النكبة الثانية

حجم الخط
1

من جديد، المسافة تتضاءل والتوقعات تزداد حجما وتأخذ أبعادا لا نهايات لها، ترتشف مفرداتها من خيط ذكريات أسود يمتد من مخيم اللجوء الأول وحمل البندقية وشحذ فكرة العودة إلى وطن مغتصب، وتغليفها بمسحة دامغة من الايديولوجيا، ولا تتوقف نهايته عند مسلسل الهجرات المتعاقبة ومحاولات ايجاد ملاذات جديدة في جهات الدنيا الأربع، مرورا بضرورات استنباط حيوات جديدة في كل مرة تفرض الظروف نفسها، مقتلعة معها حياة كاملة الوضوح بمعالمها اللحظية ومآلاتها المستقبلية لتحل محلها أخرى في متوالية لا تتوقف قط.
البعض يطلق عليها النكبة الثانية وآخرون النكسة الثانية، بينما حصيلة جمع بسيطة للأولى والثانية معا وما بينهما من حالات وعمليات تهجير قسرية، جمعية وفردية، تفضي بالضرورة الى نتيجة محتومة شقت طريقها، بقوة الحرب والاستبداد والتهميش والاقصاء، أخاديد في تاريخ ما يعرف بمنطقة الشرق الأوسط، وعنوانها الرئيسي اللعب على العامل الديموغرافي والمراهنة عليه في تثبيت التشوهات التاريخية التي ألحقها المشروع الصهيوني العالمي بالمنطقة جغرافيا وسكانيا.
صحيح أن مسلسل «موسم الهجرة إلى الشمال» المتواصل منذ زمن بعيد يشمل سكان بلدان عربية وغير عربية عديدة، لكن الانسان الفلسطيني كان على الدوام المستهدف الأول في هذا التحريك السكاني الأرعن، الذي يقود الناس باتجاه أوحد ووحيد، ابتداء من أضيق دائرة داخل فلسطين المحتلة وفي محيطها من دول الطوق، مرورا بدوائر نطاقها يتسع تدريجيا مع تمدد رقعة امكانيات وانجازات المشروع الصهيوني وأنظمة الاستبداد، ووصولا إلى تلك الدوائر الجغرافية القصية في مشارق الأرض ومغاربها، في مشهد القصد منه وضع اليد على مكمن ذلك المشروع اللعين القائم على افراغ فلسطين من سكانها الاصليين عموما، وسكان المخيمات الفلسطينية المنتشرة داخل البلاد المحتلة وفي محيطها الاقليمي على وجه الخصوص.
وما انضمام سكان قطاع غزة إلى ركوب مغامرة قوارب الموت في عرض البحر الأبيض المتوسط، إلا فصل واحد من فصول هذه التراجيديا السياسية الممتدة على امتداد القضية الفلسطينية، التي إن كانت حساباتنا فيها تقوم على المجموع أو بالجملة، فإن حسابات الكيان الصهيوني فيها تقوم على الفرد أو «المفرق»، كما يقال في لغة السوق، فكل فرد فلسطيني تنجح دوائر الحركة الصهيونية في ابعاده عن بؤرة الصراع العربي الصهيوني ومحيطها، بمثابة عملية اعدام ميدانية أخرى تضاف إلى مسلسل عمليات اعدام متنوعة ومبتكرة، لم تدخر اسلوبا إلا مارسته في هذا الاتجاه أو ذاك، بمساعدة حلفائها من العرب والغربيين، فمن بوسعه أن ينسى منطق المفاوضات التي تجريها الدولة العبرية أثناء عمليات تبادل الأسرى الفلسطينيين، التي لا نغالي ان قلنا إن أيا منها لم يخل من حالات ابعاد حتى لو كان إلى قطاع غزة فقط.
وللتذكير فقط، فإن من يعتقد أن القيادات الفلسطينية أو العربية التي دخلت في مفاوضات مع الكيان العنصري ووقعت معه اتفاقات أطلق عليها زورا وبهتانا اتفاقات سلام، كانت هي المبادرة إلى فتح ملف اللاجئين الفلسطينيين فيها، فهو واهم ولا يدرك الحقيقة، فالمبادر في فتح هذا الملف الشائك والحاسم كان دوما وفي كل الحالات الجانب الاسرائيلي، نزولا عند نصيحة مفكريه واستراتيجييه الذين يرون، وهم محقون في ذلك، أن القضية الفلسطينية برمتها قائمة على العامل السكاني وحده دون غيره، وأن عدم اجتراح الحلول المناسبة له يعني استمرار الصراع إلى أجل غير مسمى.
