لنا رؤية مجتمع بكافة أطيافها لهذا الموضوع أكثر عمقا ووضوحا.
من الملاحظ على شخصية ريان أن هويتها لم تتكون فقط في السنوات الأخيرة من فترة مراهقتها، بل من الواضح أنها كان لديها الكثير من الميول الذكورية منذ طفولتها وبداية مراهقتها، فكانت تميل إلى اللعب مع الأولاد، ولبس زي الأولاد أكثر من ميلها لبنات جنسها، ما يعني أن لديها النزعة الطبيعية نحو أبناء الجنس المماثل له. وتغوص ريان في التفاصيل التي تحاول ترسيخ شرعية وجودها وهويتها الذكورية، من خلال الحديث عن تاريخ حمل أمها بها إذ كانت تتصور أنها ذكر، واستعدت لإنجاب ذكر. فكأن كل هذه الملابسات توثق إحساس ريان بأنها ولد، وكأن الأدلة العلمية الطبية لم تكن كافية بالنسبة له ولأمه فيذهبان معا إلى دائرة المشاعر والأحاسيس والتفاصيل العاطفية التي تقوي آراء الطب بدلا من العكس.
إذا كانت الرواية تحفر بموضوع جديد، وهو التحول من الأنوثة إلى الذكورة وتحديد هوية الجسد، فإنها أيضا تنطلق من السياق الثقافي العام، الذي يعارض أي جديد أو تغيير نحو الأفضل، بحيث تكون سطوة العادات والتقاليد قوية ومهيمنة جدا، فجميع الشخصيات كانت تعاني من خوف شديد من نظرة المجتمع الإقصائية لأي تحولات جديدة تخدش بعض مفاهيم الشرف التي يؤمن بها أفراد المجتمع التقليدي. الملاحظ هنا في هذه الرواية كما في روايات أخرى كثيرة تشتغل على مناقشة وطأة العادات والتقاليد، تقوم بفضح لاعقلانية المجتمع الذي يقاوم المنطق من أجل اجترار عادات وتقاليد بالية، ولأنه لا يملك القدرة والجرأة الكافية لتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه الشخصيات التي تتعرض لإقصاء وتهميش وظلم اجتماعي. لنأخذ على سبيل المثال شخصية والد ريان، يعري بطل الرواية سلوكياته وخياناته المتكررة لوالدته، أي قيامه بانحرافات أخلاقية يرفضها المجتمع ويدينها الدين، ويعضد هذا السلوك المشين بإهمال تام لدوره في الأسرة، إذ تقوم الأم بدوري الأب والأم، ولكنه لا يلبث أن يتشدد في ممارسة دوره الصوري أمام المجتمع، ويعارض توجهات ريان في التحول إلى جنسه الطبيعي.
من أكثر الأمور اللافتة في رواية «حابي» هي الاشتغالات اللغوية وارتباطها بهوية البطل ريان، فبدءا من العنوان حتى نهاية الرواية، ونحن نجد اللغة تصاحب تطور وعي الشخصية حول ذاتها
كما تتأكد فكرة لاعقلانية المجتمع من خلال موقف اخته نورة وزوجها «المطوع» اللذين يعالجان ابنهما من عيب خلقي، وفي الوقت نفسه يطلبان من ريان الرحيل والعيش خارج البلاد درءا للفضيحة. يا له من مجتمع يقسو على أبنائه لكي يحافظ على صورته الشخصية، أمام ناس لا يمتون له بصلة. مجتمع يكرر ويؤكد على الصورة النمطية التقليدية نفسها، رغم لاعقلانيتها وتناقضاتها الحادة، لأنه لا يريد أن يتجرأ على التغيير ومواجهة المجتمع بقناعاته الجديدة والمعدلة. يوضح (Schopflin) في مقالته «بناء الهوية»: «الهويات راسية حول مجموعة من الأخلاقيات التي تنظم القيم والسلوك، لذا بناء الهوية بالضرورة يتضمن أفكارا حول الصواب والخطأ، مرغوب به، وغير مرغوب به، نقي وشائب».
الإقصاء اللغوي في الخطاب الاجتماعي:
من أكثر الأمور اللافتة في رواية «حابي» هي الاشتغالات اللغوية وارتباطها بهوية البطل ريان، فبدءا من العنوان حتى نهاية الرواية، ونحن نجد اللغة تصاحب تطور وعي الشخصية حول ذاتها، وتبدأ تتعرف على نفسها وتعلن وجودها من خلال أناها الخاص المتحول من الأنا الأنثوية إلى الأنا الذكورية. لقد كان/ت البطل/ة تعاني من ازدواج واضح في الهوية يتلاءم واسمه (حابي). عندما تأكد ريان من جنسه الذكوري، رغب في أن يحظى باعتراف عام من المقربين منه بمخاطبته، على أنه رجل من خلال الضمير المخاطب أنتَ، بينما المجتمع الأبوي الإقصائي يعمل على حرمان ريان من هذه الفتحة فوق التاء، لأنهم أولا: لا يعترفون بتحوله إلى رجل، وثانيا: لأنهم يريدون تصحيح الفكرة الخاطئة عن نفسه بأنه ولد. أنتِ/ أنتَ لم تكن مجرد ضمائر خطاب عادية، بل تم استخدامها من منظور اجتماعي أبوي إقصائي لتشكيك ريان بهويته الحقيقية، وحرمانه من لذة الانتصار في آخر الرواية.
عنوان الرواية:
عند الالتفات إلى اسم (حابي) عنوان الرواية، الذي يشير إلى هوية البطل المزدوجة الذي اختارته له صديقته المقربة جوي ويعني: إله عند الفراعنة «يظهر جسده معالم الجنس الأنثوي والذكري في الوقت نفسه». إن كانت الرواية تعرض لحالة الازدواج التي يعاني منها حابي، فإني أرى تفاصيل الرواية المكثفة جدا لرؤية ريان لنفسه على أنه ولد، لا تدعم التسمية التي اختارتها جوي له، لأنه بنسبة كبيرة متيقنا من ذكورته، ولو قلنا إن حابي هو بالنسبة للمجتمع ينظر له نظرة مزدوجة، وهذا الأمر ليس صحيحا لأن المجتمع أيضا ينظر له نظرة أحادية، إما بنتا كما يتضح من رأي والده، وشقيقاته وعماته، أو ولدا حسب وجهة نظر الأم وصديقته جوي. لذلك لا أجد التسمية دقيقة جدا، ولكن تأتي من باب الاستعانة بالرمز والأسطورة والميثولوجيا لتعيين وتسمية حالة إنسانية استثنائية ونادرة.
٭ كاتبة من الكويت