لندن ـ “القدس العربي”: صدر للزميل الناقد السينمائي التونسي خميس الخياطي كتاب بعنوان تسريب الرمل: الخطاب السلفي في الفضائيات العربية وذلك عن دار سحر للنشر في تونس. وقد سبق للزميل الخياطي ان نشر معظم المقالات التي يتضمنها كتابه الجديد في زاوية فضائيات وارضيات في صحيفة “القدس العربي” المخصصة لنقد الاعلام التلفزيوني العربي، الفضائي منه خصوصا.
وتتميز مقالات الخياطي بدقتها ودرايتها العلمية وعمق تحليلها لمضامين الخطاب التلفزيوني العربي، ولا تخلو، كذلك، من حدة في الطرح.
المهم، ايضا، في أمر هذه المتابعة الدقيقة والحثيثة لمفاصل من برامج الفضائيات العربية، هو نقد الجوانب البصرية باعتبار التلفزيون أساسا، وسيطا بصريا بالدرجة الاولي. قدم لكتاب الزميل خياطي المسرحي التونسي المرموق فاضل الجعايبي بمقدمة تلقي اضواء علي الكتابات والكتاب هنا مقتطفات منها: لعل الصداقة التي تربطني بخميس الخياطي منذ اكثر من ثلاثة عقود والتي تسبب في نشأتها فقيد علينا اسمه الحبيب المسروقي كانت هي الدافع الاول لاقتراحه علي وضع مقدمة لكتابه هذا.
ولعل الدافع الثاني يكمن في معرفة الخياطي الدقيقة لمساري الفني مسرحا وسينما وبالتالي لمدي تأزم علاقتي الصدامية العنيفة مع المؤسسة السمعية ـ البصرية في بلادنا منذ سنين، والا لماذا هذا الاستفزاز اللطيف الذي قاده ليحملني مسؤولية ابداء الرأي والتعليق علي نصه هذا وانا لست من ذوي الاختصاص ولا واحدا من رجال الاعلام ولا جهبذا من الباحثين في علم الاجتماع ولا محللا نفسانيا لما يسكن في نفوس وعقول كل من هب ودب، صاحب قرار او مجرد منفذ في حقل هذا الميدان المتشعب، الخطير، علما بأن للخياطي علاقات وصداقات كثيرة ومتنوعة بين نقاد ومنظرين ومؤرخين ومحللين في كل مجالات الاختصاص التي تحوم حول هذا القطاع الحساس؟
عرفت خميس في السبعينات، زمن خسوف الايديولوجيات التقدمية الكبري، عندما كان طالبا شغوفا بالعلوم الانسانية والسينما، وكنت انا مولعا بالمسرح.
والذي كان يربطنا والمسروقي، الطالب في علم الاجتماع وفي فنون الصورة، هو تعلق ثلاثتنا بقيم انسانية وسياسية، فلسفية وفنية، كنا ننهل من منظريها واقطابها المحدثين الفاعلين آنذاك كل ما كتبوا ووثقوا وصوروا وانجزوا ومسرحوا وغنوا بمختلف الاساليب والاشكال ما ارقنا وعقدنا فأحبطنا، لكنه غذانا وزودنا، فأمسينا نتساءل ونتناقش، نحلل ونتصادم بمستوي عنف وكثافة الافكار المتزاحمة المتضاربة والاحلام الكبيرة الصاخبة التي كانت تجتاح جيلنا، مواجهين مع الحبيب وقلائل الطلبة آنذاك من اصدقائنا الجهلوت الرهيب والدغمائية السائدة والعمي الفكري والصمم الحسي آملين لا محالة بالغد المشرق.
مضت السنون وعدت الي تونس صحبة الحبيب واسسنا مع الجزيري وادريس وبكار اول مجموعة مسرحية مستقلة، طموحة، تؤمن بتأسيس مسرح بديل نخبوي للجميع علي انقاض المسرح البورجوازي المتقهقر، الطاغي وقتها.
وبقي خميس في باريس. يدرس ويكتب ويبحث وينشر، يتفرج ويفكر، لا تفوته صغيرة ولا كبيرة ولا يخفي عليه شيء مما جد نشرا او تصويرا في السينما العربية والغربية وما حدث في الفكر والادب والمسرح العالميين. موسوعة لا تهدأ ولا ترتاح ولا تهاب الغوص في ام المفارقات الصعبة، بعيدا عن الانماط السائدة والافكار الجاهزة المعلبة، توقه لتعرية خلفيات وخبايا الافكار والاعمال، صراحته ودقة تحاليله، صرامته وجذرية طروحاته امست مضرب الامثال للكثير منها وجلبت له المشاكل وابعدت عنه اشباه الاصدقاء.
ورغم صداماتنا العنيفة حول ما كان يكنه آنذاك من تعلق مرضي بالسينما المصرية الجديدة، الشيء الذي كاد ان يشككنا في نزاهته الفكرية وعمق تحاليله الفنية والجمالية، لم تكن تحفظاتنا لتثنيه عن قناعاته ولا نحن تبعدنا عن ثوابتنا.
وفرقتنا الايام وامست لقاءاتنا متباعدة. لكنه كان يفاجئني بمواكبته المستمرة لانجازاتي المسرحية والسينمائية والكتابة عنها والتحليل الحر لها.
وعاد الي تونس في التسعينات والتحق بمؤسسة التلفزة التونسية التي كان ينفرها، فخاب الامل.
وها هو اليوم ينشر كتابا جمع فيه حصيلة ما كتبه في جريدة “القدس العربي” في خصوص ما قد يكون اكبر كارثة عرفها الانسان بعد القنبلة الذرية.
وكأن هذا الكتاب مجازفة جديدة يحاول بها الخياطي فرض، بل فض فصام عميق اصابه منذ سنين يتمثل في رفضه ما اقبل عليه والتنديد بما اختار التعامل معه و اصلاحه من الداخل من جهة والدفاع عن نفس الاختيارات من جهة اخري. فبات الامتثال والتمرد وكأنهما ركيزتا المفارقة الفصامية التي قد تبدو غريبة ولا تطاق عند البعض الذين مضوا بتهكم لاذع يشككون مجددا في مصداقية طروحاته وادعاءاته ونزاهة افكاره. وكنت من بينهم.
ثم مع مرور الزمن، فهمت ان ما يجتمع في الخياطي يتجاوز الصحافي والناقد، الباحث الجامعي والمنظر الميداني والمفكر، اذ ان اهم منهم فيه هو المواطن. اي الرجل الواعي بالمواقع التي منها يبحث ثم يكتب وبالزوايا المتعددة، المتشابكة التي من اعلاها او من اسفلها يتفرج ويشاهد. هو في الداخل والخارج في نفس الوقت، يتناول كل شيء من اعلي تجربته الانسانية النظرية والعملية والحياتية والجامعية الباريسية الماضية ومن داخل الارض التي كبر ونما فيها ثم رحل عنها وعاد اليها.
يدرس ويحلل ثم يكتب مخاطبا القاريء من داخل الجهاز الذي قرر التعامل معه وبه بمعرفة دقيقة لمخاطره ومزالقه، وخارج هذا الجهاز الذي هو متمرد علي قيوده ومتاهاته الايديولوجية السياسية الرقابية، يصف ويتفحص رابطا الخيوط الخفية للعبة التي هو فيها ومتفرجا عليها في نفس الوقت، موصلا اياها في كتابه هذا عارية شفافة الي بصيرة القاريء متفرسا كان او مبحرا في براءته الساذجة الاستهلاكية الحمقاء.