وفي هذا السياق يأتي التدخل السوري في الأردن مطلع سبعينات القرن الماضي وفي لبنان منتصف العقد نفسه الذي افضى الى خروج المقاومة الفلسطينية، بعد نحو سبع سنوات، إلى أقاصي العالم العربي الافريقي في شتات من نوع جديد فرضته متطلبات ضرورة الحفاظ على استقلالية الارادة السياسية الوطنية الفلسطينية، وفي هذا السياق ايضا تأتي اجراءات السلطات اللبنانية وأنظمتها، التي تغلق جميع الأبواب في وجه اللاجئ الفلسطيني المقيم على أراضيها، كي لا يبقى أمامه إلا باب الهجرة مفتوحا على المجهول، وعلى توسيع المسافة بين مكان اقامته الجديد وموطنه الأصلي فلسطين.
في السياق عينه أفرغت بغداد لاجئيها الفلسطينيين اثر سيطرة العقلية المذهبية على بلاد ما بين الرافدين، على ضآلة عددهم، وتفريغ مخيمات اللاجئين في سوريا منهم وفي مقدمها مخيم اليرموك، الذي هبط منسوب أعداد الفلسطينيين فيه من نحو مئتين وخمسين ألفا إلى نحو 15 ألفا فقط، وبالنسب نفسها مخيمات درعا ونظيراتها المحيطة بالعاصمة دمشق وحمص واللاذقية وحلب وغيرها، مثلما تأتي اجراءات الدول الغربية في التعامل مع حالات اللجوء المزدوج للاجئين الفلسطينيين، الذين تفتح ملفاتهم فيها بشكل فردي وتحت عنوان «بدون» جنسية، حيث يتعين على كل طالب لجوء فلسطيني الى دولة أوروبية، على سبيل المثال، أن يقر بحقيقة عدم انتمائه لفلسطينيته أولا وقبل الشروع في اجراءات ترسيخه في «الأرض العجوز الموعودة»، من خلال منحه اقامة دائمة ووثيقة سفر جديدة عوضا عن وثيقة السفر التي كانت قد منحته اياها مصر أو سوريا أو العراق أو لبنان، مع فارق وحيد يكمن في وجود إشارة خجولة لانتمائه الوطني في الحالة الأولى، بينما تنعدم تلك الاشارة في الحالة الثانية، ما يشكل سندا قانونيا يشي بتنازل اللاجئ الفلسطيني عن فلسطينيته، ويوفر وثيقة رسمية على الأرجح أنها ستشهر في وجهه ووجوه ممثليه السياسيين في الوطن البعيد عندما تحين ساعة حسم الأمر. حتى حلم العودة يجبر، في هذه الحالة، على نزع صيغته الجمعية عن نفسه ليرتدي عباءة الحل الفردي الصرف، القائم على الحنين الى وطن ضائع، متخليا عن أي صيغة قانونية تسمح بتحقيق ذلك الحلم على أرضية الانتماء الفلسطيني، ليختزل كل الحنين الفلسطيني المتراكم في التخطيط لزيارة فلسطين بصورة فردية بجواز سفر فرنسي أو ألماني أو أمريكي، وبذلك يتحول الفلسطيني صاحب الحق في أرض فلسطين الى مجرد زائر لها، وتتحول القضية الفلسطينية من قضية وطنية عادلة إلى قضية فردية تجرجر وراءها ذيول نوع مشوه من تحقيق حلم لا يسمن ولا يغني من جوع، مع انتهاء مدة تصريح الزيارة الذي تمنحه سلطات الاحتلال وفق مشيئتها وحسب الحالة الفردية التي تعالجها.
قتامة المشهد هذا لا تنم عن نزيف ديموغرافي فحسب، بل إنها تتخطى جميع الأطياف والألوان الوجدانية مخترقة العقل العربي الجمعي، الذي وجد نفسه في غفلة من العقل، أمام حالة من الدفاع المستميت عن جغرافيات ضيقة أشبه بألعاب الصغار، صنعها غيره بجرة قلم داخلا في متوالية من الاختزالات القيصرية التي لن تفضي إلا إلى اختزال معنى الوجود نفسه وحبسه في شرنقة فردية مريضة، في هذه الحالة، لأنها تنحي جانبا عناصر القوة الجمعية، سواء على مستوى البلد الواحد أو مجموعة بلدان الاقليم، وحتما إلى مزيد من النكبات على المستويين الفردي والجمعي.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية