خيرية وصبا… شقيقتان كفيفتان تتغلبان على العتمة بنور القلب ومصباح البصيرة

حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: خيرية (45 عاما) وصبا (43 عاما) عدوي شقيقتان فلسطينيتان كفيفتان من قرية طرعان قضاء الناصرة داخل أراضي ،48 حرمهما القدر من نعمة البصر وعوضهما بالذكاء والإرادة. تخطت الشقيقتان كل المعيقات الممكنة وصمّمتا على التعلم ووصلتا للماجستير في جامعة حيفا في التاريخ والفلسفة.
من مدينة حيفا لم تكن العودة سهلة لعدم وجود مرافق وفرص وأجواء تساعد المكفوفين على التجول وممارسة العيش الطبيعي في قضاء حاجاتهم الحياتية. كان الحل بالنسبة لهما فتح محل للملابس وذلك في عام 2011 وسرعان ما ربطتهما علاقات الثقة مع التجار والزبائن. والذاكرة النادرة لدى كل من صبا وخيرية هي سر استقلاليتهما.
«القدس العربي» التقتهما داخل دكان الملابس واستمعت لتجربتهما المدهشة مع العائلة والمجتمع والمدرسة والجامعة والحياة، وكيف تعرفان أين الملابس موجودة وفي أي رف وكيف يتم الدفع والتعامل مع الزبائن، وماذا ينقصهما وماهي أحلامهما وغيره.
وعادت صبا وعدوي من حيفا عام 2006 إلى طرعان وكانت العودة غير سهلة لعدم توفر الإتاحة والاستقلالية وعدم وجود فرصة لاستخدام رصيف نظيف من المطبات والعثرات والمعيقات، بينما في حيفا تجولتا بحرية أكبر وزارتا الأماكن العامة بدلا من قضاء كل اليوم في بيت العائلة.
في البداية حاولتا الإفلات من الضيق بعمل تربوي محدود، لكنه سرعان ما توقف لمحدودية الميزانية المخصصة لذلك في المجلس المحلي، ولم تعثرا على ما يعينهما على استعادة طعم الحياة في مدينة حيفا.
وتنوه الشقيقتان إلى أن الحياة في حيفا خلال دراستهما الجامعية كانت أكثر يسرا منها في طرعان وطيلة تلك المدة اضطرتا للقيام بكل شيء لوحدهما بعدما أقامتا داخل شقة في حي «هدار» وتحركتا ودرستا وقضنا وقت الفراغ بمفردهما بعد إرشاد ومساعدة معلمة خاصة ساعدتهما على الاندماج في البيئة الجديدة.
وتستذكران تجولهما في حي «هدار» وشوارعه وزيارة محال الملابس حيث ولد هناك حلم افتتاح دكان ملابس خاص بهما، وهذا ما تحقق بعدما استدعاهما والدهما للعودة لطرعان وبقيتا في السنوات الأولى دون عمل وتعليم، مما أثقل عليهما من ناحية مالية وبالنسبة لهما الأهم هو نظرة مجتمعهما، فسماع ملاحظات من الغريب أقل مضاضة من سماعها من الجار ومن ابن أو بنت البلد، وعن ذلك تقول خيرية «اصطدمت ذات مرة في حيفا بشخص يهودي فقال شاكيا: ما بك لا ترين؟ فقلت له : نعم لا أرى. وعندها مضى بصمت. وفي طرعان اتمنى من الأسهل أن نصطدم بعمود مما نصطدم بإنسان خوفا من ردات فعل، ومع ذلك يبقى الشعور بالحسرة لثوان فقط فكلانا يهزأ بالمواقف المحرجة وبذلك نتجاوزها بيسر.
أما صبا فتقول إنها سمعت أقوالا مشجعة وأخرى محبطة في حيفا وفي طرعان وتضيف «لكن الأحوال في قريتنا أصعب، فالذهاب للبنك هنا يضطرك للاستعانة بمرافق… فمن غير المقبول السير مع عصا الكفيف وحتى الأرصفة لا تتيح ذلك فأحيانا تعتري السير عليها الحجارة وحاويات القمامة وغيره».
بعد خمس سنوات وجدتا أن الحل بفتح دكان صغير يشغلهما. وفي البداية قدمت الشقيقة الصغرى مساعدة لهما لكنهما اليوم تختاران الملابس من الباعة بواسطة اللمس وتحسس مقدار القطن والجودة وبتفعيل قدرات ترتبط بالبصيرة بعد فقدانهما البصر مبكرا وبالثقة مع الباعة.
وتضيف صبا «نكثر من الأسئلة وهم يشرحون عن الجودة والألوان والأشكال وغيره، وفي المرة الأولى أمسك تاجر رأسه بيديه متعجبا متسائلا كيف سنتدبر أمرنا فأبلغناه بألا يقلق».
«وفي البداية قامتا باقتناء الثياب الصغيرة البسيطة وبعض أدوات الحلي وبلغت قيمة الصفقة الأولى 140 شيكل وبدأنا بالبيع بالتدريج»، تقول صبا وخيرية ضاحكتين. وكان الأقارب والأصدقاء زبائنهما ولكن الدائرة أخذت تتسع ومن جهتهما شرعتا بتعلم الأعمال من خلال ورشة نسوية مركز الطفولة في الناصرة، وحازتا على قرض من صندوق «نتان» لتشجيع المبادرات لأن المصارف عادة تتحفظ إزاء منح القروض لذوي الإعاقة. وكانت البداية كما هو متوقع صعبة، فبعض الزبائن لم يفهم كيف لخيرية وصبا أن توصيا على ثوب معين.
وعن كيفية البيع والدفع توضحان أن بحوزتهما تطبيقا في الهاتف المحمول يتعرف على الأوراق النقدية وبعض الزبائن يساعد في ذلك أيضا.
وتستذكر خيرية أن سيدة اقتنت ملابس من الدكان ولم تصدق أننا كفيفتان وأن خيرية قادرة على تقديم هذا الشرح الوافي عن الملبس المطلوب رغم كونها كفيفة ورغبت أن تمتحننا فأمسكت بالورقة النقدية وعندما مددت يدي لاستلامها صارت تقربها وتبعدها. وعن ذلك تقول خيرية «يبدو أنها لم تدرك أننا نذكر كل شيء : نذكر ما هو موجود داخل الدكان وفي أي رف موجود وماهي مقاساته ولونه فذاكرتنا هي سر استقلالنا».
وتخطط الشقيقتان من طرعان لتوسيع الدكان وتعتبران ذلك رسالة تربوية أيضا لكل من لديه إعاقة ما مفادها أن كل شيء ممكن مع الإرادة كما تقول خيرية.
وتضيف صبا: «بوسع الإنسان العيش مع نقص ما والاندماج في مجتمعه وكل شيء منوط به وبشخصيته ونحن قررنا الحياة بشكل مستقل والاندماج حتى النهاية وفعلا لا نعاني من أي فراغ لكننا نطمح للعمل في وظيفة ثابتة مريحة لا تقتضي التنقل كثيرا. كما نحلم ببيت متاح يوفر جودة حياة وأن نوسع حجم الدكان».
وردا على سؤال عما إذا كان هناك ما تتوقان لرؤيته بشكل خاص، قالت صبا إنها لا تقول «لو ويا ريت» رغم التعرض أحيانا لمواقف فيها غصة. أما خيرية فتقول إنها طالما تحلم بقيادة سيارة.
ولدت صبا وخيرية مع مشاكل في العيون (ار بي) يبدو أنها وراثية ومرتبطة بزواج الأقارب، وفقدتا حاسة النظر بالتدريج حتى صارتا كفيفتين في نهاية المرحلة الثانوية. وتوضح صبا أنها تمكنت في البداية من قراءة النص بحروف كبيرة الحجم ولاحقا تعلمت لغة اللمس (البريل) واستعانت بالبرامج الخاصة في الهاتف المحمول لترجمة النصوص للغة صوتية، وهذا يسهل عليهما كثيرا ويتيح لهما التعاطي مع مضامين الثقافة والسياسة والدين وغيره، هذا علاوة على سماع الإذاعات والقنوات. ومن أجل دفعهما للاعتماد على الذات حرصت الأم منذ البداية على إشراكهما بالمهمات البيتية ولاحقا أدركتا أن ذلك فعلا كان لهما لا عليهما، أما الوالد الراحل خالد عدوي فكان متفهما راضيا محبا، قضى الكثير من وقته باحثا عن أي طرف خيط طبي يتيح لكريمتيه استعادة نور العين حتى رحل قبل سنوات.
صبا التي تشيد بالعلاقة الوثيقة المنفتحة مع والدها كانت تطلب إليه الكف عن البحث عن علاج لهما وتقول «من عمود لعمود بفرجها الرب المعبود». فهل نبحث الآن عن علاج بعد 45 سنة. أقرأ مواد طبية لكنني لا أبحث عن علاج فالحمد لله فقد بلغنا حالة تقبل ورضا.
على خلفية ذلك أرسلت العائلة الشقيقتين للتعلم في مدرسة ملائمة لهما في الناصرة حيث أنهتا الصف الثاني عشر، ومع ذلك لم تكن المسيرة سهلة بالنسبة للأب والأم أيضا اللذين قلقا من السفر يوميا من طرعان للناصرة.
وتستذكر صبا أن بعض المعلمين أيضا لم يحن التعامل معهما بمهنية وإنسانية وعن ذلك تقدم مثلا بالقول إن معلمة سألت الطلاب عن حلم كل منهم، فقالت إنها تحلم بدراسة الطب فأخذت تضحك وهي تسأل كيف تصبحين طبيبة وأنت لا تبصرين وعندما سمعتها قلت في سري: إذن من أجل ماذا اجتهد واتعلم؟
خيرية التي تعمل متطوعة في مركز الطفولة تستذكر بعض هذه التجارب الصعبة فتقول إن أحد معلميها منعها من المشاركة في الرحلة مع بقية أترابها. وتابعت «وقتها كنا خجولتين فلم نعترض على انتهاك حقنا وسلمنا بقرار المعلمين لكن اليوم لا نفرط به، فالحياة علمتنا التصميم ومنحتنا الثقة والقوة. كما علمتنا الحياة أن ندير أمورنا بشكل مستقل قدر الإمكان وبالاستعانة بتطبيق يترجم النصوص للغة مسموعة وهي تعيننا في قراءة شاشات ولافتات».
وتعمل صبا بالإضافة للدكان بشكل جزئي كمحاضرة وموجهة مجموعات في موضوع الإعاقة ونمط الحياة الصحي، ومرشدة في نادي المكفوفين في بلدتها.
وردا على سؤال ترى صبا أن الإعاقة لها تعويض، فالله يعطي قوة إضافية وبرضا الإنسان يقوي ذاته، فيجمع المعلومات مثلا ليصبح أكثر استقلالية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية