داعش ومشروع الشرق الأوسط الجديد

حجم الخط
0

اشتعلت الخلافات قبل حوالي السنة بين أبو بكر البغدادي وأبو محمد الجولاني، زعيمي فرعي تنظيم القاعدة في العراق وسوريا حينها، وأصدر الظواهري بياناً يقضي بكف يد البغدادي عن سوريا وتخصيصه في العراق فقط. لم تهدأ القصة، وبقيت تفاعلاتها مستمرة حتى أعلنت داعش انفصالها عن القاعدة بشكل كامل. تطورت الأمور أكثر ليفاجئنا زعيم تنظيم داعش بإعلان نفسه خليفة على المسلمين وأميراً للمؤمنين.
عند سماعي للخبر قفز إلى ذهني مباشرة السؤال: ماذا لو كان أسامة بن لادن حيّاً؟ هل كان ليتجرأ البغدادي أو غيره على إعلان مثل ذلك الأمر؟ أم هل كان سيعلن الخلافة ويطلب من بن لادن أن يكون الخليفة مثلاً؟ ولو أنه أعلن الخلافة دون قبول بن لادن، فهل كان يستطيع إقناع (المجاهدين) بالالتحاق به أو البقاء معه وترك أمير القاعدة الذي يعتبر من أهم الرموز بالنسبة للجهاديين حول العالم؟
بات واضحاً أن ملامح الشرق الأوسط الجديد بدأت بالتشكل في العام 2011، فقد نجح الربيع العربي في بعض البلدان وانطلقت الثورات في أخرى، وكان نجاح الولايات المتحدة باغتيال بن لادن، كما أعلنت، نقطة تحول وبداية جديدة، بعد غزو العراق، لاستكمال مشروع الشرق الأوسط الجديد، فقد استطاعت بذلك كسر تماسك التنظيمات الجهادية التي كانت تتبع للقاعدة، وباتت التنظيمات الفرعية في مختلف البلدان تنظيمات مستقلة لا تتبع لأوامر الظواهري، الذي فشل بملأ الفراغ الذي خلفه مقتل بن لادن، وبدأت الولايات المتحدة بالاستفادة من ذلك الأمر في تنفيذ سياستها بإنشاء شرق أوسط جديد.
عملت فروع القاعدة على استغلال الربيع العربي بأكبر قدر ممكن، فنشطت في اليمن وليبيا، ونجحت بتحقيق أهدافها بشكل كبير في سوريا، ومن ثم في العراق، حيث استطاع تنظيم داعش تأسيس كيان قوي في هذين البلدين، يملك من المقومات ما يفوق معظم الدول المحيطة، فقد سيطر على مساحات كبيرة من الأراضي الغنية بالنفط من جهة، والغنية بالموارد الطبيعية الأخرى كالماء ومقومات الزراعة وغيرها من جهة أخرى.
بلغ تنظيم داعش من التطرف والغلو ما لم يبلغه أي تنظيم آخر، فالقتل الممنهج والتعذيب لعناصر الجيش الحر أو الفصائل الإسلامية واتهامهم بالردة شيء خارج عن المألوف ويجعل من هذا التنظيم تنظيماً شاذاً حتى عن القاعدة المتطرفة أساساً! وتشير التوقعات إلى أن معركة دول وشعوب المنطقة مع هذا التنظيم طويلة وشاقة، وقد تستمر ل 10 أو 20 سنة مقبلة. وبناء على تلك المعركة سيعاد ترتيب المنطقة وتطبيق سيناريو (البلقنة) الذي يبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى.
إلى أين يأخذنا مشروع الفوضى الخلاقة الأمريكي؟ وكيف سيكون حال الشرق الأوسط الجديد بعد انهيار حدود سايكس بيكو؟
بات الأمر واضحاً الآن، وربما بعد سنة أو اثنتين تكون الأمور قد توضحت تماماً، وسنرى ترتيباً جديداً للمنطقة بأسرها، والعراق وسوريا بات تقسيمهما أمراً واقعاً، فالعراق سيكون ثلاث دول، وسوريا ستنقسم ربما إلى شرقية وغربية ومنطقة كردية، ولكن ماذا عن الأردن ولبنان ودول الخليج، هل ستبقى بمنأى عن هذا كله؟ ما زالت الصحف الأمريكية تبث سمومها وتنشر الخرائط والدراسات بشكل دوري، والتي تشير جميعها إلى تقسيم المنطقة إلى 14 دولة أو أكثر، وكل تلك الخرائط مجرد محاولات لجس النبض واختيار التقسيم الأنسب الذي يعتزمون ترسيم حدود المنطقة وفقه.
مشروع داعش مشروع كبير، ويفوق قدرة النظام السوري أو الإيراني على خلقه وتنفيذ مشاريعه كما يوحي البعض، وباتت داعش حلقة أساسية في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، بل باتت بحق قطعة شطرنج يتم تحريكها في الوقت المحدد لتنفيذ ما يحاك ضد المنطقة من مؤامرات.
فاضل الحمصي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية